Home»Islam»حديث الجمعة : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا))

حديث الجمعة : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا))

محمد شركي

يتواصل الحديث  إن شاء الله تعالى عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل  تصريحا أو تلميحا ، ويتعلق الأمر في حديث هذه الجمعة  بالآية الكريمة الواحدة والأربعين من سورة النساء التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا )) ،وهي مسبوقة بقوله تعالى : (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما )) الدالة على عدل الله تعالى، وعلى منتهى دقة ميزانه يوم القيامة حين تعرض أعمالهم الخلق عليه  .

ولقد بدأت الآية موضوع هذا الحديث بذكر مهمة المرسلين صلوات الله  وسلامه عليهم  أجمعين يوم القيامة حيث ينتصب كل واحد منهم شاهدا أو شهيدا على من بعث فيهم في الدنيا، وأوكل إليه الله تعالى تبليغ رسالته إليهم . ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين  إلى الناس أجمعين بين يدي الساعة ،فإنه ليس بدعا من المرسلين في مهمة الشهادة على أمته من زمن بعثته إلى قيام الساعة .ولقد تكفل الله تعالى بعد رحيله عن هذه الدنيا بتبليغ ما رسالته التي تعهد بحفظها  إلى العالمين حتى تبلغهم جميعا ، ولا يقبل من أحد  عذرا عن جهلها .

ومعلوم أن شهادة  المرسلين الأخروية  بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هي شهادة  تقتضيها محاسبة الخلق بين يدي الخالق عز وجل على ما كان منهم  في دنياهم على غرارما عهدوا في حياتهم الدنيا من محاسبة أمام قضائهم الذي ينتصب له قضاة لمحاكمتهم ، فيستدعون لذلك  شهودا يشهدون لهم أو عليهم . وقاضي الآخرة  إنما هو رب العزة ،وشهودها هم المرسلون والكرام الكاتبين من ملائكته  المقربين  الذين لا يغدرون صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها ودونوها لأن محكمة الله تعالى فيها العدل المطلق  كما ذكر الله تعالى في الآية الكريمة الأربعين من نفس السورة ، والدليل على هذا العدل المطلق أن عياره  أو مثقاله هو الذرة  كناية عن ما يبلغ النهاية  في الدقة و صغر الحجم أو الوزن ، وإذا  كان مثل الذر يوزن عند الله عز وجل ولا يهمل  ،فما بال ما عظم وزنه  وحجمه.

وأول ما يكون من أمر شهادة المرسلين على أقوامهم هو تذكيرهم بما كلفوا بتبليغهم  لهم على الوجه الأتم الأكمل كما أمرهم الله تعالى ثم  تعرض أعمالهم وأقوالهم على ما جاء في  تبليغهم لقياس المسافة بينها وبينه بمثقال الذرة .

والذي يعنينا في هذه الآية  التي هي منطلق حديثنا هذه الجمعة هو ما تضمنته من صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما الحال فهو من أحواله في الآخرة  يوم يبعث الناس ، وأما صفته فيها فهي صفة الشهيد أو الشاهد ،وهي صفة تستوجب بالضرورة صفات أخر منها  الصدق، والآمانة،  والعدل في الشهادة ، وهي  صفات اشترطها الله تعالى فيما تقتضيه الشهادات  في قضاء الدنيا  .

وقد يتساءل البعض كيف يكون الرسول  صلى الله عليه وسلم شهيدا على من لم يعاصروه  من العالمين إلى يوم الدين ؟ والجواب هو أن شهادته تتوقف على بلوغ رسالته وعلى كيفية الاقتداء والتأسي به في أقواله وأفعاله وتقريراته التي هي من وحي الله تعالى،ذلك أن من أحسن الاقتداء والتأسي كانت شهادته صلى الله عليه وسلم لصالحه، ومن فرط في التأسي والاقتداء كانت  شهادته ضده أو عليه . و يجدر بنا هنا أن نذكر  ما ذكر الله تعالى في محكم التنزيل بخصوص شهادة المسيح عيسى ابن مريم  على قومه  سواء من عاصروه أو من لم يعاصروه ولكنهم حذوا  في أمره حذو من عاصروه  حيث يسأله ربه سبحانه  كما ورد ذلك في الآية الكريمة السادسة عشرة بعد المائة من سورة المائدة التي يقول فيها الله تعالى : (( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي  ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علاّم الغيوب )) ، فهذا على سبيل المثال  نموذج  من نماذج الشهادة التي يقدمها المرسلون بين يدي الله يوم القيامة  بخصوص اجترحت أقوامهم . ونفس الأمر ينطبق على شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يأتي من أمته من لم  يتأسوا ويقتدوا به ،فيسأله الله تعالى أأنت أمرتهم بما أحدثوا فيما بلغتهم عني ، فيكون جوابه  حتما كجواب عيسى ابن مريم:  » سبحانك ما يكون لي أن آمره  بما ليس لي بحق، إنما أمرتهم بالتأسي وبالاقتداء بما أوحيت إليّ » .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم  » الشهيد أوالشاهد  » على أمته من لدن  بعثته إلى قيام الساعة ، وثانيا تنبيههم إلى ما يلزمهم من واجب التأسي والاقتداء بسنته  في أقواله وأفعاله وتقريراته، وهو ما يجعلهم ثابتين على محجته البيضاء التي ليلها كنهارها إنما يهلك الزائغ عنها .

 وليتيقن كل مؤمن ومؤمنة أنهما سيقفان بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وسوف يسألان، وسيكون الشاهد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة متعلقة بأمر التأسي والاقتداء به.ومما  له صلة بشهادته  ما أخبر به عليه الصلاة والسلام  في حديث صح  عنه قوله :  » أنا فَرَطُكم على الحوض ، فمن ورده شربه منه ، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا ، لَيَرِد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم  » وفي رواية :  » أقول إنهم مني فيقال : إنك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول سُحْقا سُحْقا لمن بدّل بعدي « ،  فهذه شهادة منه عليه الصلاة والسلام، وفيها براءته ممن أخلوا بواجب التأسي والاقتداء به ،ولهذا على الأمة المسلمة أن تستحضر هذه الشهادة من الرسول الأعظم ع في الموقف العظيم  كل وقت وحين وهي تمارس سعيها في هذه الحياة الدنيا . ولئن فعلت  ذلك فإنها  ستداوم على مراقبة الله عز وجل في كل أحوالها  مستحضرة ما جاء في الذكر الحكيم ،وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  من سنته الغراء ، و بذلك ستتنكب حتما آفة  التبديل أو التغيير فيما بلغها عن ربه عز وجل .

ولقد فشا  اليوم  في أمة الإسلام  كثير من التبديل والتغيير فيما جاء في الوحي كتابا وسنة  وصار يذيعه  فيها بعض من يقايضون آخرتهم بعرض الدنيا الزائل ، فيجمعون حولهم أتباعا  لهم يزعمون  له أن  النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بما لم يثبت في كتاب الله عز وجل، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال  إن هي إلا طقوس غريبة عن دين الله عز وجل ابتدعوها ، ولا سند لها فيما صح عنه  صلى الله عنه وسلم ، وإن بعض هؤلاء  يدعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد  أذن له في منامه  بأفعال أو أقوال لم تثبت عنه فيما صح  من سنته ، والأدهى من ذلك أن منهمنأأ آخرين  بلغ بهم الأمر حد الزعم أنهم يرونه صلى الله عليه وسلم  عيانا  افتراء عليه … إلى غير ذلك  من أنواع التبديل والتغيير الذي يقوض  واجب التأسي والاقتداء به على الشكل الذي أمر به الله تعالى ورضيه وقد أكمل الدين .

ومما  حدث فيه التغيير والتبديل في بعض المناسبات الدينية نذكر على سبيل المثال لا الحصر  أشكال الاحتفال بالعاشر من شهر محرم الحرام الذي  لم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترغيب في الصيام فيه  بعدما أخبره أهل يثرب أن أهل الكتاب  كانوا يصومونه لأنه يوم نجى فيه الله تعالى رسوله موسى عليه السلام من فرعون الذي أغرق  وجنده أجمعين، وكان هذا الحدث معجزة كبرى استوجبت طاعة الصوم شكرا لله تعالى  إلا أن المبتدعة انصرفوا عن هذه الطاعة إلى طقوس منحدرة من عادات أمم  مشركة ضالة فصاروا يوقدون النيران ك فعل المجوس ، ويتخذون ذلك لهوا ، ويتراشقون بالمياه كفعل الصابئة ولهم في هذه المناسبة من كل أنواع الشعوذة التي  لا يقبلها الله تعالى ولا يرضاه.

 ومع ما في هذا الحدث العظيم  من معجزة كبرى حيث انفلق البحر لموسى عليه السلام ، فإن طائفة محسوبة على الإسلام   قد حورت  وبدلت هذه المناسبة  بأخرى  وابتدعت  فيها ما لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  من مآثم  ومناحات و وسباب ولعنات … عمقت الفرقة بين المسلمين وأشاعت بينهم الكراهية و العداء وقد هان أمرهم عند غيرهم من الأمم التي تعادي دينهم ، و هي تتربص بهم الدوائر ، وتثير بينهم الفتن المظلمة كقطع الليل البهيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

اللهم إنا نعوذ بنور وجهك الكريم من فتنة الانحراف عن التأسي والاقتداء برسولك عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام ، اللهم اجعلنا على محجته البيضاء لا نزيغ عنها أبدا لا مبدلين، ولا مغيرين، ولا فاتنين ولا مفتونين . اللهم إنا نعوذ بك أن نطرد عن حوضه بسوء أعمالنا وأقوالنا .

اللهم انصر المجاهدين المرابطين في بيت المقدس وأكنافه ، واكفهم شر أعدائهم ، وطهر مسجدك الأقصى من الدرن الذي يتهدده إنك على كل شيء قدير .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *