السقايات العمومية والحمامات والفرانات بمدينة تاوريرت… ملامح من الزمن الجميل

محمد حتحوت

اخواتي إخواني اهل تاوريرت القدامى
هناك تفاصيل صغيرة عشناها في طفولتنا، لكنها بقيت محفورة في الذاكرة رغم مرور السنوات. تفاصيل قد تبدو بسيطة في نظر جيل اليوم، لكنها بالنسبة لنا كانت جزءاً من الحياة اليومية ومن روح مدينة تاوريرت الجميلة، حين كانت العلاقات الإنسانية أكثر دفئاً وبساطة.
ففي سنوات ما قبل السبعينات، كانت أغلب أحياء المدينة تفتقر إلى الربط بالماء الصالح للشرب، مما دفع المجلس البلدي آنذاك إلى توفير السقايات العمومية لتزويد السكان بهذه المادة الحيوية.
كانت السقاية فضاءً يومياً يلتقي فيه الناس، حيث نصطف كباراً وصغاراً، إناثاً وذكوراً، حاملين “السطل” و”البوش” و”البراميل”، في انتظار دورنا للتزود بالماء. ورغم طول الطوابير أحياناً، كانت روح التضامن والمحبة حاضرة بقوة بين الجميع
.
كما كانت بعض الآبار، خاصة بحي النهضة الهندية سابقاً، مورداً مهماً يعتمد عليه السكان لقضاء حاجياتهم اليومية، في زمن كانت للماء فيه قيمة خاصة.
ومن السقايات التي ما زالت راسخة في الذاكرة، تلك التي كانت قرب صيدلية النهضة حالياً، وأخرى بجانب سور المجزرة أو “الباطوار” كما كنا نسميه آنذاك وبحي الحلفة قرب المستشفى حاليا وبمدخل بالحرية . وكانت هذه الأماكن تعج بالحركة والحياة منذ الصباح الباكر
.
ومع مرور السنوات، تغيرت ملامح المدينة تدريجياً، وتم ربط الأحياء بالشبكة المائية، لتنتهي مرحلة جميلة ظلت محفورة في ذاكرة جيل كامل.
أما الحمامات الشعبية، فقد كانت بدورها جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية، خاصة وأن أغلب المنازل لم تكن تتوفر على حمامات داخلية الدوش. فكنا نقصد الحمام أسبوعياً رفقة الأصدقاء والأقارب في أجواء مليئة بالمرح والحيوية، حاملين “الطاسة” و”الفوطة” والصابون البلدي والغاسول
.
وللحمام طقوسه الخاصة التي لا تُنسى؛ حرارة البخار، رائحة الصابون البلدي، صوت المياه وأحاديث الناس… كلها تفاصيل صنعت جزءاً جميلاً من طفولتنا.
ومن بين الحمامات التي يتذكرها أبناء تاوريرت: حمام العمراوية المعروف حالياً بحمام بنزيدور، حمام الحفرة او الدروج وحمام البلدية لصاحبه بوجخروط وحمام بنيامنة ولخضر بحي الهندية، وحمام بلفقيه، وحمام سي إدريس بحي النهضة وحمام بنزاط وحمام الرصافي بحي الحلفة وحمام قصيري بحي الشهداء وحاليا حمامي اسطنبول وبني بويحيي، وهي أماكن لم تكن فقط للاستحمام، بل فضاءات للتواصل وتبادل الأخبار بين الناس
.
ومن المرافق التي ارتبطت كذلك بذاكرة المدينة، “الفرانات” التقليدية المنتشرة بمختلف الأحياء، والتي كانت تعرف حركة كبيرة خاصة خلال شهر رمضان والأعياد.
ففي زمن لم تكن فيه الأفران المنزلية متوفرة، كانت النساء يحملن صواني العجين والحلويات إلى “الفران” القريب من الحي، بينما كان الأطفال يتكلفون أحياناً بإيصال الخبز أو إرجاعه إلى البيت بكل فرح
.
وكانت رائحة الخبز البلدي و”المسمن” والحلويات التقليدية تملأ الأزقة، مانحة للأحياء نكهة خاصة لا تُنسى.
ومن أشهر تلك الفرانات التي بقيت عالقة في الذاكرة: فران أحمد، فران بوضة، فران لخضر بحي الهندية، فران عروب وميمون البوليسي بحي الحلفة، فران حمو بالحي الجديد وفران بوعلام، وبحي الحرية فران اللواتي وفران سليمان وغيرها من الفرانات التي شكلت جزءاً من الحياة اليومية لأبناء المدينة
.
لقد كانت تلك المرحلة، رغم بساطتها وقلة إمكانياتها، مليئة بالدفء الإنساني وروح الجيرة الصادقة. كانت الحياة أقل تعقيداً، وكانت العلاقات بين الناس أكثر قرباً وصفاءً.
واليوم، ورغم كل مظاهر التطور والراحة، تبقى لتلك الأيام نكهتها الخاصة، لأنها كانت أياماً صادقة وجميلة، مليئة بالمحبة والذكريات التي لا تشيخ.
رحم الله من رحل من أهل تلك المرحلة، وحفظ الله من بقي، وأدام على مدينة تاوريرت أمنها ومحبتها وذاكرتها الجميلة.ورقة بقلم



Aucun commentaire