Home»Débats»سؤال الهوية الثقافية المغاربية

سؤال الهوية الثقافية المغاربية

0
Shares
PinterestGoogle+

ذ سليمة فراجي


في مرحلة الطفولة والمراهقة، كنا منبهرين ايما انبهار بالمشرق العربي سواء تعلق الأمر باللحن والغناء او الشعر والادب والمؤلفات ، كما انبهر اجدادنا وآباؤنا رحمهم الله بكل ابداعات المشرق العربي .
قرأنا أعمال طه حسين وعباس محمود العقاد، وإحسان عبد القدوس وابن العميد وعبد الحميد وتعرّفنا إلى شعراء المهجر، مثل جبران خليل جبران وإلى الأدب الجاهلي، ومعلقاته وكتب التاريخ الأموي والعباسي والعثماني، كما عشنا على إيقاع الأغنية الشرقية وألحان كبار المبدعين فيها، وهم يستحقون فعلًا كل التقدير والاعتراف بما قدّموه للثقافة العربية من إبداع وتأثير ولا احد لم يتأثر بروائع الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش
بل إن هذا التأثر تجاوز الفن والأدب إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فكثير من الآباء والأمهات كانوا يسمّون أبناءهم بأسماء مستوحاة من شخصيات المشرق ونجومه. وما زلت أذكر أن والدتي رحمها الله أوصت بأن يُسجَّل اسمي في الحالة المدنية باسم “ناريمان”، كما سمّت إخوتي نادية وصدقي ولطفي، متأثرةً بأجواء السينما والأغنية المصرية، وكانت تتابع بشغف أفلام محمد عبد الوهاب مثل “الوردة البيضاء”. غير أن جدي، الذي عاش مرحلة المقاومة والاستقلال، كان أكثر تشبثًا بقناعاته واختياراته الخاصة، فلم يكن يخضع بسهولة لذلك المدّ الثقافي القادم من الشرق.
في تلك المرحلة، لم أكن أستوعب حجم التأثير الذي مارسه المشرق على الوجدان المغاربي. لكن مع سنوات الدراسة الإعدادية والثانوية ودراستي بجامعتي وهران والرباط بدأت أكتشف شيئًا آخر: صوت الدول المغاربية وهويتها الفنية والثقافية الخاصة. بدأنا نستمع إلى الفنانين المغاربة والجزائريين والتونسيين، واكتشفنا أن لهذه المنطقة رصيدًا حضاريًا وإبداعيًا لا يقل قيمة وعمقًا في جميع المجالات
كان للراحل عبد الوهاب الدكالي أثرٌ خاص في هذا الوعي الجديد، خصوصًا عندما غنّى قصيدة “أنت” للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، فبدت الأغنية المغاربية قادرة على الجمع بين الأصالة والرقي والحداثة. كما برزت أسماء مغربية أخرى في عالم الكلمات مثل أحمد الطيب لعلج واللحن الرفيع مثل احمد البيضاوي، والمغنين امثال عبد الهادي باخياط ومحمد الحياني ومحمود الادريسي وفتح الله لمغاري وغيرهم وفي الجزائر أصوات متميزة مثل نورة وأحمد صابر، ودحمان الحراش واحمد وهبي إلى جانب تجارب تونسية رائدة في الكلمة واللحن والأداء على سبيل المثال لطفي بوشناق ولطيفة وذكرى وغيرهم ، عندها أدركت أن الهوية الثقافية المغاربية ليست هامشًا تابعًا، بل فضاءٌ غنيٌّ ومتجذر وله وزنه الحقيقي.
ومع الأسف، فإن التوثيق لهذا التراث ظل ضعيفًا مقارنة بغناه. كما أن عددًا من الكتّاب المغاربيين الذين كتبوا بلغة المستعمر وهو اختيار مفهوم بحكم ظروف التعليم والتاريخ والتأثير الفرنسي الذي عشته شخصيًا أيضًا داخل الأسرة والمدرسة ركّزوا في كثير من أعمالهم على مظاهر التخلف والاختلالات الاجتماعية أكثر من اهتمامهم بإبراز الثروة اللامادية والتراث الحضاري لبلدانهم.
ولا يقتصر هذا التأثير الثقافي على الأدب والموسيقى فقط، بل يشمل أيضًا السينما والدراما. فقد عاشت أجيالٌ كاملة في الدول المغاربية على وقع الأفلام المصرية التي شكّلت جزءًا من الوجدان الجماعي، ثم جاءت لاحقًا المسلسلات والأفلام التركية لتواصل التأثير نفسه في الذوق والخيال والصورة الاجتماعية للحياة والحب والأسرة. وليس في ذلك ما يُعاب، فالثقافات الحية تتفاعل وتتبادل التأثير فيما بينها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ألم يحن الوقت لكي نمنح المساحة الكافية لإبداعاتنا نحن أيضًا؟
فنحن في الدول المغاربية التي دأبت على التناحر لسنا شعوبًا بلا ذاكرة أو بلا خيال جمعي، بل نحن أصحاب تاريخ طويل من الملاحم الإنسانية والحضارية، بتنوعه الأمازيغي والعربي والإفريقي والأندلسي والمتوسطي. لدينا قصص مقاومة، وأساطير شعبية، وسير أبطال، وحكايات عشق، وتراث شفهي غني، وموسيقى ولهجات وطقوس وعادات قادرة كلها على أن تتحول إلى أعمال سينمائية ودرامية عالمية إذا وُجد الإيمان بها والاستثمار فيها.
إن المشكلة ليست في غياب المادة الثقافية، بل أحيانًا في ضعف الثقة في الذات، وفي محدودية التوثيق والإنتاج والترويج. لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى الانغلاق على الذات أو رفض الآخر، بل إلى خلق توازن ثقافي يجعل أبناء المنطقة يشاهدون أنفسهم أيضًا على الشاشة، ويسمعون أصواتهم، ويرون تاريخهم وتفاصيل حياتهم ممثلة بصدق وجمال وإبداع.
فالذي لا يروي قصته بنفسه، وقصص اجداده وملحمات سلفه سيجد الآخرين يروونها عنه، وربما بعيون لا ترى كل الحقيقة
ومن هنا، يبدو لي أن من واجب الجيل الصاعد الحامل للهواتف الذكية و الألواح الإلكترونية اليوم أن يعيد الاعتبار لهذا الغنى الثقافي المغاربي، وأن يعمل على توثيقه وإبرازه في الشعر والأدب والموسيقى والفنون والعادات والتقاليد وكل أشكال الإبداع. الصين مثلا رغم علو كعبها في المجال الصناعي تتشبت بنشر ثقافتها وليس الهدف من ذلك التنكر للمشرق أو التقليل من قيمته، بل تحقيق التوازن الثقافي، وإنصاف الذاكرة الجماعية، وحفظ ما تزخر به مجتمعاتنا من تراث إنساني عميق ومتنوّع.
لقد كان للمشرق حضوره ، لكن الوقت قد حان أيضًا لكي نكتشف أنفسنا أكثر، ونروي حكايتنا نحن بأصواتنا، وبثقتنا في غنانا الحضاري والثقافي سواء تعلق الأمر بالأدب والفكر والشعر او الموسيقى والسينما ومختلف مجالات الابداع
كما يقع على عاتقنا المزيد من التأليف والتوثيق
ذ سليمة فراجي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *