Home»Débats»المغاربة من الشعوب الأكثر تعاسة!

المغاربة من الشعوب الأكثر تعاسة!

0
Shares
PinterestGoogle+

  اسماعيل الحلوتي

سعيا منها إلى محاولة تعميق الوعي لدى شعوب العالم بأهمية عدد من الأمور المحيطة بهم في الحياة، عملت عديد المنظمات والمؤسسات الدولية منذ عدة سنوات على اختيار أيام عالمية لأسباب ومناسبات مختلفة، سواء تعلق الأمر ببعض الأمراض الخطيرة والفتاكة من قبيل السرطان والإيدز والسكري وغيره، أو الترويج لمجموعة من القضايا الإنسانية والبيئية والإنجازات العلمية وما سواها…

      ونجد مثلا هنا في هذا السياق أن الأمم المتحدة حددت يوم 20 مارس من كل سنة كيوم عالمي للسعادة والرفاهية، باعتبارهما قيمتين عالميتين، جرى إقرارهما خلال عام 2012 بموجب القرار رقم: 281/66 اعترافا بمدى أهميتهما في حياة الإنسان، وذلك من أجل تحقيق أهداف نبيلة ذات بعد اجتماعي واقتصادي، منها تعزيز دعم التنمية المستدامة، وإبراز المفهوم الحقيقي للعدالة الاجتماعية والتواصل الإنساني…

      فبناء على التقرير السنوي حول مؤشر السعادة العالمي برسم سنة 2026 الصادر عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد، بالشراكة مع مؤسسة « غالوب » المتخصصة في استطلاعات الرأي وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة برسم عام 2026، الذي تم عبره تحديد معايير هذا التصنيف العالمي، اعتمادا على انتقاء مائة ألف شخص من 147 دولة، طلب منهم تقييم حياتهم من خلال تقييم أفضل حياة ممكنة بوضع علامة « 10 » وأسوأ حياة ممكنة بعلامة « 0 ». وأن كل شخص تم استجوابه يتعين عليه تقديم إجابة رقمية على المقياس الذي يسمى مقياس « كانتريل ». وينقسم مؤشر السعادة بالنسبة لكل بلد تم تقييمه إلى عدة مؤشرات: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، الدعم الاجتماعي، متوسط العمر المتوقع بصحة جيدة، الحرية في اتخاذ خيارات الحياة…

      بيد أن المغرب سجل خلال هذه السنة تراجعا واضحا بحلوله في المرتبة 112 من أصل 147 دولة، مبتعدا بذلك كثيرا عن قائمة الدول الأكثر سعادة في العالم. وهو التصنيف الذي أثار استنكارا شديدا على منصات التواصل الاجتماعي وخلف عدة تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه والعوامل المؤثرة في جودة الحياة، لاسيما في ظل استمرار التقهقر منذ أفضل ترتيب حققه عام 2016، حين احتلاله المركز 84.

       ومما تجدر الإشارة إليه هنا في هذا الصدد، هو أن المغرب جاء متأخرا كذلك ضمن بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ حل في المرتبة 14 من أصل 18 دولة. بينما ظلت فنلندا على الصعيد الدولي متربعة على المركز الأول في قائمة الدول الأكثر سعادة للسنة التاسعة على التوالي. وأن التقرير استند في هذه التصنيفات إلى عديد المعايير التي تشمل مستوى الدخل، الحالة الصحية، الشعور بالحرية ودرجة الثقة في المؤسسات، بالإضافة إلى كرم الأفراد وإدراك الفساد، كما سلط الضوء في نسخته الأخيرة على العلاقة المتزايدة بين السعادة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي خاصة في أوساط الشباب…

       فتقهقر المغرب إلى المرتبة 112 في مؤشر السعادة برسم سنة 2026 ليس بالأمر الغريب ولا حتى المفاجئ، خاصة أنه عودنا منذ سنوات على احتلال المراتب المتدنية في عدة مؤشرات، كمؤشر التنمية البشرية الذي احتل فيه خلال عام 2025 المرتبة 120 من أصل 193 دولة، والمرتبة 95 عالميا في جودة الحياة، مما يعكس بوضوح أن هناك تحديات هيكلية في منظومتي التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي، فضلا عن تأثير البطالة وضعف الإنتاجية والقيود البيروقراطية على هذه التصنيفات العالمية…

      ترى كيف لا يكون المغاربة من الشعوب الأكثر تعاسة على وجه الأرض ومعدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسية في تزايد مطرد، ناهيكم عن الفوارق الاجتماعية والمجالية وغلاء الأسعار وتفشي الفساد؟  فارتفاع أسعار المحروقات يعد من بين أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين، ولاسيما أن تأثيرها لم يعد منحصرا فقط في كلفة التنقل، بل تجاوزها ليشمل مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع، مما انعكست آثاره سلبا وبصفة مباشرة على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وضاعف من معاناة الأسر المغربية، حيث لم تعد الهشاشة تقتصر على الفئات المعوزة وحسب، بل بدأت تنتقل حتى للطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها اليوم تئن تحت وطأة الضغط اليومي المتزايد جراء تدهور القدرة الشرائية…

      ثم كيف يكون المغاربة سعداء والتقرير السالف الذكر ما انفك يدق ناقوس الخطر بخصوص ضعف مؤشرات التكافل الاجتماعي، بعد تقهقر المغرب إلى المرتبة 138 عالميا في « الدعم الاجتماعي »، والمرتبة 139 في مؤشر « الكرم »، إلى جانب التحول المقلق في مزاجهم العام، الذي يتضح من خلال التصاعد المتواصل في مؤشر « عدم المساواة »، التراجع المستمر في المشاعر الإيجابية مقابل التصاعد اللافت وغير المسبوق في المشاعر السلبية خلال السنوات الأخيرة بسبب السياسات العمومية الفاشلة؟

      فلا سبيل إذن أمام مدبري الشأن العام لإخراج المغاربة من تعاستهم وجعلهم سعداء، ما لم يسارعوا منذ الآن إلى الاستثمار الإيجابي في العنصر البشري بوضع المواطن في صلب اهتماماتهم داخل العملية التنموية. والحرص الشديد كذلك على جعل المغرب يسير بسرعة واحدة بدل سرعتين، لاسيما أن عاهل البلاد محمد السادس ما فتئ يشدد في أكثر من مناسبة على ضرورة مساهمة التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية في تحسين ظروف عيش المواطنين من مختلف الفئات الاجتماعية وفي جميع المناطق والجهات، تدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية وإيلاء أهمية خاصة للنهوض بالتنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية وتقديم الدعم المباشر لمستحقيه بدون تمييز…

اسماعيل الحلوتي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *