الصحافة..خضْراء الدِّمَنِ


رمضان مصباح
توطئة:
اذا اخترنا أن نكون مع السباع دائما ،فان الخرفان ستنقرض؛وسنحل محلها ،وجباتٍ شهية.
الرابعة ترتيب خاطئ:
المفروض في الصحافة –أي صحافة- أن تمهد لزرع الموقف الحق ،ثم تزرعه وتتعهده الى أن ينبت شجرة مثمرة ،لاشرقية ولاغربية،يكاد زيتها يضيء من وضاءة الحق اياه.
ولعل هذا هو المقصود من الوصف القرآني للشجرة المباركة وزيتها ،التي تنقدح نورا ،ولو لم تمسسها نار .
هو نور الله الحق ،الذي يتراتب نورا على نور.
والحق أبلجُ أنى لاح ، جهة الصديق أوجهة الخصم ؛ولا اجتثاثَ فعالا للخصومات كالانتصار للحق ،وعَقرِ الأهواء،حتى لا تُغرس وتُتعهد شجرة ألزقُّوم حيث لا يستظل غير الشياطين.
يقولون عنها سلطة رابعة،تقديما للسلط الأخرى الثلاث:التشريعية،التنفيذية والقضائية؛وهي في الواقع – كما غدت اليوم ،سريعة التعلق بقلب كل هاتف – تخالط كل سلطة على حدة،وكل السلط مُجتمعة.
تخالطها مخالطة تأثير وتوجيه ،الى أن يستوي القرار قالَبا ،قُدَّ من الصحافة أكثرَ من السياسة ،ومن سلالم البيروقراطية الباردة.
حتى القضاء الذي يناضل الحقانيون من أجل تثبيت استقلاليته ؛لا يمكنه ادعاء الاشتغال بعيدا عن زخم الصحافة .قد ينفصل حقا عن السلطتين الأخريين ،أما عن الصحافة فلا.
وهذا ملاحظ في الأنظمة الديمقراطية الراسخة في الفصل.
وتظل حاضرةً في مجاليْ التشريع والتنفيذ حضور تأطير وتوجيه؛اعتبارا لكونها المبتدأ والخبر في الأنشطة الحزبية،والانتخابات ،ومخرجاتها البرلمانية والحكومية.
وهي ،بهذا مُطْبِقةٌ على الدولة ،من جميع الجهات ؛تستنِد طبعا الى مخرجات التعليم الاجتماعية ،والخام ،لتكيِّفها وتُشبِّكها وتوجِّهها .
وانه لدورٌ نبيل ،واسع الاشتغال ،ليس رابعا فقط،بل أولا وثانيا وثالثا..
لكن أي صحافة أعني؟
سؤال يتكرَّس طرحُه،في ذهن كل شارب من مَعينها ،على مدى ساعات اليوم ،وأيام الشهر،وشهور العام ،وأعوام القرن..
وأصبح مُلحا أكثر ،اذْ انتقلت الصحافة من عَطالة الورق ،الى محيط « الداتا » الشاسع ؛الذي يتلاحق موجُه، سريعا، في كل حاسوب وهاتف.بقدرما اتسع ضاق كشعاع كُثِّف ليَنفُذ مخرِتقا.
اننا نستنشق الصحافة ،على مدار اليوم،فهل تم الانتباه الى هذا؟
بتنقيتها من شوائب النفاق ،المحاباة ،الكذب ، التشهير ،الغش والهدم..
وكل السُّلَّم القيمي الأسود؛الذي يندسُّ في المجتمع ،المؤسسات والأحزاب كدودة التفاحة ،تخالطها منذ الازهار الى أن تأتي على كل تفاحيتها ،وتتركها نخِرة يتعاورها النمل.
لو استحضرناها – في قوانينها – بكل هذه الخطورة ،لغَلَّقنا كلَّ مصانعها التي تنتج الرداءة،ولصَفَّدنا كل صحافي ،في سراحه خطرٌ على قِيم الوطنية ،النبل ،الفضيلة،الصدق،الموضوعية،وبناء المجتمع الأبي والشامخ.
ولنا الكثير من الأمثلة في الزمن الصحفي الدولي ،حيث أطاح الصحفي الواحدُ بجبروت الرؤساء ،والحكومات ،وقلاع الفساد..
ولا نعدم أمثلة من الصحافة الوطنية ، حين تُشمِّر للحق تتقصاه الى أن تصل الى العرق الأسود السام ،الذي يُنيخُ بالشجرة .
تقصِّي الحقيقة ،في كل أمر ،اشتغال في ورش الحق والمصداقية.
أما التأهيل لهذه الأدوار النبيلة ،فلا يتم كُلُّه في معاهد الصحافة ،لأن شهادة التخرج لا تعني شهادة على الفضيلة.
هي بذرةٌ في النفس ،يتعهدها التكوين الصحيح والفعال ،لتُبرعم صحافيا قديرا يصنع مجد الوطن وشهرته الشخصية ،بالاشتغال باقتدار لمصلحة الوطن ،والحقيقة .
وهل ننسى الأسماء الوطنية الكبيرة ،التي تحضر في أذهاننا الآن؟منهم من قضى ،ومنهم من ينتظر؛وما بدلوا تبديلا.
الأعشاب البرية:
تنبت كما اتفق ،لا أحد يتعهَّدها ؛منها ذات اللون والبريق ،ومنها المفيدة ،ومنها ما يعافه حتى الحيوان العاشب.
من جنسها صحافة أنعتها بخضراء الدِّمن ؛كالمرأة الحسناء في منبت السوء.
صحافة لعوب على الحبال ،تكاد لا تستقِرُّ على قرار ؛أو هي كراكبة الريح ،أنى هبَّت بها سارتْ .
صحافة لا تبني موقفا ،ولا تؤطر مواطنا ،ولا يهمها الحقُّ أصلا ؛لاشكلا ولا مضمونا.
لها أعناق زرافات ،لكن ليس للتقصي الصادق ،بل لتساير رقصة الأمر والتوجيه.
ثم هي معمل صباغة كاذبة؛تريك الأحمرَ أزرقَ ،والأسود أبيض..
كل بمقدار ،بثمن،بنهي أو أمر.
لاعهد لها ولاذمة:
اذا سايرتها في اللعب على حبال الوقت ،فأنت القلم الفُطْحُل ،والكاتب النِّحرير ؛وإذا ظهر منك نشازٌ صوب الحق ،وقسَم أقسمته على نفسك ،ألا تكتب إلا مجتهدا في الحق والصدق ،فأنت ثقيل الدم ،مُثقِل الركب ..
هذه الخضراء الدمن ،كشَّرت اليوم على أنيابها وعضت على الغطرسة والاستكبار؛مناصرةً للظلم بالسكوت عن الحق ،أو ليِّ عنقه و تقويله ما تُؤمر بقوله ،وتقبض ثمنا عليه.
كبريات الصحف العالمية ضد حرب هوجاء ،لا فائدة منها لأحد ؛عدا أن يكون الدمار هواية من هوايات بعض الدول.
نيرون أحرق روما ليتلذذ بالنار تلتهم ،والناس يصرخون.
وكل شعوب العالم الى جانب شعب مقهور ،لا ناقة له ولا جمل في ما خُصِّب أو عُقِّم.
ولا في هرمز أغلق أو فتح.
إلا هذه الخضراء الدمن ،في الوطن العربي، فلا تتبنى غير مواقف الاستسلام والخنوع ؛ان اعتبرا موقفا.
وبدل تفكيك شفرة الظالم ،اسهاما في وقف الدمار الكوني ؛تعمد الى المظلوم تُعمق جراحه ،وتضخم أخطاءه ؛وتحْفر قبره ،بدل تمكينه من أكسجين الحياة.
اذا اخترنا أن نكون مع السباع دائما ،فان الخرفان ستنقرض؛وسنحل محلها ،وجباتٍ شهية.
ومن يجعل الضِّرغام بازا لصيدِه ** تصيَّده الضرغامُ قبل أن يتصيدا



Aucun commentaire