ظاهرة انتشار الكلاب الضالة ومخاطرها!

اسماعيل الحلوتي

إضافة إلى ما بات يشهده المغرب في السنوات الأخيرة من ظواهر اجتماعية تثير قلق الساكنة بمختلف جهات المملكة وتؤرق المسؤولين، من قبيل انتشار التسول والتشرد والسرقة وتعاطي المخدرات، وفي ظل مسلسل غلاء الأسعار وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي وتفشي الفساد بمختلف أنواعه، هناك أيضا ظاهرة انتشار الكلاب الضالة التي ما انفكت تثير الرعب في أوساط الأسر المغربية، حيث لم تعد أحياء المدن وشوارعها تخلو من وجود هذه الحيوانات المخيفة مظاهرها والمقرفة أشكالها.
ومما لا ريب فيه وبشهادة المختصين أن هذه الحيوانات تشكل ناقلا رئيسيا لعدة أمراض خطيرة، نذكر منها على وجه الخصوص داء السعار والأكياس المائية والليشمانيا، وهو الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لتطويقها والحد من آثارها الصحية. حيث أن هناك معطيات رسمية تشير إلى تسجيل أزيد من 400 إصابة بداء السعار بين سنتي 2000 و2020 وأن نسبة 88 في المائة منها ناجمة عن الكلاب، وحوالي نصفها في أوساط القاصرين، ويتم الإعلان سنويا عن 20 إلى 30 حالة وفاة مرتبطة بأمراض حيوانية، يمكن الوقاية منها…
ففي هذا السياق يمكن استحضار عدة حوادث وفي مقدمتها حادث وفاة سائحة بريطانية جراء تعرضها لخدش كلب ضال، وما لقيه الحادث المؤسف من صدى إعلامي واسع، وعدم تجاهل ما أصبحت تشكله ظاهرة انتشار هذه الحيوانات الضالة من مخاطر على حياة الإنسان وتهديد أمنه وسلامته، لاسيما بعد تعدد اعتداءاتها على المواطنين بالمدن والقرى، وما تخلفه « عضاتها » من إصابات بليغة ومتفاوتة الخطورة، إذ طالما تسببت في إحداث عاهات مستديمة. ثم إنه طالما اضطرت السلطات المحلية إلى استنفار عناصرها عند العثور على جثامين أشخاص نهشتها الكلاب في هذه المدينة أو تلك القرية، مما حدا بعدة نشطاء إلى دق ناقوس الخطر، من خلال تداول صورا ومقاطع فيديو توثق لتلك المشاهد المؤلمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وارتفاع أصوات الاستنكار والتنديد بتنامي الظاهرة وتعدد مخاطرها، مطالبة بضرورة التدخل العاجل للحيلولة دون استفحالها، ناهيكم عما يصدر عن هذه الكلاب والقطط الضالة من نباح ومواء آناء الليل وفي الساعات الأولى من الصباح، ومساهمتها في تشويه المناظر العامة للمدن، وتلويث البيئة بسبب العبث الدائم بأزبال صناديق القمامة…
ويشار في هذا الصدد إلى أن وزارة الداخلية سبق لها أن وضعت منذ سنة 2019 مخطط عمل يمتد بين المدن من سنة 2019 إلى غاية 2025، يتضمن برنامجا وطنيا لإحداث 130 مكتبا جماعيا لحفظ الصحة، بغرض تغطية الخصاص الحاصل في التجهيزات الطبية بالجماعات الترابية التي تشكو من ضعف البنية التحتية. إضافة إلى أنها أعدت مشروع قانون لحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أضرارها، وذلك بتنسيق مع عدة قطاعات، خاصة أن المشروع يهدف إلى تنظيم تدخل الجماعات والسلطات المحلية والجمعيات المدنية والمواطنين، من أجل تحقيق توازن بين السلامة العامة والحفاظ على حقوق الحيوانات عبر توفير ما يلزم من وسائل الرعاية والحماية.
وبالنظر إلى ما لتفشي ظاهرة الكلاب الضالة من مخاطر على حياة المواطنين وخاصة الأطفال وكبار السن، فإن البرلمان عرف في الكثير من المناسبات طرح سلسلة من الأسئلة حول هذا الموضوع على وزير الداخلية عبد الوفي لفتيت، الذي أكد مرارا أن وزارته ما فتئت تعمل بكامل الجدية على مواكبة الجماعات المحلية، سعيا إلى تأهيل مكاتب حفظ الصحة وتجهيزها بالقدر الكافي من الأجهزة والمستلزمات الصحية، حتى تستطيع مواجهة هذه الظاهرة المقلقة والمؤرقة، بيد أن كل ما تم بذله من جهود وتقديمه من ميزانيات عبر المديرية العامة للجماعات الترابية في السنوات الماضية لاقتناء مركبات مجهزة ومعدات جمع الحيوانات، ظل دون تحقيق الأهداف المرجوة، حيث مازالت الكلاب تتكاثر وتنتشر بشكل لافت في المدن والقرى، مما يستدعي مقاربات جديدة وشاملة بغية التصدي الفعال لهذه الآفة المرعبة.
فيما يرى في المقابل عدد من المختصين والفاعلين الجمعويين أن تفاقم الوضع يعود بالأساس إلى غياب استراتيجية وطنية شاملة ومستدامة، تساعد في علاج الظاهرة من جذورها. إذ لا جدوى من الاستمرار في اعتماد تلك الحلول الموسمية والمؤقتة كالإعدام الجماعي، الذي لا يمكن بأي حال أن يؤدي إلى القضاء على الأسباب الأساسية، مثل التناسل والتكاثر الناجمين عن انعدام برامج التعقيم وتنظيم تربية الحيوانات، وغياب التنسيق بين السلطات المحلية والجمعيات وهيئات الأطباء البيطريين، فضلا عن نقص التمويل والبنية التحتية مثل ملاجئ الحيوانات الضالة ومرافق التعقيم، وضعف التوعية المجتمعية وغياب برامج تعليمية لتعزيز ثقافة احترام الحيوانات وحسن التعامل معها بطرق إنسانية…
إن ظاهرة انتشار الكلاب الضالة بمدننا المغربية تعد واحدة من أبرز الظواهر المقلقة التي تستدعي التعامل معها بما يلزم من حزم ومسؤولية، حيث أن مكافحتها تقتضي إيجاد حل شامل ومتكامل يجمع بين تأمين سلامة الإنسان والرفق بالحيوان، من خلال تفعيل دور الجماعات المحلية في تخليص الشوارع من الكلاب الضالة بطرق إنسانية، وتنظيم حملات تعقيم واسعة للحد من تكاثرها، فضلا عن تحسيس المواطنين وتوعيتهم بما يتعين عليهم القيام به من تعامل سليم مع رمي الأزبال، والحرص على وضعها في الأماكن الخاصة، وإحداث مراكز إيواء كافية لهذه الحيوانات وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لها.
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire