اني أتنفَّسُ تحت الماء..

رمضان مصباح

وانْ قُتل الميناء، لم يرحل المحيط:
أوجد بالقنيطرة، ورجلاي في الماء، كما بينت في مقالي السابق؛ وان كنت بمكان قصي عن امتدادات وارتجاجات سبو ،المنحدر عرمرما نحو المحيط.
بحر في طريقه الى البحر؛ يتبادلان التحايا في تخوم الميناء ،الذي أسسه « ليوطي » سنة 1911 قلبا نابضا تمتد اليه، ومنه، كل الشرايين الاقتصادية، الفلاحية بسهل الغرب.
السهل لايزال على عهده ،وفرة،أما الميناء فقتله الاستقلال ،أو ما بعده بقليل.
كل محاولات الاحياء فشلت ؛وكأن الأمريكيين حينما غادروا قاعدتهم ،سرقوا روحه.
اليوم ،وسط بحرين :سهل الغرب الذي يتنفس تحت الماء ،والمحيط ؛تبدوا القنيطرة كلها كميناء كبير .
وكأنها تحتج على الميناء الميت تحت ابطها كثؤلول .
وقد نراها كحاملة طائرات ضخمة تمخر العباب ،بفارق كونها تحمل أمل سهل الغرب كله ،والغرباويين ،في أن يولد لهم الميناء من جديد: قنيطرة أطلنتيك،على غرار طنجة ميد.
اذا كانت الغلبة للاقتصاد فسهل الغرب سلة يتغذى منها المغرب كله ،وافريقيا وأوروبا، وأبعد..
وثنت الدولة الثراء الفلاحي بالثراء الصناعي؛ خصوصا السيارات العابرة للقارات.
ألا يستحق كل هذا قلبا نابضا /ميناء يُنشط الدورة الاقتصادية الغرباوية ،وينقلها الى العالمية، بأقل تكلفة؟
ان المحيط ينتظر منذ الأزل ؛وحتى حينما مات الميناء لم يغادر هو.
لأنه يعرف أن الرشد السياسي والاقتصادي سيعيدانه الى سيرته الأولى ، لكن بوفرة اليوم وسرعته وخرائطه.
سينهض غربٌ جديد:
في كل مساء أقصد ركح السلام ،المتبادل بين سبو والمحيط ؛أما العناق فيتم في المهدية ،حيث يحدث ما يشبه التوحد الصوفي ،الانصهار التام.
يصل سبو الى نهايته ،نهرا مغربيا؛ لتبدأ عالميته عبر محيطات وبحار الكون .
أقف مع الواقفين الحيارى ،لكن كل ذهني منصرف الى المابعد.
هذا المابعد الذي رافق نوحا في الطوفان الكبير ،سؤالا، الى أن جاءته الحمامة بما يبشر بالأرض من جديد .
نعم الغرب يتنفس الآن تحت الماء، لكنه لن يغرق.
سيعاوده اليبَس من جديد ،ومعه خصب لا عهد له به؛ فكما جعل الله الرياح لواقح ،جعل الفيض كذلك ،مُجددا لخصوبة التربة .
وقبل حديث التربة والخصب حديث الانسان ؛حديث الغرباويين في نكبتهم وبعدها.
تتبع أشرطة الغرق يقشعر له بدني ؛فهي الملحمة حقا :
أن تفلح الدولة في انقاذ عشرات الآلاف ،واخراجهم من ديارهم ،بأبقارهم وخيولهم وماشيتهم وقططهم وكلابهم الى بر الآمان.
وتطعمهم وتغطيهم وتداويهم وتحرسهم .
وتوفر للقطعان والدواب التبن والأعلاف.
ليس هذا سهلا أبدا ،ومن يرى غير هذا عليه أن ينزل الى الميدان ؛ومن يتوقف عند حالات معزولة تصرخ وتحتج ؛عليه أن ينظر الى عشرات الآلاف من الجالسين الآن ،في خيامهم، آمنين مطمئنين؛ وان كانت أرواحهم في منازلهم المغمورة ومرابعهم.
وتتوالى لوحات الاغاثة :
والي الرباط ،سلا، القنيطرة، في كامل عدته الطينية:البوط والدجين.
عامل سيدي سليمان ،عابر في الزودياك، ضمن المنقذين ؛والوجهة حيث الغرق ،حيث المسنون والمرضى.
أرتال القوات المسلحة الملكية ،وعلى رأسها ضباط كبار وسامون؛ ووجهتهم الجزز الجديدة بسهل الغرب. أرتال بكل عتادها الثقيل والخفيف.
سواعد الدرك الملكي وآلياته.
وشرطة القصر الكبير وهي تطعم القطط والكلاب ،بعد أن خلت المدينة كلها .
« في كل ذي كبد رطبة صدقة » ها مدلولها الميداني ،وليس التفسيري في المنابر.
ويأبى شباب كنا نخاله غُفلا ،لاهيا، الا أن يرسم لوحات انقاذية رائعة ؛مبادرا بدراجاته المائية . البارحة لهو ،واليوم أمر وجد.
أبعد كل هذا لا نتصور أن هناك مغربا جديدا سينهض من هذه النكبة؟
ان النكبة تولد اللُّحْمة بين الموطنين ،وبينهم وبين الدولة .
سيُنبت اليبَسُ من جديد ،لكن ليس الغذاء فقط؛ بل الانسان المغربي ،الصامد والقوي الشكيمة.
وانها لسنة انتخابات ،وسيكون الحساب فيها عسيرا ؛وسيعلم سياسيو الفشل أي منقلب سينقلبون.
حينما حضرت الملكية ،حضور الحَرْكات القديمة في وجه الغزو الأجنبي؛ وحينما تعاضدت كل مؤسسات الدولة ،سدا منيعا لصد الغرق والموت غرقا وجوعا.
وحينما حضر الشباب الحضري والوبري ،سواعد واحد في وجه النكبات.
حين.. وحين.. وحين.. غابت الأحزاب والمنتخبون ،الا قلة.
فليذهبِ الفاشلون مع ما سيذهب في جوف التراب ،ولْتبرعم البذور.
ليعاود سهل الغرب سيرته الأولى وأفضل.
القنيطرة:9/2/2026





Aucun commentaire