هل تضيع بلاغة الأمازيغية؟

محمد شحلال
سبق للشاعر حافظ إبراهيم أن تنبه مبكرا لما يكال للغة الضاد من تهم النقص والعجز عن مسايرة التطور عبر قصيدة خالدة،يدافع فيها عن هذه اللغة،ويتهم أبناءها بالقصور في حقها،وقد جاء في مطلع القصيدة:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي
وولدت فلما لم أجد لعرائسي رجالا وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظا وغاية وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات؟
دافع الشاعر ،،البعثي،،بكل ما أوتي من غيرة عن العربية،وحدد مسؤولية ما يطالها من تهم عبر بقية الأبيات،لكن شاعرنا رحل قبل أن يعيش أوضاع هذه اللغة التي سمح الانفتاح الإعلامي بكسر كبريائها لتتحول إلى ،،لغة سوقية،،يروجها مستعملوها بأساليب فجة ومنفرة خاصة بعدما ابتدع أبناء العصر أنماطا جديدة من التعبير التي يتعذر مسايرتها من طرف المتمسكين بأصول التعبير الذي توارثوه عبر التراث العربي الغني بالأساليب البلاغية وفنون التعبير.
وإذا كان الاهتمام باللغة العربية مهمة الملايين من أبنائها الذين يكتفي العديدون منهم بالتفرج على النيل منها،فإن الأمازيغية لم تسلم من التدني الذي يطاردها حتى أصبحت لغة في أدنى حدودها من أساليب الخطاب والتعبير.
وبما أن عبد ربه من الأوفياء لهذه الأمازيغية التي رضعنا أصولها مع حليب أمهاتنا،فإنني أود الإشارة إلى أن جزءا هاما من قاموس الأمازيغية بمسقط الرأس قد ضاع إلى الأبد.
لقد أصبح النشء يكتفي بأدوات التخاطب والتواصل في أدنى حدودهما معتمدا تزويجا قسريا لألفاظ من اللسان الدارج لتبليغ أفكاره،بل إن ربات البيوت قد ساهمن في شيوع هذا،،اللسان الجديد،،عبر ما يلتقطنه من المسلسلات وكأنهن يتخلصن تدريجيا من أمازيغية أصيلة لم يعد بوسعهن استيعابها ولا ضبطها.
إن أمازيغية أمي-رحمها الله-ومجايليها من النساء والرجال قد اختفت من التداول،ولم نعد نسمع الأساليب البلاغية والتعابير المشفرة التي كان الإلمام بها يتطلب رصدا لردود أفعال الناس وتعبيرهم في مختلف المواقف من أجل فهمها ثم النسج على منوالها حينما يستدعي الأمر ذلك.
وقبل عرض نموذج من درر التعبير التي خرجت عن التداول،يتعين أن أذكر بأن ضياع العديد من مصطلحات الأمازيغية ببلدتنا ،كان سببه اختفاء بعض الأعمال الحرفية والأدوات التي كانت تشكل متاعا لاغنى عنه في حياة الأهالي.
وهكذا،فإن صناعة الحصير والزرابي،كانت تغني رصيد الأجيال بمصطلحات متعلقة بهذه المصنوعات ،ذلك أن المنسج وباقي مكملاته،كان يحيل على اسماء كل جزئياته، حيث يبدا القاموس من مرحلة اللبنة الاولى التي تسمى،،،،أفال،،إلى باقي ،،مراحل العملية التي تنتهي بما يدعى: ،،أقظاو،،
ودون الخوض في كل تفاصيل المنسج،فإنه يكفي أن تسأل شابا من ابناء البلدة عن معنى: ،،ثيدي،،بتشديد الدال لتفاجأ بأنه لم يسبق له ان سمع عن هذا اللفظ،وهذا صحيح لانه لم يعد هناك من يصنع الحصير،أما ،،ثيدي،،فيقصد بها طي الجزء الأول من المنسوج بعد أن يتعذر على الناسجة مواصلة العمل بسبب بعده عن متناولها وحاجتها لطيه على العمود السفلي ب للانتقال نحو إنجاز باقي،،ثيدا،،وهي جمع،،ثيدي،،!
ولعل ماغاب من مصطلحات تتعلق بالمنسج،ينطبق كذلك على مكونات الخيمة التي انقرضت،بل على قرب الماء التي تمر بمراحل وتتطلب مواد لتحضيرها من قبيل،،الدباغ،،وهو يطلق على قشور جذور شجر البلوط التي تستعمل في تقوية القربة ثم مادة القطران التي تخلص الجلد من الروائح الكريهة والشوائب وتضمن نكهة مميزة للماء.
قد يطول الحديث في هذه الأمور التي نحمد الله على ان معظمها مازال محفوظا لدى بعض الأهالي ممن مازالوا على قيد الحياة ،لكنهم لا يستطيعون ترسيخها في النشء لانها لم تعد متداولة،وبالتالي فإن هذا النشء قد استسلم لوسائل التواصل الاجتماعي ولا يربطه بواقع العائلة الا وجبات الطعام التي عرفت بدورها إقحاما لأكلات دخيلة على النظام الغذائي.
وإذ،أتحسر على واقع الضاد والامازيغية معا،فإني اختم هذا الهذيان،،بواقعة طريفة تتجلى فيها أهمية الإلمام بخفايا الأمازيغية.
كان أحد إخوتي قد استدعي إلى محكمة وجدة في ستينات القرن الماضي بمعية مجموعة من الأهالي بسبب مخالفة سجلها في حقهم حراس الغابة،ولما كانوا في انتظار المناداة عليهم في مدخل المحكمة،تقدم نحوهم أحد الفضوليين،وراح يسألهم عن هويتهم وعن دواعي حضورهم هنا محاولا الوصول الى غاية ما،لكن رجلا معروفا بنباهته ممن كانوا مع أخي،سارع الى تفويت الفرصة على الفضولي حينما خاطب رفاقه :
ألواغش قاون ثوريفث ذيس ثيزرا
والمعنى: ،ايها الرفاق إن،،لكلية،،وهي الشعير المحمص،فيها حجارة وهو يقصد أن يضبطوا ألسنتهم لان الرجل قديكون مخبرا.
ربما لو سالت الان عشرات الشباب في البادية عن المعنى الذي ترومه هذه العبارة،لكان جوابهم بعيدا عن القصد،بل ربما تعذر على بعضهم أن يعرف معنى ،،ثوريفث،،أو ،،ثيمدزين ،،كما تسمى كذلك.
إنه نموذج بسيط مما كانت تزخر به أمازيغيتنا من بلاغة وتعابير رائعة ما لبثت أن اختفت للأسباب السالفة ولدواع أخرى،لكن هل يفكر الغيورون على لسان بلدتهم في حفظ ما تبقى من درر لعل الباحثين يجدون ضالتهم في قادم الايام حين يشدهم الحنين إلى حقبة من تاريخ أجدادهم،ذلك ما أتمناه،كما أتمنى أن نلتفت جميعا الى حال لغة الضاد التي يستخف بها الناس خاصة في وسائل الإعلام التي لا حدود لتأثيراتها.





Aucun commentaire