Home»International»« بين لجراف ».. الجرح الحدودي الذي أبى أن يفقد هويته وانتماءه

« بين لجراف ».. الجرح الحدودي الذي أبى أن يفقد هويته وانتماءه

0
Shares
PinterestGoogle+

المختار أعويدي

      « بين لجراف »..!! الموقع الجغرافي الرائع ونقطة التماس الحدودية الفريدة من نوعها بين البلدين الشقيقين المغرب والجزائر..!!

      « بين لجراف »..!! روعة المكان وقيمته لا بل حتى قداسته لدى كثيرين من مواطني الشعبين، لا تنبع فقط من جماله الطبيعي الأخاذ وروعة تضاريسه فقط، حيث ينتصب جبلان (جرفان) شامخان متقابلان على خط الحدود الفاصلة بين البلدين، يطل كل واحد منهما بأسى وحزن صامت على تراب وأهل البلد الثاني، وينفتحان بسخاء على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويلتقيان ويلتحمان بتواضع بانحنائهما عند قعر واد كيس الفاصل بينهما، الذي يختزن ويختزل ألف حكاية وحكاية.. واد كيس وضفافه الذي نحتته عوامل التعرية الطبيعية على مدى العصور الجيولوجية السحيقة بصبر وعنت وتؤدة، موفرة بسخاء نادر وكبير، معبرا جيولوجيا بالغ الأهمية والإستراتيجية والروعة نحو البحر المتوسط. الوادي الذي أصرت الإمبريالية الأوربية على تحويله إلى شرخ حدودي مؤلم يمزق وحدة تراب البلدين الشقيقين، ونقطة تنافر وتباعد وصراع مزمن بينهما. الموقع الذي عوض أن تعمل أنظمة البلدين بعد انعتاقها من الإستعمار، على ربط ضفتيه وفتحه على مصراعيه لأجل تواصل الإخوة والأحبة والأرحام، وتحويله إلى شريان لتدفق السلع ورؤوس الأموال والخيرات والخدمات المختلفة، وبالتالي تدفق وسريان مظاهر الإزدهار والرفاهية والسكينة والسلام في مفاصل الشعبين، قد أمعنت وأصرت على جعله جرحا نازفا على الدوام، يتناغم ونوايا الإستعمار الغاشم القديم والجديد وأهدافه المبيتة، ويشيع روح الكراهية والفرقة والعداء والعزلة بين الإخوة/الأعداء..!

      لا تنبع روعة المكان (« بين لجراف ») من جماله الطبيعي الفاتن فحسب، بل كذلك من كونه ظل لسنوات طوال، قبل حدوث كل هذا التطور الهائل لوسائل الإتصال، ملتقى للأحبة والأرحام والعائلات المتفرقة بين البلدين، أو بالأحرى ما تبقى منها في الجزائر، بعد قيام هواري بومدين – لا غفر الله له- سنة 1975، بتزامن مع تنظيم المسيرة الخضراء، بعملية تطهير وحشية في حق المواطنين المغاربة الذين كانوا يستقرون بالجزائر، عند طردهم بشكل قسري لا إنساني في ظروف مأساوية مهينة، في إطار ما سمي ب »المسيرة الكحلة ». ملتقى كانوا يتواعدون على اللقاء على جانبيه، كي يتبادلوا أخبارهم وأوجاعهم ولوعتهم واشتياقهم. كانوا يتواصلون بين ضفتي واد كيس بشكل مؤلم حزين. فهم لا يحضنون بعضهم البعض ولا يعانقون بعضهم. فحواجز الأسلاك الشائكة والخنادق العميقة ونقط المراقبة الأمنية المكثفة، التي أقامتها سلطات البلدين كانت تمنعهم من ذلك. لكنهم كانوا – ولا زال بعضهم حتى اليوم- يتواصلون بأصواتهم الشجية المخترقة لكل هذه الحواجز المصطنعة، والمنبعثة من حناجرهم المبحوحة في شكل صراخ ومناداة وعويل موجع، أو المنطلقة من مكبرات الصوت المحمولة.. والحقيقة أنه لا يمكن للمرء، وهو يتابع تواصلهم هذا المثقل بالأنين والحنين والوجع بسبب الفراق والبعاد، لا يمكن سوى أن تتملكه غصة حزن خانقة، لا بل قد يجهش بكاء لهذه الحال وهذا المآل الكئيب والتراجيدي لأبناء الشعبين الشقيقين..!

     « بين لجراف » هو أيضا رغم كل السدود والصدود ملتقى لمواطني الشعبين الشقيقين، حتى في ظل هذا الواقع المرير المؤلم والقطيعة الكاملة والشاملة، التي كرسها نظام عسكر الجزائر في العلاقات بين البلدين بإصرار وحقد كبير، رغم الأيادي المغربية الممدودة في أكثر من مناسبة، ملتقى ومتنفسا يتقاسمان فيه ويتبادلان خلف حواجز الأسلاك الشائكة القاسية، رسائل الفرح والتهاني والتضامن والتسامح والمشاركة، كلما حلت مناسبة أو نازلة أو طرأ حادث سعيد أو مؤلم في أحد البلدين. يبعث كل شعب من خلاله لشقيقه كل صور المحبة والإخاء والتلاحم. رغم أن العسكر قد نجح في السنوات الأخيرة من خلال حقن جرعات الكراهية الكبيرة، نجح في أن يضيف ل »بين لجراف » وظيفة جديدة لكن ممقوتة، تتمثل في تصريف صنوف الشماتة والنكاية والتشفي. من قبيل ما حدث بعد هزيمة المنتخب المغربي في نهائي كأس إفريقيا للأمم.

      لقد تحول موقع « بين لجراف » على الدوام في المخيال الجمعي للشعبين الشقيقين، رغم دسائس نظام العسكر، إلى رمز للإخاء والتضامن والتقارب، وملتقى للتواصل وتقريب المسافات بينهما، وجمع ما تفرق مما بقي من أرحام متفرقة بين البلدين. لا بل تحول إلى حصن أخير للتمسك بوحدتهما ومصيرهما المشترك، خاصة بعد قطع نظام العسكر للعلاقات مع المغرب، والإجهاز على أي فرص للتعاون والتبادل والتضامن. لقد تحول الموقع، في ظل هذه القطيعة الشاملة، إلى آخر قناة للتواصل الشعبي، يبث من خلالها كل شعب لشقيقه أفراحه وأقراحه وتضامنه وتمسكه بالإنتماء والمصير المشترك.

      ولعمري أن أعداء الشعبين الشقيقين من المجرمين الصهاينة واذنابهم من جوقات المتصهينين والمطبعين، أدركوا رمزية هذا المكان ودلالاته العميقة بالنسبة للشعبين، فحاولوا العمل على تدنيسه وتشويه صورته، وصب الزيت على النار. مستغلين لحظة توتر شهدها الموقع، بعد خروج مواطنين جزائريين، بتحريض من العسكر، للإحتفال بهزيمة المنتخب المغربي في نهائي كأس أمم إفريقيا، وإشهار الشماتة والنكاية والتشفي. فعملوا على رفع « خرقة » الكيان الغاصب فوق القسم الحدودي المغربي ل »بين لجراف »، رغبة في استفزاز شعور أشقائنا في الجزائر، والإجهاز على صورة وأهمية المكان ورمزيته في التواصل والتلاحم والأخوة بين الشعبين الشقيقين. وكذا إحراج شعبنا المناهض للتطبيع، وذلك بهدف رفع مستويات توتير وتسميم الأجواء بين البلدين والشعبين إلى مستويات قياسية.

      وقد كان لهذه الدسيسة الخطيرة أن تمر بسلام وان تفعل فعلتها بين الشعبين الشقيقين، لولا يقظة مواطنينا المناهضين للتطبيع والتصهين، وتصديهم بحزم كبير لهذا التعدي السافر على قيم شعبنا وعلى أواصر حسن الجوار، وما يبيت من أهداف خطيرة وخبيثة.

      وقد بدأ التصدي لهذا الإستفزاز والعدوان في الحقيقة أولا، من خلال موجة غضب وتنديد واسعة وعارمة اجتاحت مواقع التواصل الإجتماعي. كان أكثر ما أثار الإنتباه والمتابعة فيها، هو ظهور أحد مواطني الجهة الشرقية الغيورين (سفيان شاطر) في فيديو مصور في موقع « بين لجراف »، وهو يحمل مكنسة ويتأسف لأجل تدنيس المكان برفع خرقة الكيان الغاصب فوقه، ويقوم في محاولة رمزية منه بعملية كنس للمكان لعله يستعيد نقاءه وبهاءه، لكنه يستدرك بأن الدنس الذي خلفه الحدث كبير، ينبغي التعاون جميعا من أجل إزالته، محددا يوما لاحقا لذلك. وقد كانت الطريقة التي مرر بها دعوته المواطنين للتظاهر في غاية الذكاء والمفعول والجدوى.

تلقفت التنظيمات المناهضة للتطبيع دعوة هذا المواطن الشريف، واتخذتها موعدا كبيرا لتظاهرة عارمة في نفس مكان الدنس، للتنديد بالحادث المشؤوم وإدانته، وتأكيد دعم شعبنا للأشقاء الفلسطينيين..

      ولعل أكثر ما عكر صفو هذه الوقفة في الحقيقة، هو قيام السلطات بإغلاق معبر بين لجراف أمام المتظاهرين وتسييجه. وذلك للحيلولة دون تنظيم التظاهرة الإحتجاجية فوقه، في ذات المكان الذي رفعت فيه الخرقة المعلومة، وذلك بالنظر لحساسية الموقع الحدودي. وهي نفسها، للأسف، التي تغافلت عن منع وحظر الفعل المشؤوم المذكور. لا بل وتعامت حتى عن ملاحقة الفاعلين، الذين ترقى فعلتهم الخبيثة إلى المساس بشكل خطير بالأمن القومي للبلاد.

      رغم الإغلاق أصرت التنظيمات المشاركة في الإحتجاج، وهي : الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، والمرصد الوطني لمناهضة التطبيع، ومجموعة العمل من أجل فلسطين، والمبادرة المغربية للدعم والنصرة وعدد من أطرها وفاعليها الذين قدموا من عدد من المدن والأقاليم، ناهيك عن حشد غفير من مواطني الجهة الشرقية، أصر الجميع وحرصوا على تنظيم الوقفة التنديدية في الموعد المحدد من طرف المواطن المذكور، وإن كان الموقع يبعد بعض الشيء عن « بين لجراف ». الوقفة التي تخللتها العديد من الكلمات لعدد من الفاعلين، حرصت جميعها على الرفض القاطع لكل مخططات الإختراق الصهيوني، وتبليغ الكثير من الرسائل التي من شأنها محو الدنس والعار الذي خلفه الحادث المشؤوم. منها التأكيد على الدعم الشعبي لإخواننا الفلسطينيين. وكذا تفويت الفرصة على مثيري الفتنة، من الصهاينة والمطبعين والمتصهينين، مثيريها بين الشعبين الشقيقين. والدعوة إلى فتح تحقيق لمعرفة من تورطوا في الحادث ومحاسبتهم. وكذا الحفاظ للمكان (بين لجراف) على رمزيته وأهميته ودلالاته العميقة لدى الشعبين الشقيقين.

      أكدت التظاهرة الإحتجاجية الحاشدة، أنه لئن كانت فلول المندسين الصهاينة وأذنابهم تهدف من خلال فعلتها إلى تأجيج التوتر بين الجارين الشقيقين وصب الزيت على النار، مستغلة تداعيات ما حدث في الكان، فهي لم تكن تعلم أن فعلتها ستزيد من تأليب الرأي العام الشعبي العارم ضد مخططاتها ومؤامراتها الفاسدة.!!

      حقا قد أثبتت هذه النازلة الخبيثة وما تبعها من رد فعل شعبي سريع، أن « بين لجراف »، رغم كل الجراح، سيظل حصنًا أخيرًا للذاكرة المشتركة، وقناة تواصل شعبي عصية على الإغلاق، وأن رهانات الفتنة، مهما اشتدت، ستتحطم أمام وعي الشعبين الشقيقين وإرادتهما في التمسك بالأخوة وحسن الجوار والمصير المشترك.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *