Home»International»الإسلاموفوبيا والقوة الذاتية والهادئة للإسلام

الإسلاموفوبيا والقوة الذاتية والهادئة للإسلام

0
Shares
PinterestGoogle+

المصطفى حميمو

كثيرًا ما نفهم الأمور فهمًا أعمق حين نصغي بهدوء إلى نقاش جاد، أكثر مما نفعل حين نكدّس مسلّمات جاهزة. لطالما اعتقدتُ أن الإسلاموفوبيا ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، نشأت في سياق ظروف تاريخية حديثة، مثل الثورة الإيرانية سنة 1979 وما رافقها من عداء أمريكي، ثم انتقال المقاومة الفلسطينية من مرجعية علمانية إلى مرجعية إسلامية صريحة. وكان هذا التفسير يبدو لي كافيًا. غير أن استماعي إلى بودكاست للبروفيسور ريمي براگ Rémi Brague، بعنوان: « ما هو الإسلام؟ »، دفعني إلى إعادة النظر في هذا التصور.

وحين طُرح عليه السؤال المتكرر: « لماذا يُوصَف الإسلام بالعنيف؟ »، أجاب ببساطة لافتة: « الإسلام ليس عنيفًا، بل هو قوي. وهما أمران مختلفان تمامًا ». هذا التمييز، على بساطته الظاهرية، يكشف في الحقيقة عن كثير من سوء الفهم. فالقوي لا يحتاج إلى العنف كي يُقلق الضعيف، بل الضعيف هو الذي غالبًا ما يُدرك القوة المجردة والهادئة في ذاتها على أنها تهديد وعنف. وليس الخطر المتوهَّم هو ما يخيفه، بل مجر صلابة ما يقف أمامه. وهنا، في نظري، تكمن إحدى الجذور العميقة للإسلاموفوبيا، لا بوصفها مجرد ظاهرة سياسية، بل كظاهرة ذات بعد عقدي وثقافي عميق.

فمنذ نشأته في مكة، يقدم الإسلام مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في موقع ضعف من الناحية البشرية والاجتماعية. ومع ذلك أثارت رسالته خوفًا حقيقيًا لدى سادة قريش. ليس بسبب أي عنف منعدم الوجود من أصله، بل بسبب قوة الإسلام الذي دعاهم إليه في مواجهة مع وثنية مقدسة لكنها هشة في جوهرها. فالإسلام بمجرد قوته الذاتية شكل تهديدا لمعتقداتهم الخرافية. فلم يكن اعتراض سادة قريش على عنف مادي حقيقي، بل على مجرد قوة الإسلام الذي سفه أحلامهم. فشكل ذلك الاعتراض بداية الإسلاموفوبيا أي الخوف من الإسلام. وتطورت إلى عنف في مقابل مجرد قوة وليس العكس. فالإسلام قوي فقط والإسلاموفوبيا هي العنيفة.

ولتقريب الفكرة، يمكن استعمال تشبيه بسيط. القول إن 1 + 1 = 2 هو قول قوي، لكنه غير عنيف. أما الادعاء بأن 1 + 1 = 3، أو أي قيمة أخرى غير 2، فهو قول ضعيف في ذاته. من يُقدّس هذا الخطأ لا يشعر بالاعتداء لأنه يتعرض لهجوم فعلي، بل لأنه يستشعر صلابة الحقيقة التي تواجهه. ليست قوة 1 + 1 = 2 هي التي تمارس القمع، بل ضعف 1 + 1 = 3 حين يُضفى عليه طابع مقدس، فيرتعب ويدافع عن نفسه بالعنف. فالقوة تكون دائمًا في جانب الحقيقة، بينما يظهر العنف غالبًا في جانب الضعف. وتلك هي حقيقة الإسلام: دين قوي في جوهره، في مواجهة إسلاموفوبيا يغلب عليها العنف. فإسلام قوي في مقابل إسلاموفوبيا عنيفة، لا العكس.

وتؤكد سيرة المسلمين الأوائل هذا المنطق، من الاضطهاد في مكة إلى الهجرة نحو المدينة ثم صلح الحديبية. حين قبل النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة المسلمين الجدد من أهل مكة إلى المشركين، وسمح لمن اختار ترك الإسلام أن يغادر المدينة دون إكراه. فاستغرب بعض الصحابة ذلك. أما هو، فلم يكن قلقًا، لأنه كان واثقًا من إيمان أساسه حقيقة قوية وراسخة: فالمؤمن الذي يُعاد إلى قومه ليس ضائعًا، بل قد يكون سببًا في هداية غيره. ومن اختار الانتكاس إلى الوثنية فله حرية العودة إلى من يشاركونه تلك القناعة.

ومنذ ذلك الحين حيثما استقر الإسلام عبر التاريخ كان انتشاره قائمًا على القناعة أكثر من أي أمر آخر متوهم. وعلى العكس من ذلك، فإن القوى الأوروبية الإمبريالية التي استعمرت أراضٍ إسلامية واسعة تمتعت بحرية كاملة في التبشير، ومع ذلك فشلت في تحويل شعوبها عن دينها. وفي المقابل، اعتنق بعض المستوطنين والمقيمين الأوروبيين الإسلام بعد احتكاك حقيقي بالمجتمعات المسلمة، عن اقتناع عميق. وكان من بينهم الرسام الفرنسي إتيان دينيه Étienne Dinet والكاتبة والإعلامية وإيزابيل إيبرهارت  Isabelle Eberhardt والكاتب المفكر ورينيه غينون René Guénon  والإعلامي اليهودي الأصل ليوبولد فايس Leopold Weiss والكاتب المستكشف البريطاني جاك فيلبي Jack Philby . فلم يكونوا سذّجًا ولا انتهازيين بل كانت خطواتهم ثمرة قطيعة فكرية مع الإيديولوجيا السائدة في بلدانهم واعترافًا بالإسلام كنظام حياة روحي متماسك وعقلاني حي ويجيب عن الأسئلة الكبرى.

ولا تزال هذه الظاهرة مستمرة حتى اليوم. بل ازدهرت مع ارتفاع المستوى الثقافي لدى كثير من المسلمين في أوروبا وتعميم يُسر الوصول إلى المعرفة بفضل الثورة الرقمية. في حين تُدرَك من جديد هذه الدينامية السلمية الخالصة أحيانًا كنوع من العنف من طرف أصحاب قناعات دينية أو إلحادية هشة، بينما هي في حقيقتها مجرد قوة الإسلام الذاتية والسلمية التي تُزعج من يشعر أمامها بهشاشة قناعاته المقدسة. ومن هنا تتجدد الإسلاموفوبيا، أي الخوف من الإسلام، لا كظاهرة سياسية فحسب بل كظاهرة عقدية قديمة ومتجذرة وأحيانا كثيرة هي العنيفة وليس الإسلام ولا المسلم.

المسلم المؤمن بوحدانية الله المطلقة ربّ العالمين السميع العليم والرحمن الرحيم في جوهره يعيش مطمئنًا بدينه أينما تواجد سواء في بيئته بين المسلمين أو خارجها بين غيرهم من الوثنيين واليهود والنصارى. ليست له أية فوبيا (خوف) من دياناتهم على دينه. فلا يشعر بأن إيمانه مهدد بعبادة المخلوقات ولا بعقيدة الرب الخاص بشعب مختار ولا بالتثليث ولا بالإلحاد، وهو أضعفها على الإطلاق. لذلك لا يحمل في نفسه خوفًا (فوبيا) ولا عداءً دينيًا تجاه غيره، فكيف يكون عنيفا ؟ ولا تظهر مقاومته المشروعة إلا حين يواجه عدوانًا حقيقيًا، وبمقدار ما يلزم لدفعه. عنف مشروع لدفع عنف المعتدي. بخلاف من يشعر بضعف معتقداته أمام القوة الذاتية والهادئة للإسلام ويخاف منه عليها في نفسه، وهو ما يعرف بالإسلاموفوبيا الملازمة للدين الحنيف والتي قد تصبح عنيفة كما حصل في مكة مع أوائل المسلمين وهي تحصيل حاصل حتى اليوم ومستقبلا.

وعليه فلا داعي لانشغال المسلمين أكثر من اللازم بظاهرة الإسلاموفوبيا ما دامت لا تتحول إلى عنف ملموس ضدهم، بل من شأنها أن تزيدهم إيمانا بقوة الإسلام الهادئة. وهي كما تقدم ليست ظاهرة جديدة ولا ظلمًا غامضًا. بل كثيرًا ما تكون دليلًا عكسيًا على ما تدّعيه من إسلام عنيف في حين هي العنيفة ضد قوة مسالمة. فما لا معنى فيه لا يُحارَب بل أحيانا يشجع عليه. وما كان تافهًا لا يُهاجَم بل يُهمَل. وإذا كان الإسلام يُقلق ويُخيف فذلك لأنه سيظل كما كان، قائمًا وشامخا بقوته الذاتية وأشد ثباتًا أمام كل ما هو هشّ ومُقدَّس. والحق لا يحتاج إلى العنف ليبقى قويا بعكس ما هو هش. وقوته الذاتية كفيلة باستمراره بل بانتشاره ولو كره من يخاف منه والذي بعنفه ضده يساهم من حيث لا يشعر ولا يريد في المزيد من انتشاره. كيف ذلك؟

فتنامي وعنف الإسلاموفوبيا يُثير فضول عدد متزايد من غير المسلمين، خاصة من الشباب، إما بحثًا عن معنى لحياتهم أو رغبة في التحقق بأنفسهم مما يُقال ضد الإسلام والمسلمين. وفي عصر الثورة الرقمية، تكفي نقرات قليلة ليجد الفضولي نفسه أمام دين تتجلى قوته في بساطته بل في الحقيقة التي طال البحث عنها. وبالمقارنة قد تولّد في نفسه أحيانًا تساؤلات عميقة وتفتح له طريق الهداية. وذلك مصداقا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ  فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [ الأنفال: 36]

فمرة أخرى لا داعي للقلق من ظاهرة الإسلاموفوبيا ما دامت من أقدم متلازمات هذا الدين الحنيف بفعل قوته الذاتية والهادئة وما دمت غير عنيفة. ولا خوف على الدين الحنيف منها ما دامت تزيده قوة وانتشارا. وقد تكفل الله بحفظ هذا الدين الذي ارتضاه لخير البشرية جمعاء، إذ قال جل جلاله : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [ الحجر: 9]. وقال سبحانه : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [  آل عمران: 85]. وأما نيل رضوانه تعالى فهو مفتوح للجميع، ولا يُنال إلا بالاستحقاق أي بالحسب وليس بالنسب ولا بأي اعتبار آخر، إذ قال جل من قائل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: 13]

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *