حكايا استاذ متقاعد : نبش في رحلة وراء البحار ـ لوعة الفراق ـ الحلقة 15 ـ

تابع 15
مر شهر غشت كلمح البصر رغم أنه كان حافلا بمختلف المتع .وحين اقترب موعد الهجرة نحو الجنوب، وحدها Arlette ظلت محافظة على هدوئها، أما الفتاة وامها، فقد صارت الدموع لا تفارق محاجرهما.
كان مبرر هذه اللوعة واحدا: ما ان صنعت لنفسي مكانا أثيرا لدى هؤلأء الناس حتى حلت ساعة الحقيقة لتختلط الاوراق مجددا.
بذلت الأسرة مجهودا معتبرا لايجاد قطار باقل حالات التبديل، فحجزت تذكرة العودة ثلاثة ايام قبل موعد توقيع محضر الالتحاق.
شاءت الظروف أن يستعر البرق والرعد طول الليل ونزلت امطار طوفانية.
لم يغمض للفتاة جفن ، ولم تتوقف دموعها حتى الصباح!
اختارت لباسا أسود حينما كنا نتهيأ للذهاب الى محطة القطار، وتحول الحوار المعهود الى اهات يصعب تجاهلها، أما الأم فقد انزوت لتحرر دموعا غزيرة.
استأذنت الفتاة في طلب معلومات اضافية حول القطار، ففوجئت بأنها قد اختارت توقيتا اخر واستبدلت التذكرة لتنتزع مني لحظات اضافية.
حين علمت الام بالجديد، مسحت دموعها، وأقسمت أن نعود الى المنزل لالتقاط الانفاس. بذلت البنت ما في وسعها للعودة الى طبعها، لكن التأثر كان بالغا، فابى الحزن الا أن يخيم على الاجواء.
عدنا مجددا الى المحطة وكل منا يعلم أن الفراق جاد هذه المرة، والوقت هنا يعتبر أغلى سلعة.
غالبت الفتاة أحزانها فعانقتني بحرارة حتى توقف القطار عند اقدامنا.
كان مشهدا من النوع الذي يستقر في المكان الامن من الذاكرة طبعه فضول المسافرين الذين اندهشوا لالتحام الجنوب والشمال في غفلة من التاريخ!
انطلق القطار فاطللت من النافذة لأرى الفتاة قد تسمرت بمكانها ويداها تلوحان لمخلوق يجوب الارض ليعود الى حلته القديمة !
كانت رحلة العودة طويلة، وقد خيم علي خلالها صمت رهيب.
لقد تحقق حلم، وتناسلت احلام أخرى ورغبات، لكن الضمانات غير متوفرة، والايام حبلى بالأسرار، لذلك اختلفت رحلة العودة عن رحلة الذهاب، وهكذا قضيت الوقت شارد البال الى أن أعادني توقف القطار بمدريد الى الواقع.
اقتنيت بعض الاغراض البسيطة من محلات مجاورة، ثم عدت لانتظر موعد استئناف رحلة الجنوب.
يتبع.


Aucun commentaire