عندما يكون الصحفي مجرما


    


أحمد الجبلي

في أمريكا يسمونهم الباراراتزي، أي الصحافة المتطفلة التي  تفعل أي شيء للحصول على أي لقطة يمكن أن تمثل سبقا صحفيا وتصلح لتكون صورة في غلاف مجلة مما سيساعد الجريد ة في بيع جميع أعداد اليوم أو الأسبوع أوالشهر.

ويسميها البعض بالصحافة الوقحة حيث نجد أن عيون الصحفي الوقح دائما جائعة لا تبحث عن ابتسامات ومداخلات نوعية ومشاريع مذرة للدخل تفيد الأرملة والمعوق والشيخ المعدم. فهو لا يهمه مثل هذه الأشياء ( اللي ما توكلش الخبز) كما لا يهمه أن يبرز الوجه المشرق لأعمال المسؤولين، أوالسياسيين أو الإداريين أو أي كان، كما لا يعنيه في شيء إبراز وجه البلاد وهي تشق طريقها نحو النمو والازدهار والالتحاق بالركب الحضاري المنشود.

فهو عندما تخرج تلقى نصائح ذهبية وقيل له: إذا أردت أن تصبح صحفيا مشهورا (ودير لاباس) اقتنص أي فرصة لالتقاط  ما يبدو كفضيحة أو وضعا مخلا أو حركة معينة يمكن تأويلها لتنسجم مع أي رؤية نريدها أو أي موقف نريد إصداره.

مثلا الصورة التي تضبط فيها وزيرا وهو ينظر إلى الأسفل ساهيا لاهيا وبقربه امرأة واقفة تنظر إلى الجهة الأخرى، فتكون صورة يمكن تأويلها إلى أن السيد الوزير ينظر لعورة هذه السيدة، وكلما كان وجه المرأة غير باد  يكون أفضل حيث يمكن اعتبار تلك السيدة زوجة لأي وزير آخر أو أي شخصية مرموقة ومهمة في مؤسسات الدولة.

أو أن تقوم بتصوير مسؤول كبير وهو يقبل زوجته التي فاجأته بحضور حفل دون علمه خصوصا إذا أخذت الصورة من زاوية لا يمكن التمييز إن كانت فعلا زوجته أم أي امرأة أخرى من نساء الشعب، فهذه الصورة تساوي مليون دولار وها أنت ضمنت في يومك الأول شقة في تجزئة ياسمينة.

وعندما تحضر حفلا دبلوماسيا أو افتتاح ورش عمل دعك من الأمور العادية فذلك روتين من العبث وتضييع الوقت أن تنظر إليه أو تعره اهتمامك، ولذا وجب أن يكون تركيزك على أي شيء غير مألوف، وكما تعلم فالإبداع دائما وأبدا يكون خارج المألوف، مثلا سيكون من الأجدر التركيز على أي انحناءة تقع من السيد الوزير فهذه الانحناءة تفيد في ربطها بصورة مماثلة لمسؤول كبير سقطت منه حصالة نقوده، فيبدو أن السيد الوزير هو اللص الذي أخذ مال السيد المسؤول، أو أن تلتقط صورة وزيرة وهي تتكلم بحماس وهي تدافع عن قضية ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأرامل، لأن غضبتها الصادقة هذه ستجعل وجهها يبدو عدوانيا وهذه العداوة تليق كصورة لدمجها مع أي تعليق صادر عن السيدة الوزيرة حتى تترسخ في أذهان المشاهدين تلك الصورة العدوانية الإرهابية فيؤمنوا بأن الذي لا يبتسم فهو حتما يكره هذا المجتمع ولا يحب الخير لأبنائه.

أو أن تلتقط لها صورة وهي في قمة هستيريا الضحك، وهي كصورة ستكون أنسب في النشر كلما أرفقت بموضوع الاحتجاجات أو الاعتصامات التي تتخذ كشكل نضالي احتجاجي عند باب وزارتها فتوحي الصورة أن السيدة الوزيرة تستهزئ بهؤلاء المستضعفين ولا تبالي بمعاناتهم بله أن تجتهد في إيجاد حل لها.

وأما على مستوى التعبير الكتابي فأنت مطالب بأن تقحم اسم أي رئيس حكومة أو وزير أو مسؤول أو مدير ديوان أو عمدة مدينة في أي فضيحة، حتى ولو كانت الفضيحة أبعد بخمس درجات عن السيد الوزير على مستوى العلاقات الاجتماعية أو الإدارية، كأن تقول: ابن عم خالة جار سائق السيد الوزير يروج المخذرات، أو أن تقول: فضيحة كبرى بطلها ابن أخ النائب العاشر للسيد عمدة المدينة.

أو أن تعمل على انتقاء الاسم المشترك بين أي مجرم وأي وزير أو مسؤول كبير كأن تقول:   بنكيران يطعن السعودية في الظهر، فجل الناس يكتفون بقراءة العناوين وليس لهم وقت لقراءة كل المضمون ليعرفوا أن بنكيران في المقال هو الطيب بن كيران العالم المغربي الذي رد على الوهابية بعد وصول رسالة آل سعود إلى المغرب، وليس رئيس الحكومة عبد الإلاه بن كيران.

ومن أهم النصائح التي نقدمها لك كصحفي مبتدئ اجعل من العديد من الذين سبقوك في هذه المهنة قدوة حسنة لك تفز بما شئت من مأذونيات و( تدويرة وهموز) فافعل كما فعل أحد كتاب جريدة المساء أيام رشيد نيني حيث كتب قائلا: ” وجد الخلفي يتسكع في شوارع البيضاء” فالخلفي هنا هو أحد رموز 20 فبراير وليس الوزير المشهور، وكما كتب أحدهم: “اعتقال ابن النائب السادس لعزيز رباح بتهمة ترويج الكوكايين” فأنت ترى أن لا دخل للسيد الوزير بهذه القضية لا من قريب ولا من بعيد، ولكن من المهم أن يرتبط اسم هؤلاء الوزراء بأي فضيحة أو جريمة أو سرقة أو تزوير.

فأنت ترى أن بفضل هذه الخبرة الرائعة استطاعت العديد من المنابر المتنورة أن تقلب رأسا على عقب عرس نجلة السيد الوزير نجيب بوليف، وذلك اعتمادا على صور تم التقاطها من قبل وربما استخرجت من النت وهي لأعراس مشاهير العالم وفي فنادق خيالية من المستحيل أن يصنع مثلها الوزير بوليف ولكن حتى وإن انكشفت اللعبة ببيان السيد الوزير فعلى الأقل لقد جعلنا حلمنا وإن كان ورديا عابرا يتحقق كحلم في مدة ولو قصيرة.

كما ستكون في حاجة لتعلم الفوطوشوب وتقنيات تزوير الأشرطة وإدخال تعديلات جوهرية كتلك الصورة التي تظهر حامي الدين يغط في سبات عميق أثناء جلسة الغرفة الثانية، أو تلك اللقطة الرائعة المأخوذة من ملتقى شبيبة العدالة والتنمية بأكادير والتي جعلت بن كيران يعترف بأنه (مادار والو).

واحرص على أن يكون لك حس فني في قلب الحقائق وتزوير المعلومات وتدليس الأرقام واختلاق أشياء من وحي الخيال فأنشتاين يقول: “الخيال أوسع من المعرفة لأن المعرفة محدودة والخيال غير محدود”،

كن كما نريد وسر على هذا النهج فمن سار على الدرب وصل.

أحمد الجبلي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*