Home»International»دردشة مع فنان مغبون

دردشة مع فنان مغبون

0
Shares
PinterestGoogle+
 

 

بشارع راق وسط العاصمة العلمية كان المقهى غاصا بالرواد متحلقين حول الطاولات أفرادا وجماعات , أحاديث صاخبة تملا المكان ,  مواضيعها متنوعة سياسية ورياضية وأحداث الساعة التي يرويها كل واحد بطريقته الخاصة سواء كشاهد عيان أو ناقل لها عن آخرين , وتتلوها التعاليق والقهقهات  , بينما يجلس البعض وحيدين منشغلين بقراءة الصحف أو فك طلاسيم الكلمات المتقاطعة

, أو الإبحار عبر الشبكة العنكبوتية التي يوفر جهاز » الويفي »  أو بطاقات التعبئة من الجيل الجديد خدماتها في بعض الفضاءات العمومية مسايرة للطفرة التكنولوجية الحديثة.

انه عالم المقاهي التي يتخذها البعض مكانا للقاءات العملية آو الحميمية أو لمأرب أخرى , وللناس في ما يعشقون مذاهب.

 وسط هاته الأجواء جلس رجل كهل يرتدي ثيابا أنيقة , يحمل في يده آلة العود , شرع في تسوية الأوتار وضبطها ليستقيم اللحن ويصدح بصوت عذب شجي  » كل ذا كان ليه… لما شفت عينيه … » إنها رائعة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب تتردد أصداءها في الأفق لتضفي على المكان نوعا من الاحتفالية والفرجة في زمن الهموم و العقد النفسية المتعددة بفعل الاكراهات المرتبطة بالحياة  , ويستمر الفنان في غنائه الرائع مشنفا الأسماع وآسرا القلوب التي تحمل في أعماقها حنينا لماض جميل كان فيه للفن سحرا و للكلمة وقعا وللحن  عذوبة وللصوت نفاذا وللهوى سلطانا , لتكتمل السيمفونية الخالدة  في هذا الزمن السرمدي  , قبل أن يأتي زمان اختلطت فيه الأوراق ولم نعد نميز بين شذى البلبل ونعيق الغراب , وأصبح للكلام السوقي تأثيرا على الأذواق ومكانا في الحفلات والسهرات والأعراس , وتجارة رائجة لا تعدم الزبناء ولا المروجين لهذا الفن الرخيص الذي يباع فيه كل شيء ويشترى .

سالت فناننا المغمور- بعد أن طاف على رواد المقهى طلبا للمساعدة على تكاليف الحياة –  لماذا تضيع المواهب الواعدة في وقت تفتح فيه الأبواب مشرعة أمام الأصوات النشاز التي تؤذي السمع وتؤسس للعبثية في مجال راق يحمل رسالة التهذيب والسمو بالأذواق وغرس بذور المحبة والإنسانية في النفوس ؟ , فأجابني بأننا في زمن المظاهر والنفاق , وان الميدان الفني يعج بالاختلالات والتجاوزات , فمن كان مستضعفا مثلي لا مكان له في الساحة التي يحتكرها ذوي الجاه والنفوذ الذين تهيئ لهم السبل وتصنع نجوميتهم من العدم و يستضافون في البرامج الخاصة وتسوق صورهم ويتم التهليل لفتوحاتهم في ميدان هم غرباء عنه ولا يربطهم به رابط , و هذه هي العملة الرائجة في وقتنا هذا , وكم من نجوم انطفأت وخفت صوتها لأنها عجزت عن مسايرة الأهواء وتلبية الرغبات والشهوات فكان مصيرها التهميش واللامبالاة وأصبحت عرضة للتشرد في الطرقات تلتمس عطف المحسنين وجودهم لتستمر في الحياة , فالعصر عصر مادة ومصالح ولاشيء يمنح بالمجان , فانا الذي أمامك تتلمذ على يدي العديد ممن أصبحوا نجوما أكثر من النجوم التي في السماء وشهرتهم كنار على علم ولا داعي لذكر الأسماء  , لكن عندما يسألون عن بدايتهم الفنية ينكرون معرفتي ولا يذكرونني حتى من باب المجاملة أو الاحترام الواجب للأستاذ على تلميذه ,  وكثيرا ما سمعتهم يتحدثون عن مجالستهم – الافتراضية –  للفنانين العمالقة كمحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم  وغيرهم وكل ذلك وهم وخيال يوظفونه لتلميع  سيرتهم  الذاتية الباهتة أصلا لأنه لا خير في امرئ متملق إذا مالت الريح مال حيث تميل .

 ودعت الفنان المغبون وفي نفسي حزن واسى على واقع الفن في بلادنا والذي يسري كذلك على ميادين أخرى تهمش فيها الطاقات والكفاءات وتنمو وتترعرع الكائنات الطفيلية كاللبلاب الذي يتخذ من الأشجار والأسوار سلما للارتقاء على حساب غيره .   

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.