الأئمة هم مصابيح الأمة

لقد قتل العالم الإسلامي و المفكر السني الوسطي المعتدل محمد سعيد رمضان البوطي (1929-إلى يوم الخميس 2013) هو و جماعة من الذين التفوا حوله يستمعون له في مسجد الأمويين بدمشق. و قتل معه 49 شخصا و جرح أكثر من 80 و ذلك في عمل انتحاري من طرف الجماعات المتصارعة على السلطة و الحكم. لا ينبغي أن ننسى أن الأئمة هم مصابيح الأمة ، بهم تستنير العامة من الناس في أمور اخرتهم . و عليهم تقع مسؤولية الارشاد و النصح و النصيحة لأولي الأمر و لعامة المسلمين . و عليهم أيضا تقع مسؤولية نشر العلم في أوساط العامة و الخاصة من الناس ( فهم المصابيح) . و لقد رفع الله سبحانه في كتابه العزيز من قدر العلماء ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فهم أولى الناس بخشية الله ، و أولى الناس محبة و تقربا لله عز و جل . لأنهم أهل الذكر فلقد جاء في سورة الانبياء قول الله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) و في الحديث ( العلماء ورثة الأنبياء). و مادام الأمر كذلك فإن من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ماذا نقول عندما يكون المقتول من الشيوخ في العمر و العلم ؟ و هو من صفوة العلماء و أعلمهم و أخلصهم لدينه و لوطنه. ذنبه الوحيد أنه كان يدعو الناس إلى نبذ العنف و اللجوء إلى الحوار.
قتل البوطي و هو في المسجد يشرح و يفسر و يعظ و ينصح و يرشد و يتهيأ و يهيئ نفسه لخطبة الجمعة 22 مارس 2013. و لكنه قتل و اخرون معه من طرف انتحاري مسخر من جماعة جعلت القتل مهمتها في الدنيا و باسم الدين ! إن هذا أعظم جرم و أكبر مقت يقوم به إنسان ضد إنسان أعزل سلاحه في فكره و كلمته . فأين نحن من قول الرسول الكريم أن دم المسلم و ماله و عرضه حرام على أخيه المسلم ؟؟
فلم يعرف عن هذا العالم إشراكه بالله أو إلحاده أو ردته ، و لم يتعد على حرمة من حرمات الله. و حتى من يتعدى لا يمكن قتله إلا بعد استنفاد كل الطرق السلمية الاقناعية و الحجاجية . فلقد سمعنا من علمائنا الأجلاء أن النبي ابراهيم عليه السلام جاءه ضيف يطلب طعاما ، و لما علم بكفره منعه من ذلك. فعاتبه الحق سبحانه. لأن الخالق عز و جل صبر على كفر هذا الإنسان سنين عددا بينما نبي الله لم يصبر عليه مدة قصيرة. إن الله هو الصبور على ذنوب خلقه من الناس .
لا يمكن أن يقبل عقل إنسان كيفما كان نوعه و لونه أن يقتل شخص في مكان العبادة ( إنه المكان الذي يشعر فيه المؤمن بالأمن و الأمان وهو في ضيافة الرحمان). لا يمكن أن نقبل أن يسفك دم عالم ذنبه أنه كان يدعو إلى تجنب الفتنة التي هي أشد من القتل . لا مبرر لقتله حتى لو كان في العلماء الذين يدافعون عن النظام السياسي و أولي الأمر. فكل رؤساء العرب و ملوكهم لهم فقهاء و علماء و أئمة المساجد يبررون أفعالهم و يدعون لهم في المنابر و حلقات الذكر. حدث هذا منذ الخلافة الأموية في أرض الشام. و لعل الفرق الإسلامية الكلامية كانت تناقش ظاهرة اقتتال المسلمين ( بين علي من جهة و عائشة أم المؤمنين و طلحة و الزبير من جهة أخرى ، و بين علي و معاوية ). وتناقش أفعال الملوك هل هي اختيارية أم جبرية ؟ و مع ذلك لم يتجرأ أحد على إصدار فتوى تبيح سفك دم من يبرر طغيان ملوك بني أمية أو بني العباس. بل هم من كانوا على بصيرة و علم بتصرفات ولي الأمر ما يناقض به الإسلام في روحه و جوهره. و لعلنا نضرب مثلا واحدا فقط من التاريخ الإسلامي ( و الأمثلة كثيرة) فلقد عرف يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي و ثاني خلفاء بني أمية باستهتاره بالدين و مجونه ، و قد تجرأ و هو في عرف الناس ( أمير المؤمنين) على شرب الخمر على أسوار الكعبة علنا ، منتشيا بنصره على بعض الفتن كما كان يعلن إلحاده أمام من كان معه . و كتب التاريخ تشهد له بذلك. و مع ذلك كان أئمة المساجد يدعون له بالنصر و التمكين. و يلعنون علي و ابنه الحسين.
إنه الزمن الرديء أن يقتل الشخص بسبب أفكاره. و هو الزمن الرديء أيضا أن يتولى الإفتاء كل من هب و دب . و تبقى حياة الناس رهينة عقول مريضة و قلوب باطنها كفر و ظاهرها خير سراب ، حيث يقتل الانسان في مجتمع لأن ليس له الحق أن يقول الحق و يجهر به. أن الحق سبحانه أمر المسلم أن يقول الحق و لو عن نفسه. و الحق سبحانه إليه ترجع أمور محاسبة خلقه على ما يعلنون و ما يسرون.
إن هذا الفعل لا يمكن إدراجه إلا في إطار التلاعب بالدين و بحياة الناس . فلقد بلغ السفه ببعض الرجال حد طلب الاستقواء بأعداء المسلمين ضد دولة عربية مسلمة. بل إن السفه بلغ حد الميوعة عندما يفتي شيخ سعودي بجواز إعلان الفرح لقتل العلامة البوطي. و لا نستغرب مستقبلا أن يفتي فقهاء السفاهة و الميوعة بوجوب ربط علاقات سياسية و دبلوماسية و اقتصادية مع العدو المغتصب الصهيوني تلبية للأمر الأمريكي. بهذا يكون الدين لعبة في يد السياسيين . و كان الأصح أن يتحلى العالم بالنزاهة الفكرية و صدق الإيمان و الاستقواء بالمعارف و التجرد عن أمور الدنيا و مغرياتها ، و حتى يبقى الإسلام منهجا في الحياة و الأخلاق و الفكر و الاعتقاد ، و منارة تنير و تهدي القاصي و الداني .
أخيرا يرحمك الله أيها الشيخ الطيب الورع الوقور العالم المعلم . و لعن الله الذي أفتى بسفك دمك و نسب نفسه إلى فئة العلماء. و هو من المنافقين و المتملقين.
و ندعوك اللهم فاستجب ، اللهم لا نسألك رد القضاء و لكن نسألك اللطف فيه . اللهم لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا ، أنت ولينا و أنت مولانا بك نستغيث يا مغيث . رحمن الدنيا و الاخرة .



5 Comments
الله يعطينا براكتهم!
بارك الله فيك لقد صدعت بالحق والله ولكن الكثير للحق منكرون
رحم الله شيخنا الفاضل العلامة الذي كان له الفضل في إغناء المكتبة الإسلامية بمؤلافات ترجمت إلى لغات متعددة استفاد منها من في الأرض جميعا ..نحسبه عند الله شهيدا و هو ماكان يتمناه. و ألف شكر لكاتب المقال الذي تجاوز حاجز السكوت و ذكر الشيخ بخير . و نسأل الله ان يطفئ نار الفتنة التي اندلعت في بلاد الشام بسبب الفتاوى الظلامية .
افول العلماء مصيبة كبرى والفتوى الدخيلة التي خربت بها مدن وهدمت بها صوامع فتنة كبرى.
اصبح احباء الشيطان من العلماء كثر وكاني بهم مهندسين لخراب البلدان العربية .
فليتقوا الله في هذهالامة التي اصبحت اضحوكة القاصي والداني جزء المجزء في ليبيا وانشطرت سوريا وغرقت مصر المحروسة في دماءهااما العراق فحدث ولا حرج.
وكاني بكلام ماركس -الدين افيون الشعوب-يتصدر كل التناقضات ويجرها الى ما لا يحمد عقباه.وفي رايي المتواضع بتصرفات بعض شياطين العملاء سيدفعون بالشباب الى العلمانية والكفر فذنبهم في رقابهم وليحملوا اوزارهم الى يوم الدين وسنحاججهم امام الله
فتعس لكل من يستخدم العنف باسم الدين وبيس الناس شياطين العلماء فاللهم لا تذر علىيهم في الارض ديارا 0
ان لله وان اليه راجعون اللهم الهمنا الصبر على فقده .واجعل مثواه الجنة الى جانب الصدقين والشهداء.