سوق الذهب وإنسان الطين أو المعدن الخسيس مقابل إنسان الذهب الإبريز

سوق الذهب وإنسان الطين أو المعدن الخسيسوأ مقابل إنسان الذهب الإبريز
محمد شركي
استهوتني أسواق أخي الفاضل السيد محمد عالم ، فعرجت على سوق الذهب لبعض الوقت بعدما سئمت أسواق الطين وما ينبت وما يخرج مما لا بريق له يضاهي بريق الذهب الإبريز ، فعبرت بعد تجوالي في السوق الذهب بما يلي:
شاءت إرادة الله عز وجل ـ ولله ما شاء وقدر ـ أن يخلق الإنسان من طين وهو في حالة حمإ مسنون . ومن قدرة الله عز وجل الذي إذا شاء قال لما يشاء كن فيكون نفخ في الطين من روحه فصار الإنسان مخلوقا مكرما بالنفخة الإلهية ، وهي نفخة نورانية . ومن أول حفنة طين خلق الله عز وجل أغلى إنسان وهو سيد ولد آدم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي بلغ من الرفعة ما لم يبلغه جبريل عليه السلام كبير وعظيم الملائكة المخلوق من نور الله العظيم . وسيد ولد آدم أو أغلى قطعة طين خلقها الله عز وجل دليل على أن الإنسان إذا شاء ربه خلقه في أحسن تقويم ، وإن شاء جعله أسفل سافلين. ومن أجل أن نفهم أحسن التقويم في الإنسان وأسفل سافلين لا بد أن نتأمل حفنة الطين التي تحتوي كل المعادن بما فيها الثمين والخسيس. وعندما يصنف الطين حسب الأهمية نجد الذهب أغلى ما فيه مع أنه يلابس الطين . وفي الحكمة النبوية نجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يشبه الناس بالأرض ، وما الأرض سوى طين يلين فيكون ترابا،ويصلب فيكون صخرا وحجرا . وتشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالأرض الطيبة المنبتة للعشب والكلأ ، والأرض الممسكة للماء التي يشرب منها الناس ويسقون ، والأرض القيعان التي لا تنبت عشبا ولا تمسك ماء هو تصنيف نبوي يقوم أساسا على قياس درجة الخير في الإنسان أو في حفنة الطين التي باركها الله عز وجل بنفخته النورانية . وقياسا على تشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ولله عز وجل ولرسوله المثل الأعلى ـ درج الناس على الحديث عن البشر الذهب الإبريز مقابل البشر الطين أو المعدن الخسيس. ففي الخطاب اليومي بين الناس يشبه بعض الناس بأنهم ذهب ، وفي التعبير العامي يشبهون باللويز ، وهو قطع الذهب الإبريز. وحقيقة هذا التشبيه هو إكبار بعض الناس لفضلهم على غيرهم بما يسدونه من خدمات ، وما يقدمونه من أعمال خيرية لصالح الإنسانية ، أو على أقل تقدير يملكون قلوبا يغمرها حب الخير للناس . ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمته التي آتاه الله عز وجل إياها يرى أنه في جسد الإنسان مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب . فالقلب لن يكون سوى جزءا من حفنة الطين المكونة للجسد ، ولكنه عبارة عن قطعة ذهب يشع صفاؤها وبريقها ليضيء كل أعضاء الجسد المظلمة. فالإنسان الذهب الإبريز يملك قلبا ذهبيا مشعا ، بينما الإنسان الطين أو المعدن الخسيسو المعدأو لا يملك سوى قلبا طينيا مظلما. وبالقلب الذهبي المشع حاز إنسان الذهب الإبريز درجة أحسن تقويم ، وبالقلب الطيني المظلم تردى في درجة أسفل سافلين . وقد يأتي على إنسان الذهب الإبريز وقت تحاول مختلف الشوائب أن تخفي بريقه وتمنعه من اللمعان، ولكنه يظل ذهبا خالصا لا تنال منه الشوائب التي تزول عنه في نهاية المطاف ، فيعود إليه بريقه كما كان . والإنسان الذهب الإبريز لا يفقد أبدا قيمته تماما كما هو حال الذهب . ومشكلة الإنسان الذهب الإبريز أنه أحيانا يدخل سوق المال أو البورصة التي تتداول العملات الورقية المبهرجة فينسى الناس قيمة الذهب الإبريز أمام الانبهار بالأوراق النقدية المبهرجة التي لا يمكن أن تكون لها قيمة دون الاقتباس من بريق الذهب الإبريز. وخبراء أسواق الأموال يعرفون قيمة الذهب الإبريز ، ولا تغرهم بهرجة الأوراق النقدية التي تعصف بها العواصف فترفعها وتخفضها في حين يحافظ الذهب الإبريز على أحسن تقويم ، ولا يتردى أبدا إلى أسفل سافلين . والإنسان الذهب الإبريز لا يبالي بالصيرافي الناقد الذي لا يستطيع أن يميز الذهب من الطين ، بل يعنيه الخبير الذي يستطيع أن يرى الذهب الإبريز خلف الشوائب. والمثل المغربي يقول : » اللي ما جال ما عرف حق الرجال « إن التجوال المقصود في هذا المثل عبارة عن خبرة بالإنسان الذهب الإبريز ، وليس المقصود به التجوال المعروف، لأن هذا الأخير تجوال في الأرض التي هي من طين ، بينما التجوال الحقيقي هو ما كان في الطين الآدمي الذي يدب فوق أمه الأرض الطين . وهذا المثل العامي يختزل الخبرة بالرجال، وهم من طين من خلال التجوال في الأرض الطين . ومعلوم أن الإنسان الذهب الإبريز الذي يجب أن يعرف الناس قيمته هو إنسان المواقف الإنسانية الخالدة بكل تفاصيلها . والإنسان الذهب الإبريز لا يحيى لنفسه، بل لغيره تماما كما وجد الذهب لينفع الناس ولا ينتفع . ولحكمة جعل الله عز وجل الذهب الإبريز نادرا مقابل غيره من المعادن التي تقل عنه قيمة ، ومقابل الطين ، ولهذا خصص الناس للذهب أسواقا غير الأسواق التي يعرض فيها ما يخرج من الطين دون بريق الذهب . وعبر التاريخ حاول المدلسون تزوير الذهب الإبريز فلم يفلحوا ، وذهبت محاولاتهم أدراج الرياح وبقي الذهب الإبريز خالصا لا تشوبه الشوائب . وسيظل المدلسون يحلمون بتزوير الإنسان الذهب الإبريز ، ولكن مصيرهم هو نفس مصير من حاول تحويل المعدن أو الطين الخسيس إلى ذهب إبريز من سحرة ومشعوذين . وشتان بين إنسان يلطخه وحل الطين ، وآخر يزينه نضار الذهب » .


Aucun commentaire