حديث الجمعة : (( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه …. الآية ))

حديث الجمعة : (( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه …. الآية ))
محمد شركي
يستمر حديثنا بحول الله تعالى وقوته عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سجلها الذكرالحكيم، ومنطلق حديث هذه الجمعة هوالآية الكريمة الواحدة والستين من سورة يونس التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين )) ، فهذا الخطاب الموجه من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله عليه الصلاة والسلام يتضمن إشارة إلى بعض صفاته وأحواله .
ولا بد قبل التطرق إلى هذه الصفات والأحوال من التذكير بأن كل خطاب في القرآن الكريم وجهه الله تعالى إلى رسول صلى الله عليه وسلم ،وكان متضمنا لأوامر أو نواه ،يشهد له بأن طاعته لربه عز وجل ائتمارًا وانتهاءً كانت على الوجه الأكمل، لأنه كان أعبد خلق الله لله تعالى، ومن ثم وجبت وحقت له كل الصفات والأحوال المنضوية تحت كل الأوامر والنواهي التي خاطبه بها الله تعالى في الذكر الحكيم ،لأنه لا يجوز في حقه أن يأمره ربه فلا يأتمر أو ينهاه فلا ينتهي، وهو المعصوم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام .
ولقد تضمنت الآية الكريمة موضوع هذا الحديث إشارة إلى ملازمة عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه وأحواله بما في ذلك تلاوته لكتاب الله عز وجل، و في كل أعماله ، ولهذا حازعليه الصلاة والسلام صفة المشمول بعناية الله تعالى ورعايته ،وبصفة مبلغ لرسالة الله الخاتمة للعالمين ، وبصفة الصادق الأمين في التبليغ، وبصفة المستحق لعظيم الأجر على ذلك .
ولقد ذهب المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية الكريمة أن شطرا منها كان فيه الخطاب موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصا به وهو قوله تعالى : (( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن )) بصيغة مخاطبة المفرد ، وأما الشطر الثاني منها فقد أشرك الله تعالى معه في الخطاب عموم المؤمنين بقوله تعالى : (( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه )) بصيغة مخاطبة الجمع ، وبناء على هذا ، فإن الشطر الأول من الخطاب هو تنويه من رب العزة جل جلاله برسوله صلى الله عليه وسلم وقد كانت عينه سبحانه وتعالى ترعاه وتحرسه في كل شؤونه وأحواله وأعماله، وفي تلاوته لكتابه الكريم وتبليغه للناس كما أنزل عليه، وأما الشطر الثاني من الخطاب، فهو تذكير للمؤمنين بأن الله تعالى يحصي عليهم أعمالهم دقيقها وجليلها ، وإحصاؤها لها تستتبعه مساءلته ومحاسبته لهم عليها جزاء بمنه وجوده أوعقابا بعدله، وما الله بظلام للعبيد .
وأنهى الله تعالى خطابه بصيغتي الإفراد والجمع ببيان دقة علمه سبحانه وتعالى بقوله: (( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين )) ، وفي هذا بيان لدقة علمه سبحانه وتعالى بكل دقيقب وأصغر منه ،وبكل جليل وأكبر منه سواء ما كان منه في عالم الشهادة أو ما طواه عالم الغيب، وفيها هذا أيضا تأكيد لعظمة قدرته على إحصاء وتسجيل أعمال الخلق، وكذا تأكيد لعدله المطلق في تقويمها وفي الجزاء عليها .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى بما أولاه من رعاية وعناية في كل شأن يكون فيه، وفي تلقيه وتلاوته لكتابه الكريم وتبليغه عنه ، فضلا عن كل أعماله التي هي من سنته أقوالا وأفعالا وتقريرات ، وثانيا تذكيرهم بما يجب عليهم من واجب التأسي والاقتداء به فيما أشاد ونوه به رب العزة إذ كانت كل سعيه وشؤونه وأعمالهم في مرضاة ربه سبحانه وتعالى ، وذلك بأن تكون أحوالهم غرار أحواله صلى الله عليه وسلم التي أشركهم فيها الله تعالى معه عليه الصلاة والسلام دون التي خصه بها سبحانه وتعالى .
وما أحوج الأمة المؤمنة اليوم في هذا الظرف الدقيق بالذات إلى تدبر ما جاء في كتاب ربها من تنويه وإشادة وتعظيم وإجلال لرسوله صلى الله عليه وسلم وقد صار بعض السفهاء الفساق والفجار يتجاسرون عليه تجاسر أعداء الإسلام ، يريدون النيل منه ومن أتباعه المؤمنين لزعزعة إيمانهم وثقتهم في كتاب ربهم وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وحسبه عليه الصلاة والسلام تعظيما لشأنه وإجلالا له أن يشيد وينوه به ربه سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة موضوع حديث هذه الجمعة وهي تتضمن تزكيته عليه الصلاة والسلام وبراءته مما يفتريه عليه المفترون ، وما يخوض فيها المبطلون وعين الله تعالى ترعاه كل وقت وحين وعنايته لا تغادره طرفة عين وهو يتلو كتابه الكريم ويبلغه للعالمين كما أنزل عليه بكل أمانة . وأنّى يجوز للمبطلين أن يشككوا في ما أنزل عليه من ربه ، وفي صدق تبليغه عنه ؟؟؟ بعد قوله تعالى : (( وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن وما تعملون من عمل إلا كنا عليكم شوهودا إذ تفيضون فيه ….الآية )) وهو قول يدفع كل تشكيك في عناية الله تعالى به وعصمته ، كما يدفع كل تشكيك في مصداقية ما بلغه عن ربه سبحانه وتعالى، وكما يدفع أيضا كل تشكيك في سنته أقوالا وأفعالا وتقريرات وهو الذي كانت تلازمه رعاية وهو الذي صنع على عيني رب العزة جل جلاله .
وإن المبطلين من الذين دُسُّوا بين المسلمين من طرف أعداء الإسلام والمتجاسرين على الله ـ تعالى عن تجاسرهم علوا كبيرا ـ والمشككين في الوحي قرآنا وسنة ، والطاعنين في رسوله صلى الله عليه وسلم ـ حاشاه ، و فداؤه الأنفس و الأمهات والآباء ـ إنما هم عبارة مسوخ يجترون أباطيل وافتراءات ممن سخروهم من مستشرقين يهود ونصارى حاقدين على دين الله عز وجل ، وليس لهؤلاء المستأجرين المسخرين فيما يفترونه سوى اجترار مكشوف لافتراءات المستشرقين في مؤلفاتهم المتهافتة والطافحة بالبهتان والزور، وهم يتبعونهم حذو القُدَّة بالقُدّة كما أُبلِغ بذلك من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي قال فيه: » لتتبعنّ سَنَن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه وراءهم . قالوا اليهود والنصارى؟ قال : فمن ؟؟ « .
ولقد استزل هؤلاء المبطلون عبر وسائل الإعلام والتواصل شريحة من الأغرار المنخدعين بهم ،وقد استغلوا جهلهم الفظيع بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبما خلفه أهل العلم بهما، ولبّسوا عليهم دينهم تلبيسا، وصدقوهم فأسلسوا لهم القياد وقد زينوا لهم الحياة في ظل ما يسمونه المجتمع الحداثي الذي تغيب فيه قيم وأخلاق الإسلام وتسوده الفواحش والمنكرات .
ومعلوم أن هذا الذي يحدث اليوم في بلاد المسلمين إنما هو محاولة استغلال الظرف الدقيق الذي تمر به الأمة الإسلامية وقد أريد سوءا بقضيتها الأولى من لطمس معالمها من خلال تكريس احتلال الأرض المقدسة التي باركها الله تعالى ،وبارك مسجده الأقصى وما حوله .
وهيهات هيهات أن يتحقق لهؤلاء الأعداء وأذنابهم ما يريدون ما دام كتاب الله تعالى يتلى في أمة الإسلام ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حية نابضة في قلوب المؤمنين على الدوام .
اللهم إنا نسألك ثبات أمة الإسلام على دينك ، ونسألك لها العزيمة على نصرته ، ونسألك نصر عبادك المؤمنين المرابطين في بيت المقدس وأكنافه، اللهم كن لهم وليا ونصيرا إنهم يستنصرونك ، ويشكون إليك ضعف قوتهم وهوانهم على الناس ، فلا تكلهم إلى عدو طغى وتجبر عليهم ،ولا إلى من خذلوهم وظاهروا عليهم عدوهم .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




Aucun commentaire