Home»Islam»حديث الجمعة : (( فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ))

حديث الجمعة : (( فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ))

محمد شركي

لا زال حديثنا  متتاليا عن صفات  وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما جاء ذكرها في محكم التنزيل ، وحديث هذه الجمعة منطلقه الآية الكريم السابعة والخمسين بعد المائة من سورة الأعراف التي يقول فيها الله تعالى : (( الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيّبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )) ، ففي هذه الآية الكريمة إشارة إلى بعض أوصاف وأحوال  رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب يهود ونصارى  في سياق الحديث عنهم ، وفي بدايتها أقام الله تعالى حجة على أهل الكتاب بأنه قد أخبرهم بنبوة ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في توراتهم وإنجيلهم ، وعليه فكل نسخ التوراة والإنجيل التي لا يوجد مكتوب فيها عليه الصلاة والسلام، فهي محرفة وباطلة  بشهادة هذه الآية الكريمة التي كل من أنكرها نكث إيمانه ،ووجب عليه أن يتوب إلى ربه ويجدد إيمانه . وبموجب هذه الآية الكريمة لزم أهل الكتاب يهود ونصارى اتباع النبي الرسول الأمي آمرهم بالمعروف وناهيهم عن المنكر ،ومحل لهم الطيبات  ومحرم عليهم الخبائث وواضع الإصر والأغلال التي كانت عليهم ، بهذه الصفات التي وردت في توراتهم وإنجيلهم والتي بشر بها موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام، وبذلك لزم اليهود والنصارى ويلزمهم  اتباعه عليه الصلاة والسلام والإيمان به ،وتعزيره ،ونصرته، واتباع ما أنزل معه لحيازة منزلة المفلحين عند رب العالمين  .وهذا الذي يلزم أهل الكتاب يلزم  أيضا كل من بلغته رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ، وعنها سيسأل الجميع في أول منازل الآخرة حين يقبرون، كما أنهم سيسألون عنها يوم الحشر والوقوف بين يدي الله عز وجل ويحاسبون عليها .

أما صفتا النبوة والرسالة في الآية الكريمة موضوع حديث هذه الجمعة  فقد جمعهما الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم على غرار جمعهما في بعض المرسلين دون بعضهم الآخر ذلك أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ، وقد قص الله تعالى علينا في الرسالة الخاتمة والمصدقة لسابقاتها والمهيمنة عليها أنباء الأنبياء الرسل وجعل خاتمهم سيدهم عليه الصلاة والسلام .و صفة الأمية  في هذه الآية وغيرها من آيات الذكر الحكيم فهي تشريف له صلى الله عليه وسلم خلاف ما يُعتقد في الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون ، وهي في نفس الوقت في حكم المعجزة باعتبار معجزة ما أنزل عليه  وحيا من الله تعالى لقنه له الروح القدس جبريل عليه السلام مشافهة وقد تحدى الله تعالى البشر بالإتيان بمثله ممن ليسوا أميين من الذين يقرؤون ويكتبون، أما الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون فأنى لهم  ما لا يقدر عليه غيرهم ممن يقرؤون ويكتبون ؟

ومن صفاته صلى الله عليه وسلم المساوقة لنبوته ورسالته كونه آمرا أهل الكتاب بالمعروف، وناهيا  لهم عن المنكر، ومحلا لهم  للطيبات، ومحرما عليهم للخبائث، وواضعا الإصر والأغلال التي كانت عليهم . وهذه الصفات كلها عبارة عن تصحيح لما كان عليه أهل الكتاب من انحرافات ، وهي أيضا ليس قاصرة عليهم  بل تتعداهم إلى غيرهم  ممن بلغتهم رسالته الخاتمة عليه الصلاة والسلام . وإذا كان موسى وعيسى عليهم السلام قد بشرا به قومهما ، وأقاما  بذلك الحجة عليهم ،فأولى بغير قومهما أن يسلكوا مسلكهما في الإيمان به  واتباع النور الذي أنزل معه .

 ولقد سبقت صفة الآمر بالمعروف صفة الناهي على المنكر، وهما صفتان متلازمتان لا تنفكان عن بعضهما إذ كل أمر بمعروف هو نهي عن منكر، والعكس صحيح، والمعروف كل خير يعرف ، والمنكر كل شر ينكر ،وهما لا يجتمعان أبدا  ، كما أن صفة محل الطيبات ومحرم الخبائث متلازمتان أيضا لا تنفكان عن بعضهما إذ كل إحلال  لطيب  هو بالضرورة  تحريم لخبيث ، والعكس صحيح، لأنهما لا يجتمعان أبدا .

 وأما  صفة واضع الإصر والأغلال وهي كناية عن وضع  مشاق كان أهل الكتاب  يعانون منها بسبب مخالفتهم لما جاء به موسى وأكده عيسى عليهما السلام . وكل من انحرف عن ملة الإسلام، فإنه لا محالة يواجه إصرا وأغلالا  لا يمكنه الخلاص منها إلا  باتباع النور الذي أنزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا فلاح إلا بهذا الاتباع .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفات وأحوال ذكرها الله تعالى في محكم تنزيله تصريحا أو تلميحا ثم تنبيههم إلى قيمة  رسولهم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام ، وإلى أفضليته عند الله عز وجل الذي أوحى إلى من كان قبله بالتبشير به لما في النور الذي أنزل معه من خير للبشرية جمعاء . ومن أراد أن يعرف قيمة هذا الخير فليسأل عما كان فيه أهل الكتاب من إصر وأغلال وما كانوا يأتون من خبائث وما حرموا منه من طيبات ، وما كانوا عليه من منكرات وفواحش… أو لينظر ما هم فيه اليوم من ذلك ، وما هم فيه كل من تنكبوا صراط الله المستقيم .

وما أحوج أمة الإسلام اليوم إلى التماس حقيقة نبيهم ورسولهم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام في كتاب الله عز وجل الذي  لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكذا من سنة رسوله المطهرة  صلى الله عليه وسلم خصوصا في هذا الزمان الذي تكالبت  فيه على دين الله عز وجل طوائف وأفراد يجمع بينهم الحقد الأسود عليه وعلى أتباعه، وقد اتحدوا على شن حرب  شرسة عليه من عدة جهات وجبهات إرضاء وخدمة  لأعدائه الكفار والمشركين  والمنافقين المغضوب عليهم والضالين .

 ومن العدوان الصارخ  عليه حملات منسقة للتشكيك في مصداقية مصدريه الأساسين  القرآن الكريم والسنة المشرفة، وقد أوكل أعداؤه المتوارون  إلى سفهاء من الذين يدعون الانتساب إليه زورا وألسنتهم تصرح بالكفر البواح ، وسخروهم كما يسخر المرتزقة  للنيل منه ،وهدفهم هو التأثير فيمن قل علمهم به  واطلاعهم عليه  وضاقت آفاق معرفة  به  وذلك ابتغاء تضليلهم وصدهم عن صراط الله المستقيم بالدعوة إلى ما يسمونه مجتمعات مدنية لا دينية  لا أثر  فيها لدين الله عز وجل  تعج بالمنكرات والفواحش والخبائث التي تسوق تحت شعارات مغرية أصحاب الآفاق الضيقة والعقول المعطلة والتي  منها الدعوة إلى  التحرر من القديم  والتقليد، والدعوة إلى حرية التفكير والتعبير… وغير ذلك من الشعارات الشائعة في المجتمعات العلمانية اللائكية والتي تحاول تسويقها في المجتمعات الإسلامية عن طريق طوابير مسخرة من العلمانيين المحسوبين عليها بوجودهم فيها ، بينما ولاؤهم التام والصريح  لتلك المجتمعات  الضالة ضلالا مبينا بشهادة عقلائها من المتنورة عقولهم ،وقد اهتدوا إلى صراط الله المستقيم .

ومما أثير مؤخر طعنا  في دين الله جدل سقيم عقيم بخصوص أمية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد انقسم السفهاء في جدالهم  فيها إلى من أنكروها إنكارا وقد أقرها الله تعالى في محكم تنزيله وذلك  بغرض الطعن في كون هذا التنزيل ليس وحيا من الله تعالى، بل هو من وضع الرسول الذي ينكرون أميته مكررين  مقولة من كانوا قبلهم والتي أشارت إليها الآيتين الكريمتين الثانية عشرة والثالثة عشرة من سورة المطففين اللتين يقول فيهما الله عز وجل : (( وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ))  ، وكذا الآيتين الرابعة والخامسة من سورة الفرقان اللتين يقول فيهما الله تعالى : (( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانهم عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا )) .

أما الذين لم ينكروا أميته صلى الله عليه وسلم ، فإنهم يتخذون منها ذريعة أيضا لإنكار الوحي  والتشكيك فيه ،لأن الذي لا يقرأ ولا يكتب لا يمكنه في اعتقادهم أو بالأحرى  في افترائهم أن يأتي بمثل هذا القرآن بسبب عائق أميته ، وفي هذا تكذيب أيضا لقول الله تعالى في الآية الكريم الثامنة والأربعين من سورة العنكبوت التي يقول فيها سبحانه و تعالى : (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ))، وقوله أيضا في الآية الكريمة السادسة عشرة من سورة يونس : (( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون )) .

 وفضلا عن جدال  المبطلين في أمية رسول الله صلى الله عليه، فإن بعضهم  يشكك في مصداقية ما روي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم من أحاديث  ، ويطعنون في مصداقية من رووا عنه من صحابته الكرام رضوان الله عليهم جميعا، وكذا في مصداقية من تابعوهم بالنقل عنهم وفي مصداقية من جمعوا أحاديثه  في مصنفات الصحاح .

أما البعض الآخر ممن يصفون أنفسهم بالقرآنيين ـ  والقرآن منهم براء ـ فإنهم يخوضون في تأويله بأهوائهم الضالة  المضلة ، وهم يدعون فهما أفضل من فهوم من فسروه من أهل العلم بدءا بالصحابة الكرام ،ومرورا بالتابعين، وانتهاء بالمفسرين من مختلف الحقب التاريخية المتتالية طاعنين في مصداقية إجماعهم على تأويله التأويل الصحيح  المنزه عما يخوض فيه الخائضون المبطلون بأهوائهم .

ومن المؤسف المحزن أن الذين بأيديهم الحل والعقد في بلاد الإسلام ساسة  وبعض العلماء ـ  وليسوا كلهم ـ لا يتصدون لهؤلاء المبطلين  بما أوجبه الله تعالى من ذود عن دينه، وهذا ما زاد المبطلين تعنتا واستهدافا له بشتى الطرق والأساليب الخبيثة وقد أثروا في الكثير من ضعاف العقول ممن ضاقت آفاق معرفتهم من الذين يعتقدون في هؤلاء المبطلين العلم والتنوير ، وما هم بعلماء ولا  متنورين، بل  هم مجرد طابور خامس مأجورة  من المرتزقة العلمانيين الذين يفسدون في  بلاد الإسلام ولا  يصلحون، وقد جندهم للفساد والإفساد فيها عملاء من المنافقين يستخدمهم أعداء هذا الدين وقد أوكلوا إليهم صرف أموالهم على هؤلاء المبطلين لتشجيعهم على المضي قدما  في محاولة تعطيل دين الله عز وجل و تعطيل الحكم بشرعه الذي لا كرامة للناس إلا فيه ، ولا حياة طيبة  لهم إلا في اتباع تعاليمه  وتحكيمها .

 ولا شك أن مؤامرات هؤلاء مجتمعين ينطبق عليه قول الله تعالى في الآية الكريم السادسة والثلاثين من سورة الأنفال التي يقول فيها سبحانه وتعالى : (( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون )) صدق الله العظيم .

اللهم اعل راية دين دينك ،وعليك  اللهم بمن أراد به كيدا من كافرين ومنافقين وفساق مستأجرين . اللهم إنهم لا يعجزونك وأنت فوقهم قاهر . اللهم انصر من نص دينك ،واخذل اللهم  من خذله وعجل بهلاكه ،واجعل في ذلك فرحة لعبادك المؤمنين . اللهم انصر إخواننا المرابطين في أرض الإسراء والمعراج فإنه لا ناصر لهم إلا أنت وقد خذلهم الخاذلون  واستضعفهم الظالمون .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *