تعدد الجبهات المستهدفة للإسلام في بلاده من أجل تكريس واقع سياسي على حساب قضية الأمة الإسلامية الأولى قضية فلسطين المحتلة

تعدد الجبهات المستهدفة للإسلام في بلاده من أجل تكريس واقع سياسي على حساب قضية الأمة الإسلامية الأولى قضية فلسطين المحتلة
محمد شركي
من المعلوم أن دين الإسلام الذي هو الدين الحق عند الله عز وجل لم يسلم منذ بدء الخليقة من الاستهداف الذي كان الدافع من ورائه عند مستهدفيه هو رفض عقيدة التوحيد وما يتعلق بها من تشريع فيهما خلاص البشرية من الأوهام والخرافات والشركيات والعبوديات على اختلاف أنواعها وأشكالها وما ترتب عنها من طغيان وقهر وظلم واستبداد وتخلف وانحطاط …
والمتتبع لقصص الأنبياء في كتاب الله عز وجل ولما رواه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وحيا من عنده تنجلي له طبيعة الاستهداف الذي كان يتعرض له دين الإسلام الذي بشرت به الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أقوامها عبر العصور، وهو دين توحيد الله عز جل توحيدا يقر له بالألوهية والربوبية والصمدية، ويعارض كل أشكال الكفر والشرك به تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
ومعلوم أن توحيد الله عز وجل وتنزيهه عن الشركاء من المخلوقات بشرا كانوا أوحجرا أو نجوما أوكواكب … أوغير ذلك من المعبودات، يحرر بني آدم من سطوة استعباد بعضهم البعض. ولا غرو أن الذين كانت لهم مصالح في استعباد البشر عبر تاريخ البشرية الطويل هم الذين كانوا في الخندق الأول المستهدف للإسلام الذي يهدد مصالحهم ، ويقضي على تسلطهم وتجبرهم وطغيانهم في الأرض.
والمستهدفون عبر التاريخ للإسلام كما صورهم القرآن الكريم كانوا عبارة عن أمم وشعوب لها قادة طغاة مستبدون يقودونها نحو الضلال المبين ، وكان من هؤلاء من نصبوا أنفسهم آلهة وأربابا من دون الله كالذي ذكر الله تعالى محاورته لنبيه إبراهيم الخليل عليه السلام والقائل له : » أنا أحي وأميت » أو كالفرعون الذي جادل نبيه موسى عليه السلام والقائل لقومه : » ما علمت لكم إلها غير » ، و » أنا ربكم الأعلى » .
وفي كل حالات استهداف الإسلام توجد رؤوس استعلاء و طغيان تسوق الأمم والشعوب سوق الأنعام نحو ما تبتدع من ضلال للحيلولة دونها ودون الوصول إلى حقيقة عقيدة التوحيد المحررة لهم ،وكانت النتيجة دائما في نهاية المطاف هي هلاك تلك الأمم والشعوب بشتى أنواع الهلاك التي فصل القرآن الكريم فيها تفصيلا والتي جعلها الله تعالى عبرة لباقي الأمم والشعوب إلى قيام الساعة .
ولما ختمت رسالات الإسلام بالرسالة الخاتمة العالمية المنزلة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم تسلم كسابقاتها من استهداف كفار ومشركي قريش لها ومن استهداف أهل كتاب خصوصا اليهود ومن استهداف منافقي يثرب، وقد قص علينا القرآن الكريم أخبارهم كل هؤلاء بتفصيل يغني عن مراجعة كتب التاريخ التي تحكم تأليفها دوافع لا يمكن تجاهلها أو استبعادها ، وهي لا تسلم من الشكوك في مصداقيتها لما يخالطها من أساطير وأكاذيب مصدرها تلك الدوافع ما ظهر منها وما خفي .
ولا يمكن بتاتا أن تقارن مصداقية الأحداث التاريخية التي ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل مع مصداقية الأحداث التي هي من صنع ورواية البشر . والطعن في مصداقية رواية القرآن الكريم للأحداث التاريخية يواجه أصحابه تحد مفاده قول الله تعالى في الآية الكريم التاسعة من سورة الحجر : (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )) ، وقوله أيضا في الآية الكريمة الرابعة من سورة النجم : (( إن هو إلا وحي يوحى )) . والذين لا يؤمنون بهاتين الآيتين الكريمتين لا يخلو حالهم من أحد أمرين :إما هم منكرون مكذبون بالوحي جملة وتفصيلا، ويكون ذلك بشكل صريح وواضح، وهؤلاء لا طائل من وراء مناقشتهم، لأن ذلك سيكون محض عبث أو جدل بيزنطي كما يقال ، وإما مدعون الإيمان بالوحي ادعاء كاذبا وهم يبطنون الإلحاد ، و تشهد عليهم بذلك مقولتهم في الوحي التي لا تختلف عن مقولة المنكرين والمكذبين به صراحة ،وهؤلاء سماهم الله تعالى منافقين ، ولا وجود لمنزلة بين هاتين المنزلتين .
وحتى لا يطول بنا الحديث عن نماذج من استهداف دين الإسلام عبر التاريخ ،وهو موضوع قد سودت فيه صحف أسفاركثيرة ، سنمر مباشرة اختصارا للكلام إلى الاستهداف الراهن لبيان حقيقته وحقيقة الأطراف التي تقف وراءه والأطراف الموظفة لذلك والتي هي في الواجهة الأولى لهذا الاستهداف، وهذا يقتضي منا استعراض الوضع الحالي في العالم الإسلامي بشقيه العربي وغير العربي والذي تعرض خلال القرن التاسع عشر لحملة صليبية شرسة، فككت أوصال جغرافيته الطبيعية والبشرية على حد سواء ، وذلك على أسس عرقية وطائفية بعد سقوط الخلافة العثمانية التي كانت تمثل الإسلام تمثيلا رمزيا ، وذلك من خلال فرض شروط معاهدة » سايكس بيكو « . وهنا لا بد من التذكير أن استهداف الإسلام لم يكن في يوم من الأيام بشكل مباشر ،بل كان دائما عبر استهداف المنتمين إليه حيث كان بعض المستهدفين له يعتبرون أنفسهم منتمين إليه أيضا ومدافعين عنه، بل أكثر من ذلك يعتبرون أنفسهم أوصياء عليه وممثلين رسميين له ، وكانت السياسة في الغالب هي الدافع وراء هذا الاستهداف كما سيتضح فيما سيأتي من حديث . .
ومعلوم أن الحملة الصليبية الغربية في القرن التاسع عشر كانت حلقة من حلقات حملات متتالية عرفها التاريخ وسجلها ووثقها ، وقد انتهت هذه الحملة التي لن تكون الأخيرة باحتلال بغيض لكل قطر دان أهله بدين الإسلام . ولم يكن احتلال البلاد الإسلامية بالأمر السهل لأن المحتلين واجهوا في بداية احتلالهم مقاومة عنيفة ، ولولا تفوق المحتلين عدة وعتادا لما تسنى لهم أن يحتلوها ويمزقوها كل ممزق مستغلين حكاما ضعافا بما فيهم خونة أغراهم المحتلون بالحفاظ على مناصب وامتيازاتها ، وجعلوهم تحت وصايتهم المباشرة وتحت تصرفهم .
ومع جلاء المحتليين الغربيين عن بلاد الإسلام جلاء عسكري فقط مع بقاء قواعدهم العسكرية واحتلالهم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والثقافي والفكري . وبعد الحرب العالمية الثانية وصراع الأمم التي خرجت منتصرة فيها على سيادة العالم وجدت أقطار الإسلام المفتتة نفسها مرغمة على خيار الولاء لأحد معسكرين رأسمالي وشيوعي كان بينهما صراع على ريادة العالم بسبب مصالح مادية صرفة ، ولم يجمع بينهما إلا العداء الصريح لدين الإسلام واستهدافه في عقر داره بنفس الشراسة التي كانت خلال فترات الحروب الصليبية الماضية أو أشد .
ومن تداعيات ولاء الأنظمة في البلاد الإسلامية عربية وغير عربية والخاضعة لأحد المعسكرين أنها صارت تدير العداء للإسلام بالوكالة عن أحد المعسكرين المتنافسين وذلك بالولاء الايديولوجي لأحدهما عوض الولاء لدين الإسلام ، وهكذا نابت تلك الأنظمة التابعة لأحد المعسكرين عن تحويل حروبهما الباردة كما سميت إلى صراعات محلية ساخنة ودامية فيما بينها ،وذلك على حساب مصالح شعوبها المقهورة أصلا بقهر أعقب قهر الاحتلال الغربي .
ومع أن سيادة فكرة كون العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين لم يعد ثنائي القطب ، فإن الحقيقة عكس ذلك لأن المعسكر الشيوعي صارت زعامته إلى صين بعد أن كانت للاتحاد السوفياتي ، ولا زالت روسيا تعد منافسا للمعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا زال وضع بلاد الإسلام على ما كان عليه في ذروة ما كان يسمى بالحرب الباردة .
ولما كانت القضية الفلسطينية التي هي قضية الإسلام بامتياز نظرا لقدسية جغرافيتها الطبيعية ، فإنها على رأس أسباب استهداف الإسلام الذي يرفض قطعا ما ترتب عن الاحتلال الغربي لدول منطقة الشرق الأوسط وزرع الكيان الصهيوني في أرض فلسطين وتهجير يهود أوروبا وغيرها من بلدان العالم إليها كتعويض لهم عما لحقهم من جرائم إبادة نازية لهم إبان الحرب العالمية الثانية . وكان استنبات الصهاينة في أرض فلسطين عبارة عن مؤامرة كبرى خبيثة تتحمل بريطانيا التي كانت تحتلها المسؤولية الأخلاقية عنها، ومعها بطبيعة الحال كل الكيانات الأوروبية التي ساهمت فيها، فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الدائرة في فلكها والتابعة لها .
ولقد كانت القضية الفلسطينية هي الشرار القادحة لعدة حروب في منطقة الشرق الأوسط كانت تنتهي باندحار الجيوش العربية العاجزة عن مواجهة الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين بترسانتهم العسكرية إلى جانب المحتل الصهيوني الذي تمدد نطاق احتلاله فطال أجزاء مما سمي بدول الطوق . وأمام هذا الوضع خضت بعض أنظمة هذا الطوق للأمرالواقع المفروض عليها ،واضطرت لقبول الكيان الصهيوني جارا لها في المنطقة ، ووقعت معه معاهدات استسلام ، وتخلت بذلك عن القضية الفلسطينية ، وعن الشعب الفلسطيني الذي خضعت قيادتها بدورها للأمر الواقع ، وانضمت إلى الأنظمة الموقعة على الاستسلام فضلا عن أنظمة أخرى انخرطت في مسلسل الاستسلام مضرة أو راضية ، وكان ذلك ولا زال وسيبقى مخالفا لإرادة الشعوب الإسلامية عربية وغير عربية والتي تعتبر القضية الفلسطينية قضية مقدسة قداسة دين الإسلام باعتبار مقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وما له من رمزية دينية .
وهكذا وظفت القضية الفلسطينية من أجل استهداف الإسلام الذي يرفض تسليمها هدية على طبق من ذهب للصاهينة الذين لم يقف طمعهم عند احتلال أرض فلسطين فقط ، بل تعدى طمعهم إلى دول الجوار فيما يعبرونه أرضهم الموعودة في أسفارهم والواقعة ما بين النهر والبحر ، ولن يقف طمعهم عن هذا الحد بل سيتعدى ذلك إلى أبعد حدود في بلاد الإسلام ما لم يوضع لطمعهم حد كما تدل على ذلك مؤشرات تعدت مستوى التخمينات .
وأمام رفض الشعوب الإسلامية بقوة التفريط في القضية الفلسطينية لكونها قضية الإسلام الأولى والقضية الأساسية والجوهرية فيه ، انبرى الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لاستهداف الإسلام من خلال استهداف شعوب وفئات وجمعيات وجماعات مسلمة صارت تنعت بالمتطرفة والإرهابية وغير ذلك من النعوت القدحية لمجرد رفضها الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وتهديده لكل دول الجوار ولأبعد من ذلك .
ولقد كان غزو الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة للعراق ولأفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول شتنبر عبارة عن تصعيد خطير في استهداف الإسلام حيث ربطت تلك الدول بين هذه الأحداث وبين الإسلام مباشرة ، ونتج عن ذلك ما بات يعرف بالإسلاموفوبيا وهو عبارة عن الشعور بالعداء المقيت لدين الإسلام . وبعدما كان الاتهام يوجه لجماعات مسلمة كحركة طالبان وغيرها تحول الاتهام مباشرة للإسلام كدين ، وطال هذا الاتهام أيضا كل من يرفض الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين شعوبا كانت أو جماعات أوأفرادا ، واستبيحت بسبب ذلك دماء وأعراض وأموال كل هؤلاء . والأدهى من ذلك أن الكثير من الأنظمة في بلاد الإسلام انحشرت مع الغرب في استهداف الإسلام من خلال استهداف أتباعه وعلى رأسهم العلماء والدعاة الذين اتهموا بالتنظير لما سموه إرهابا وتطرفا وتحريضا على الكراهية .
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة مستبدة ، وأفرزت انتخابات ديمقراطية أو لنقل شفافة صعود أحزاب ذات مرجعية إسلامية إلى سدة الحكم وذلك ما جعل ثائرة تثورالغرب بزعامة الولايات المتحدة ، وكان الاجهاز على الأنظمة البديلة عن الأنظمة المنهارة من خلال أشكال من الانقلابات عسكرية أونتخابية ، أو عبارة عن تكريس صراعات طائفية دامية لا زلت مستمرة. وعلى ضوء هذا الواقع نشطت كل الأطراف أو الجهات المستهدفة للإسلام إذ سنحت لها الفرصة للتعبير عن ذلك وهي كالآتي :
أنظمة كانت متوجسة من نجاح ثورات الربيع العربي وحلول أنظمة ديمقراطية محلها ،فصارت تستهداف الإسلام استهدافا ممنهجا على أوسع نطاق نيابة أو بالوكالة عن الغرب ، وبأمر منه مقابل الاحتفاظ بوجودها، فسارعت إلى إجراءات تعسفية في حق دعاة وعلماء اعتبرتهم منظرين لما تسميه إرهاب الإسلام السياسي ، وفي نفس الوقت نصبت تلك الأنظمة نفسها وصية على الإسلام وناطقة باسمه ومقررة لمواقفه التي يقررها الغرب لها .
ومن أساليب استهدافها للإسلام من طرف تلك الأنظمة فضلا عن اضطهاد رموزه من العلماء والدعاة الإجهاز على كل ما له صلة به من جمعيات ومنظمات وهيئات ، وقد رصت لذلك أموالا طائلة في مختلف أنحاء العالم بما فيه بلاد الغرب من أجل تشويه الإسلام ونعته بأقبح النعوت كما تتلقى ذلك مباشرة من الغرب الصانع لقرارات تملى عليها إملاءً مقابل بقائها في السلطة .
وفي ظل هذا الوضع نشطت كل الجهات المستهدفة للإسلام منها التيارات العلمانية التي تمت فبركتها في البلاد الإسلامية تحت شعارات من قبيل حرية الرأي وحرية التعبير والتي ترى الإسلام عقبة كأداء في وجه تحول بلاده إلى بلاد مدنية علمانية لائكية . وتعهدت الأنظمة المستهدفة للإسلام هذه التيارات في طول وعرض بلاد الإسلام بالدعم المادي والإعلامي ، وصارت تسوق لأفكارها عبر محطات إعلامية ومواقع عنكبوتية ، وصنعت من بعض العلمانيين أبطالا ودعاة لنشر أفكارهم انطلاقا من الطعن في الإسلام وفي كل رموزه ، وصار شغلهم الشاغل هو الجهر بالإساءة إلى مشاعر المسلمين . ومن هؤلاء العلمانيين من طرقوا باب الدعاية للطائفية والعرقية نكاية في العرق العربي المتهم عندهم بإدخال الإسلام بحد السيف إلى أقطارهم ونشره فيها وهي التي لم تكن عربية من قبل ولا مسلمة . وقد سار هؤلاء أشواطا بعيدة في استهداف الإسلام استهدافا غير مسبوق وذلك بإيعاز من أنظمة لا تحرك ساكنا ضد هذا الاستهداف الممنهج مع أنها تعتبر نفسها وصية على ما تسميه الإسلام الرسمي المنصوص عليه في دساتيرها .
ومن التيارات العلمانية أيضا تيار من يسمون أنفسهم قرآنيين في محاولة مكشوفة منهم للتفريق بين ثنائية الوحي قرآنا كريما وسنة مشرفة . وهذه محاولة خبيثة لا غبار على خبثها للنيل من الإسلام. ولقد ذهب بعض هؤلاء القرآنيين كل مذهب في تفسير وتأويل وفهم القرآن الكريم وفق أهوائهم الضالة خلافا لما عليه فهم وتأويل الأمة الإسلامية خلفاعن سلف . ومن أساليبهم تخطئة العلماء المفسرين والاستنقاص من شأن علمهم وفهمهم ، وطرح بدائل عنهما تصب كلها في خدمة التيارات العلمانية وفق أجندات غربية مكول تنزيلها لأنظمة داعمة وممولة لهم . ويطلع هؤلاء علينا يوميا بالعشرات على مواقع التواصل الاجتماعي ولهم ذبابهم الخاص الذي ينفخ فيهم وفيما يفترونه على الإسلام والمسلمين سلفا وخلفا مما لا يستقيم مع الحقيقة ولا يستقيم عند أهل العلم والمعرفة والخبرة بدين الإسلام .ولم تسلم فكرة إعجاز القرآن الكريم من طعون هؤلاء حتى انتهى الأمر ببعضهم حد القول بأن القرآن المتداول اليوم بين المسلمين ليس هو القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو ما سموه قرآن عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي لم يعد في نظرهم جامعا لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل صار عندهم هو من ابتدعه .
ومنهم أيضا من يشتغلون بالطعن في السنة المشرفة أقوالا وأفعالا وتقريرات ، وينفون صحتها و نسبتها إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لتبرير فصلها عن القرآن الكريم كي يخلو الجو للقائلين بأهوائهم فيه خدمة لأجندات لم تعد خافية على ذي بصر وبصيرة ، ويعتمد أسلوب طعنهم في السنة التشكيك في أئمة جمع الحديث النبوي الشريف والاستنقاص من شأنهم ، وقد عمدت الجهات المشجعة والممول لهؤلاء إلى إشهار جهال ونكرات ليس بينهم وبين الحديث النبوي الشريف وعلومه أدنى صلة، ومع ذلك أحيطت تراهاتهم بهالة إعلامية كبرى استدراجا للعوام واستغباء لهم .
وإلى جانب كل هؤلاء تنشط الطرقية البدعية التي يضفي مبتدعوها القداسة عليها وعلى أنفسهم، وهم بذلك يخالفون خلافا صارخا وفظيعا السنة النبوية المشرفة من خلال ما ابتدعوه من وجد و شطحات وترنمات وأوهام وخرافات ومن خلال استعباد مريديهم لابتزازأموالهم وبيع الأحلام لهم وهي عبارة عن أخيلة في يقظتهم ومنامهم وأطماع في حصول كرامات وهلوسات وخرافات ، مع أنه ليس مع هؤلاء المبتدعين لهذه الطرقية البدعية نص واحد من القرآن الكريم أو الحديث الشريف يعتمدونه لتبرير بدعهم وضلالاتهم إلا إذا لووا بأعناق النصوص المقدسة وأولوها وفق ما ابتدعته أهواؤهم وما اخترعوا لظاهرها الجلي من بواطن ما أنزل الله تعالى بها من سلطان .
والمفارقة العجيبة أن هؤلاء لا يتعرضون من الأنظمة المسؤولة عن حماية دين الإسلام الرسمي لما يتعرض له المتمسكون بالقرآن والسنة من منع ومضايقات واتهامات ، بل تشجعهم على بدعهم وضلالاتهم، وتصرف عليهم الأموال الطائلة من أجل توسيع قاعدة أتباعهم لصرفهم عن التفكير في شؤون الحياة والانخراط في إدارة وسياسة بلدانهم . ولقد ثبت بما لا غبار عليه أن الغرب العلماني يتبنى التصوف البدعي ويشجع عليه ، ويفسح له بلاده بل في مراكزه المعرفية والعلمية نكاية فيما يسميه إسلاما سياسيا إرهابيا محظورا ومتهما بالتطرف وبالكراهية …. وهو يفرض على الأنظمة الخاضعة له احتضانهم وتمويلهم مقابل إدانة ومتابعة كل من ينتقد أوهامهم وتراهاتهم مع أنه لا صلة تربطهم بما يسمى الطرقية الصوفية السنية التي أقرها علماء الأمة قديما وحديثا على أساس أنها تزكية للنفوس لا صلة لها ببدع الوجد والشطحات والترنمات وابتزاز أموال المريدين من أجل تحقيق رفاهية شيوخ الطرق البدعية الذين يعتبرون عموم المسلمين أهل شريعة دون مستوى ما يرون أنفسهم من إدراك لما يسمونه الحقيقة والفناء في الذات الإلهية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وكفى بهذا استهدافا للإسلام الحق الذي يشهد له الوحي قرآنا كريما وسنة نبوية مشرفة.
ومن المفارقات أن بعض الأنظمة التي تقر بالتصوف السني في دساتيرها تسمح للتصوف البدعي بالانتشار وتشجعه على الوجد والإنشاد والترنم والشطحات والترنحات والنفحات و،تصرف عليه الأموال الطائلة التي يحتاجها مواطنوها لتدبير شؤون حياتهم العامة من تعليم وتطبيب وشغل … وكل ما تدعو إليه الضرورة من مصالح وذلك من أجل تحقيق حياة كريمة يقرها دين الله عز وجل . وأمام سطوة استهداف الإسلام من عدة جهات فقدت منابر الجمعة دورها المنوط بها في الدفاع عنه، وصار الخطباء والدعاة الذين يدافعون عنه وعن قضيته الأولى القضية الفلسطينية التي لا يمكن أن تفصل قدسيتها عن قدسيته يسرحون سراحا غير جميل في وقت يسمح لكل الفئات التي تستهدفه بالتعبير عن إساءاتهم إليه بكل حرية ودون رقابة أو مساءلة أو محاسبة ، وقد صارت لهم منابر إعلامية وقواعد عريضة من المتابعين والأنصار، ولهم أيضا ذبابهم الإلكتروني الخاص بهم الذي يتجاسر على الإسلام وأهله خصوصا العلماء والدعاة .
وفي ظل هذه الأجواء سهل تسويق كل الرذائل من أنواع الإباحية المستهترة بالقيم الأخلاقية بين شباب المسلمين الذين لا زالوا لم يفيقوا من اندهاشهم بحضارة وثقافة وقيم الغرب الذي لا يقيم وزنا لحضارتهم وثقافتهم وقيمهم الإسلامية .
وخلاصة القول في هذا المقال أن استهداف الإسلام له أشكال وأساليب عدة تلتقي كلها عند هدف واحد هو الإساءة إليه لصرف أهله عنه ، ولهذا الاستهداف طوائف يجمع بينها ذلك الهدف المكشوف الذي لم يعد خافيا على عموم المسلمين بله خاصتهم من أهل العلم والمعرفة والفكر .
وأخيرا نقول إنه طالما ظلت فلسطين المسلمة معرضة لخطر التهويد الممنهج ،فإن الإسلام وأهله من المخلصين لن يسكتوا على هذه الجريمة النكراء أبدا ،وسيظلون معرضين لكل استهداف وبشتى الأساليب الممنهجة حتى يقضي الله تعالى أمرا كان مفعولا.
وبقي أن نقول للأنظمة التي رضيت أن تكون وكيلة عن الغرب في استهداف الإسلام ورموزه ننصحك بالاحتماء بشعوبك من تهديد الغرب وأنعم بها من حماية عوض الرهان الخاسر على حماية الغرب المزعومة وقد بدا منه ما يدعو للحذر و الحيطة الشديدة منه ومن مخططاته الجهنمية التي تهدد أمن واستقرار بلاد الإسلام، وهي تحول دون نهضتها الحقيقية واستقلال قرارها عن طريق مؤامرات مكشوفة لا ينكرها إلا منكر أو جاحد ، ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد وله عاقبة الأمور .




Aucun commentaire