Home»Islam»حديث الجمعة : (( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ))

حديث الجمعة : (( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ))

محمد شركي

لا زلنا في سلسلة أحاديث الجمع نستعرض صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر بها الله تعالى في محكم تنزيله تصريحا أوتلميحا ، ومنطلق حديث هذه الجمعة هو ما جاء في الآية الكريمة السادسة من سورة سبأ التي يقول فيها الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد )) ، وسياقها  هو مجادلة الكافرين الذي أنكروا نزول الوحي من عند الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفيها إخبار منه  سبحانه وتعالى وتأكيد بأنه هو مُنزِّل الوحي  قرآنا وسنة على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو إنزال يدل على نبوته ورسالته  عليه الصلاة والسلام ، وهما صفتان تقتضيان تلقي الوحي عن  ربه سبحانه وتعالى  من أجل تبليغه إلى الناس، وعليه فهو متلق للوحي ومبلغه وهاد به الناس إلى صراط العزيز الحميد .

ومعلوم أنه لم يخل زمن النبوة ممن كانوا يقابلون إنكار الكفار نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وهم صنفان :  إما أهل كتاب يهود ونصارى وصفهم الله تعالى في الآية الكريمة الثالثة والثمانين من سورة المائدة بقوله : (( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ))، وإما مؤمنون هداهم الله تعالى إلى الحق بعد الضلال سواء  من أهل مكة أو يثرب أو غيرهما . ولقد جعل الله تعالى الصنفين معا حجة على منكري نزول الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم ،ووصفهم بأنهم يعلمون علم اليقين أنه  قد أوحى إليه من ربه سبحانه وتعالى ، وجاء التعبيرعن يقينهم الراسخ هذا بقوله تعالى (( ويرى الذين أوتوا العلم …. الآية )) ، ومعلوم أن فعل «  رأى  » يدل حقيقة  على الرؤية بجارحة العين، وهي رؤية يقين ، كما  يدل مجازا على  رؤية معنوية عبارة عن اعتقاد يحصل باستعمال ملكة العقل . ولما كان اعتقاد أولي العلم من المؤمنين راسخا و صائبا فقد عبر عنه الله تعالى بفعل الرؤية تعبيرا عن وثوقيته ، والاعتقاد هو الحكم المطابق للواقع أو هو الحق المناقض للباطل . ولقد آتاهم الله تعالى علما عندما هداهم إلى استعمال عقولهم الاستعمال الصحيح من أجل الوصول إلى الحق الذي  اتخذه سبحانه وتعالى اسما من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته المثلى ، وعنهما ينشأ كل حق لا سبيل إلى إنكاره أو جحوده . وأول علم هؤلاء يقينهم بأن ما أنزل الله تعالى على رسوله  صلى الله عليه وسلم هو من عنده  تبارك وتعالى ، وقد وصلوا إلى هذه القناعة الراسخة بما في الوحي المنزل نفسه من أدلة قاطعة على وجود الخالق سبحانه وتعالى المتفرد بالألوهية والربوبية  وبما تقتضيانه من أسمائه الحسنى وصفاته المثلى ،وبما فيه من هداية الخلق إلى صراطه المستقيم .

وعند تأمل بداية سورة سبأ نجد ما يؤكد مصدر تلقي الذين أوتوا العلم علمهم من عند الله عز وجل وهو قوله تعالى : (( الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيه وهو الرحيم الغفور )) ، فالإيمان بما في هذه الآية الكريمة هو الذي أعطى من تشربتها  قلوبهم وعقولهم  القناعة الراسخة  بالوحي المنزل من عند الله تعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام وذلك باستعمال الحجا في تأمل ما أحال عليه الله تعالى مما يلج في الأرض وما يخرج منها ،و ما ينزل من السماء وما يعرج فيها وذلك من خلال دورة طبيعية  يعينونها ويعايشونها ويرونها رأي العين ، وهي حق لا يماري فيه إلا منكر أو جاحد لا دليل معه على أن ذلك من صنع غير الله تعالى .

 ولقد ثبت عقلا ومنطقا  ومعاينة في كل زمان  أن من كانوا ينسبون ما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء  وما يعرج فيها إلى شركاء لله  ـ تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيراـ كان محض باطل ، كما أن الذين نسبوه إلى الطبيعة كشريك لله تعالى عما يصفون لا يختلفون في شيء عن الذين ينسبونه لشركاء آخرين  من مخلوقات يتخذونها آلهة من دونه،  وكلهم لا حجة لديهم على ما يعتقدون أو ما يظنون أو بالأحرى ما يفترون .

ولقد ركزت الآية الكريمة موضوع هذا الحديث لهذه الجمعة على أمرين هما كون الوحي حقا وهديا ، وفي هذا ما يؤكد كون النبي صلى الله عليه وسلم  كان حقانيا لا يقول إلا حقا، ويستحيل في حقه الباطل ، كما أنه كان هاديا  يستحيل في حقه الضلال، لأنه يصدر في تبليغه عن وحي الله تعالى قرآنا وسنة قولية وفعلية وتقريرية . ولقد عبر الله تعالى عن طبيعة هداية الوحي بفعل  » يهدي  » بصيغة المضارع التي  تفيد التجدد والاستمرار ، وكل انقطاع للصلة به يفضي حتما إلى الضلال المبين . وربط الله تعالى بين الهداية وبين صراطه المستقيم الذي أضافه إلى صفتين من صفاته المثلى وهما العزيز الحميد اللتين أضيفتا إلى صفة الحق.  أما عزته سبحانه وتعالى، فهي منعته وافتقار الخلق إليه ، وأما كونه حميدا فهو كذلك لذاته أزلا ولحمد الخلق له إجلالا وتقديسا  وتعظيما له . ولا شك أن إيمان المؤمنين بأن الوحي قرآنا وسنة  حق  يجعلهم يستشعرون بلوغ منزلة العزة لقول الله تعالى في الآية الكريمة الثامنة من سورة  » المنافقون  » : (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين …الآية )) ، وكل ملتمس للعزة في غير هذه العزة يذله الله تعالى ، كما أنهم يستشعرون بلوغ منزلة  الحمد الله على ما أنعم به  الله تعالى عليهم بألسنة تردده إيمانا وصدقا  واحتسابا ،وبأفعال تترجم الأقوال بحيث يستعان بنعمه على حسن طاعته وعلى الاستقامة على صراطه المستقيم ، صراط العزيز الحميد.

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الآية الكريمة موضوع هذا الحدث وهي كونه حقانيا وهاديا ومبلغا ، وثانيا تنبيههم إلى واجب التأسي به وبمن امتدحهم الله تعالى من صحابته الكرام ومن ساروا على نهجهم ، فوصفهم بالذين أتوا العلم والذين يرون أن الوحي المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  قرآنا وسنة قولية وفعلية وتقريرية هو الحق الهادي إلى صراط العزيز الحميد . ولا تتحقق هذه الصفة التي أثنى  بها الله تعالى  عليهم إلا بالتأسي والاقتداء بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبمن صاحبوه وأخذوا عنه ونهلوا من  نبع هديه .

وما أحوج الأمة المؤمنة  في هذا الزمان الذي كثرت فتنه كقطع الليل المظلم  إلى هذا التأسي والاقتداء وقد فشا الانحراف عنهما والزيغ عن صراط العزيز الحميد ،وذلك بظهور ضالين مضلين مبتدعين في دين الله عز وجل ما لا حجة لديهم عليه في الوحي قرآنا أوسنة، وإنهم ليتجاسرون على تأويلهما التأويلات الصارخة البطلان ، ويلوون بأعناق نصوصهما وفق أهوائهم لإضفاء الشرعية على  ما ابتدعوه من طرقية تدعو إلى ما يسمونه وجدا وهو عبارة عن شطحات وترنحات وأنغام وأوهام وادعائهم الكرامات  والخوارق ، ونعت أحوالهم تلك  بالسكر والعشق والفناء … وغير ذلك من المصطلحات التي ابتدعوها ليس لها سند في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم  علما بأنه ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام شيء منها حاشاه ، ولا ثبت عن صحابته الكرام حاشاهم ، وإنهم ليستدرجون ضعاف النفوس ومعطلي عقولهم  إلى حيلهم و أحابيلهم طمعا في أموالهم التي يستغنون بها ليحييوا حياة البذخ والسرف وهم يدعون الافتقار، ويبيعون لهم الأوهام والأحلام ، والقدرة على فتق الأنوار في ظلمات خلوات  لهم الله أعلم ما يفعل فيها مما يغضبه ، وإيهامهم بأنهم أهل حقيقة مراتبهم فوق مراتب أهل الشريعة وهم يزكون بذلك أنفسهم زكاة ليست بيد أحد من الخلق بل هي بيد الخالق سبحانه وتعالى الذي يقول في الآية الكريمة التاسعة والأربعين من سورة النساء : (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا )). ومعلوم أنه لا طرق ولا سبل بديلة إلا صراط العزيز الحميد صراطا مستقيما من انحرف عنه  ضل وغوى وهوى في الهواية  وما أدراك ما هي نار حامية .

اللهم إنا نعوذ بك من أن نفتري عليك سبحانك أو على رسولك عليه الصلاة والسلام ما لم توح به إليه قرآنا وسنة ، اللهم ثبتنا على صراطك المستقيم وعلى محجة رسولك الكريم البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .

اللهم فقهنا في كتابك الكريم  وفي سنة رسولك ذي الخلق العظيم .

اللهم إنك تعلم ما يتعرض له عبادك المرابطون في أرض الإسراء والمعراج من تقتيل وتهجير وتجويع وتدمير لمساكنهم والسطو عليها من طرف أعدائك المجرمين أعداء دينك الظالمين  وقد خذلهم الخاذلون، فعجل اللهم لهم بفرج من عندك وبنصر تعز به دينك ، وتعزهم به يا رب العزة والعرش العظيم .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *