Home»Islam»حديث الجمعة : (( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ))

حديث الجمعة : (( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ))

محمد شركي

استئنافا لأحاديث الجمع التي خصصت لعرض صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكاها كتاب الله عز وجل والتي تندرج تحت تنويه الله تعالى بعظمة خلقه ، يأتي  حديث هذه الجمعة انطلاقا من الآيتين الكريمتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة من سورة الأنعام اللتين يقول فيهما الله تعالى  مخاطبا رسول عليه أطيب الصلاة وأزكى السلام : (( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز العظيم )) .

 وقبل استعراض ما تضمنته الآيتان الكريمتان من صفاته وأحواله عليه الصلاة والسلام، نذكّر بأن خطاب الأمر بعبارة  » قل  » الموجه إليه في القرآن الكريم غالبا ما يكون في سياقه تصريحا أو تلميحا  ما يحيل على بعض تلك الصفات والأحوال، لأنه كان أعبد خلق الله لله وأتقاهم . ولا يوجد أمر وُجِّه إليه من الخالق سبحانه وتعالى إلا وأحسن، وأتقن ،وأتم ،وأكمل الائتمار به ، وهو في ذلك قدوة وإسوة للمؤمنين في كل زمان ومكان حتى تقوم الساعة .

وقبل التطرق لما جاء في الآيتين الكريمتين ،لا بد من الإشارة إلى سياقهما الذي تحدده آيات سابقة من فاتحة سورة الأنعام  إلى غايتهما، وهي سورة افتتحت بحمد الله تعالى على قدرة خلقه السماوات والأرض، والظلمات والنور مع التعريض بالكافرين من قريش ومن نحا نحوهم في الكفر والشرك الذين  كانوا يعدلونه ويسوونه بغيره ممن لا قدرة لهم، ثم توالى حديثه سبحانه عن قدرته خلقهم من طين مع التعريض بشكهم وترددهم في  قبول هذه الحقيقة . ويستمر حديثه عن ألوهيته سبحانه وتعالى في السماوات والأرض، وعن علمه الشامل بسرالخلق وجهرهم، وبما يكسبون مع التعريض بإعراضهم عن الأدلة  الدامغة على ذلك ،وتكذيبها والاستهزاء بها مع تذكيرهم بما لحق من كان قبلهم من هلاك وقد كانوا أقوى وأشد منهم مع استعراض ما تمتعوا به من ماء سماء مدرار، وأنهار جارية من تحتهم . وعرّض بعد ذلك بعناد هؤلاء الكفار الذين يجحدون الحقيقة حتى لو قدمت لهم في قرطاس يلمسونه بأديهم إذ تعتبرونه مجرد سحر وهم يتحدون الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يأتي معه ملك فيفحمهم الله تعالى بأنه لو أنزل معه ملك لكان على هيئة بشر، فكيف سيؤمنون بمن تأتي على هيئته البشرية وهم أصلا لم يؤمنون  بالرسول البشر ؟  ولذا هددهم الله تعالى بأنه لو أنزل الملك على الهيئة المذكورة فكذبوا به لأنزل بهم العذاب . ويواسي الله تعالى رسوله الكريم من خلال تذكيره بما لقيه المرسلون من قبله من استهزاء أقوامهم بهم ،وما نال المستهزئين من عذاب، ثم يأمره بأن يدعوهم بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين من قبلهم ، ويأمرهم أيضا أن يتحداهم و يسألهم لمن ما في السماوات والأرض من مخلوقات مع التأكيد على أن ذلك إنما هو من خلقه سبحانه وتعالى ، وأن يذكرهم بيوم القيامة الذي يخسرون فيه . ويسترسل كلام الله عز وجل عن مخلوقاته الساكنة ليل نهار، وعن علمه وسمعه بها ، ويأمر بعد ذلك رسوله الكريم  في سياق إفحام الكافرين بأنه  إنما يتولى الله تعالى الذي  فطر السماوات والأرض، والذي يطعم الخلق دون حاجة إليهم ، ثم أمره أن يخبرهم بأنه  قد أمر أن يكون أول المسلمين سبقا زمنيا ،وأعلى مرتبة في ذلك مع تنزيهه عن الشرك .

ففي هذا السياق ساق الله تعالى الآيتين الكريمتين موضوع حديث هذه الجمعة . والذي يعنيننا فيهما ،هو ما يمكن استنباطه منهما بخصوص صفات وأحوال  رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نذكر منها خوفه من الله تعالى، وصرف الله تعالى عنه عذاب يوم القيامة، ورحمته به، وفوزه المبين يومئذ . إنه عليه الصلاة والسلام أخشى الخلق لله تعالى لعلمه به كما جاء في حديثه الشريف :

  » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال ما يطيقون ، قالوا : لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا « 

وإن علمه صلى الله عليه وسلم  حق العلم بالله  قد جعله أخشى الخلق له ، وهذه صفة من صفاته التي لا يضاهيه فيها أحد  لمكانته عند الله عز وجل الذي أعلمه وعلمه ما لا يعلمه غيره . ومن صفاته أنه  بسبب تقواه مرحوم  وفائز يوم القيامة، وذلك ما اقتضاه خوفه من معصية الله تعالى .

ومعلوم  أنه ما أمره الله تعالى أن يقول هذا الكلام للكافرين إلا لأن مضمونه ينطبق عليه ، وهو في نفس الوقت ترغيب لهم في الإيمان بعد الذي سبقه من وعيد شديد لهم ، وهنا تجدر الإشارة إلى التذكير بصفتي البشير والنذير اللتين تردان صريحتين في كتاب الله عز وجل .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا  تذكير المؤمني بصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستنبطة من الآياتين الكريمتين، ثم دعوتهم  بعد ذلك إلى الاقتداء والتأسي به وقد جعله الله تعالى قدوة وإسوة لهم ، وعليه فإنه يلزمهم بالضرورة الخوف من معصية الله تعالى، وما تستوجبه من عذاب يوم عظيم من يصرفه الله تعالى رحمة منه عن الخائفين من معصيته بدءا بالكفر والشرك، ومرورا بكل المعاصي ،وانتهاء بالتقصير في الواجبات المفروضة عليهم ، وكل ذلك من رحمته سبحانه وتعالى، وهو فوز مبين .

وما أحوج المؤمنين في هذا الزمان الذي فسد فيه الخلق فسادا كبيرا إلى التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف من معصية الله تعالى خصوصا وقد كثر الدعاة إلى الكفر، والإلحاد، والفسوق، والفجور، وكل أنواع المعاصي ، وقد جند لذلك دعاة ضلال من بني جلدتهم، ووفرت لهم كل الوسائل لنشر ضلالهم على أوسع نطاق، وهم يشككون في كتاب الله تعالى ، ويقولون فيه بأهوائهم  دون علم به ، ويشككون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواله وأفعاله وتقريراته ، ويناولون  كل ننيل من صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وممن نقلوا لنا سنته وما كان عليه أصحابه من اقتداء به  ، ويقللون من شأنهم، ويكذبونهم بغرض إقناع ضعاف الإيمان والعقول ممن لا يتدبرون كلام الله تعالى، ولا يفقهون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالإقبال على مشروعهم الإلحادي الذي يحاكون به الأمم الملحدة ، وهم يتطلعون إلى تحويل بلاد المسلمين من دار إسلام إلى دار كفر وإلحاد ،وقد سُخِّروا لذلك تسخيرا ومُوِّلوا تمويلا لتحقيق هذا الهدف خدمة لمن سخروهم واشتروا منهم ذممهم .

 وعلى الأمة المؤمنة أن تعي جيدا دلالة الخوف من معصية الله تعالى، وذلك بعدم الاستهانة بالمعاصي التي يتم التطبيع معها بفعل الاحتكاك بالأمم  العاصية التي صارت ترى في المعاصي تحررا، وتحضرا، وتقدما ، ورقيا ، وتغري ضعاف الإيمان بها ، وتشجعهم عليها ، وتزين وتسهل لهم الوقوع فيها مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد حذر أمته من ذلك بقوله :  » لتَتَّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلكم حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه وراءهم ، قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟  »  ،  وكفى بهذا الحديث تنبيها  وتحذيرا من اتباع سَنَن هؤلاء التي تُقدم اليوم  للناس ومنهم المؤمنون كقيم حضارية كونية ملزمة للبشرية قاطبة ، ولا قيم أخرى معها أو تنافسها.

اللهم ارزقنا الخوف من معاصيك والخشية منك ، ونسألك أن ترحمنا بصرف  سوء أعمال عنا وتصرف عنا سوء المصير ، ونسأك اللهم الفوز المبين بجنةالنعيم ، ونعوذ بك من الخسران المبين ، ومن عذاب الجحيم . اللهم رد بأمة الإسلام إليك ردا جميلا ، وانصر اللهم بنصرك المبين من أعلى كلمتك ، ونصر دينك ، ودافع عن مقدساتك .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *