صلاح دين الإسلام هو الذي جعله عبر تاريخ البشرية الطويل مستهدفا من قبل أوكار الفساد وهذا دأبه حتى تقوم الساعة

صلاح دين الإسلام هو الذي جعله عبر تاريخ البشرية الطويل مستهدفا من قبل أوكار الفساد وهذا دأبه حتى تقوم الساعة
محمد شركي
من المعلوم أن الخالق عز وجل قد خلق الكون وجعله صالحا ، بل جعل الصلاح فيه أصلا ثابتا بينما الفساد الذي مصدره الخلق عبارة عن استثناء . والصلاح الذي شمل عموم الكون شمل أيضا مستقر الإنسان الذي هو كوكب الأرض التي جعلها سبحانه وتعالى صالحة بما أودع فيها من أسباب الحياة المستقرة والطيبة إلا أن طبيعة الإنسان المتمردة تجعله ينزع إلى الإخلال بصلاحها بما يشيعه فيها من فساد يطال كل صالح فيها بما في ذلك الإنسان نفسه .
ولقد تعهد الخالق سبحانه وتعالى الخلق برسالاته التي قلدها المرسلين صلواته وسلامه عليهم أجمعين، وأمرهم بتبليغها لهم، وجعل الهدف من ورائها إشاعة الصلاح في الأرض وإصلاح ما يحدثونه فيها من فساد . وأول فساد صححته تلك الرسالات هو فساد الاعتقاد الذي جعل الإنسان يضل طريقه نحو معرفة خالقه بفطرته التي فطره الله تعالى عليها هو على يقين تام بأنه حتما مخلوق له ، وليس له خالق غيره .
ولقد وجدت أوكار الفساد في الأرض منذ بدء الخليقة ، وعلى رأس الفساد فساد الاعتقاد الذي جعل كثيرا من الخلق يدينون ضلالا بالألوهية والربوبية لغير الله تعالى حيث عبدوا ما نحتته أيديهم من أصنام ، كما عبدوا الكواكب والنجوم ،والحيوانات وعبدوا من البشر طغاتهم .
وأول إصلاح اضطلعت به الرسالات المنزلة من عند الله تعالى هو إصلاح هذا الاعتقاد الفاسد من خلال رد الناس من كل أنواع الشرك بالله تعالى إلى إخلاص التوحيد له .
ولقد قصت علينا الرسالة الخاتمة المنزلة على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنباء سابقاتها من لدن نبي الله نوح عليه السلام إلى عهد نبي الله المسيح عيسى بن مريم، وكلها تدور حول فكرة إصلاح ما فسد من الاعتقاد وهو أصل كل فساد لأن الإنسان يتصرف وفق اعتقاده، فإذا صح وصلح اعتقاده صح وصلح سلوكه في الأرض ، وإذا فسد اعتقاده فسد سلوكه فيها .
ولقد اختلفت أحوال الأمم السابقة التي قص علينا القرآن الكريم أخبارها بحكم تدرج البشرية من أوضاع وأحوال إلى أخرى إلا أن القاسم المشترك بينها هو فساد اعتقادها الذي كان يترتب عليه فساد أوضاعها وأحوالها . ولقد كان المرسلون كما قص علينا القرآن ذلك يركزون في الأساس على إصلاح الاعتقاد أولا قبل إصلاح أوضاع وأحوال من يبعثون فيهم .
ولقد كان منطق أولئك المرسلين مع أقوامهم لإقناعهم بإصلاح اعتقادهم هو إحالتهم على الأدلة الواقعية والعقلية والمنطقية التي هي من صميم واقعهم المعيش وهي داعمة لترسيخ فكرة التوحيد في عقولهم ووجدانهم كما أنها ناسفة ومفندة لأوهام الشرك عندهم ، وكانوا يقنعونهم بأن كل ما يحيط بهم من موجودات توفر لهم العيش الكريم والحياة الطيبة إنما هي من صنع الإله الواحد وإنعامه ،و ليست من صنع من كانوا يشركون بهم .
وكأمثلة على تركيز المرسلين على إصلاح اعتقاد أقوامهم قبل كل شيء، نستعرض نماذج من خلال بعض الآيات القرآنية نذكر منها ما يلي :
ـ (( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )) الآية 59 سورة الأعراف .
ـ (( وإلى عاد أخاهم هود قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )) الآية 65 سورة الأعراف.
ـ (( قالوا يا صالح لقد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب )) الآية 62 سورة هود .
ـ (( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين )) الآية 74 سورة الأنعام .
ـ (( كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون )) الآيتان 160 161 سورة الشعراء.
ـ (( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إليه غيره )) الآية 85 سورة الأعراف .
ـ (( قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى )) الآيتان 49 و50 سورة طه .
ـ (( وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين )) الآيات 123 و124 و125 سورة الصافات .
ـ (( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين )) الآية 6 سورة الصف .
ـ (( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءنيَ البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين )) الآية 66 سورة غافر، والخطاب فيها موجه إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام
كل هذه الأمثلة يركز فيها المرسلون على تصحيح معتقدات أقوامهم الشركية . وهكذا كانت دعواتهم تنطلق من تصحيح فساد هذه المعتقدات أولا ثم تصحيح ما يترتب عنها من فساد أوضاعهم وأحوالهم ومعاملاتهم وما يقولون وما يفعلون ، وبذلك عالجوا فساد الطغيان والعدوان ، واختلال المعاملات ، وفساد السلوكات …. إلى غير ذلك من كل أنواع الفساد المختلفة المرتبطة جدليا بفساد المعتقدات .
وإذا تجاوزنا أحوال الأمم السابقة عن فترة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانطلقنا من أوضاع وأحوال شبه جزيرة العرب في بعثته نجد رسالته التي أوكله الله تعالى تبليغها لعموم البشر بدءا بقومه أولا ثم من يليهم من الأقوام قد ركزت طيلة ثلاث عشرة سنة من البعثة على درء فساد اعتقاد المشركين قبل درء فساد ما كانوا عليه من جاهلية في معاملاتهم وأنكحتهم وغيرها من أحوالهم التي كان مصدر فسادها هو فساد الاعتقاد .
ولقد كان كل من أراد به الله تعالى خيرا وشرح صدره للإسلام بمجرد تخلصه من شركه يهون عليه تعديل سلوكه السابق في ظل جاهليته وفق إسلامه ، فيصحح ما فسد منه على ضوء استقامة اعتقاده ، فيدع كل محرم من مأكل ومشرب ومنكح ، وكل جور في معاملاته وكل انحراف في أفعاله و أقواله .
ولقد انبرى مشركو مكة لمحاربة الإسلام لسبب واحد ووحيد هو صلاحه الذي يحاصر كل أنواع فسادهم . ولقد كانوا يعترضون سبل المقبلين على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصدهم عنه وعن الإسلام بذكر موقفه الصارم مما ألفوه وما درجوا عليه من أنواع الفساد في حياتهم . ولما انتقلت دعوة الإسلام إلى يثرب بعدما أمر رسول الله صلى الله عليه بالهجرة إليها وصارت دار إسلام ودار توحيد اشتدت ضراوة عداء المشركين للإسلام ، وانضاف إليهم منافقون فاسد اعتقادهم إذ كانوا يعلنون الإسلام ويبطنون الكفر والشرك ، إلى جانب يهود أفسدوا الاعتقاد الذي جاء به نبي الله موسى عليه السلام بشهادة الرسالة الخاتمة التي لا يأتيها باطل من بين يديها ولا من خلفها . وتوالت الفترات الزمنية بعد فترة النبوة، واستمرت حروب المفسدين في الأرض على الإسلام من أجل محاصرة صلاحه فيها ، ويطول الحديث عن نماذج من تلك الحروب مما سجله التاريخ لنا .
ولما حل عصرنا اشتدت وتيرة عداء المفسدين للإسلام ، وصاروا خليطا من كفار ومشركين ومنافقين وضالين من أهل الكتاب وعلمانيين وملاحدة وهم خليط يسلكهم في خيط واحد ذلك العداء ، وقد ابتدعوا له ولأتباعه أقبح وأقذع النعوت، وصارت عملة يروجونها فيما بينهم ويذيعونه في عموم العالم .
وإذا كنا لا نستغرب إضمار الأمم الملحدة العداء لدين الإسلام لأنه لا ينتظر منها إلا ذلك ، فالغرابة كل الغرابة أن يوظف من المحسوبين على الإسلام من بني جلدتنا من يسوق هذا العداء الضاري في أقطارنا الإسلامية خصوصا بين الأغرار من أبنائها بطرق وأساليب شتى اختص بكل واحدة منها نفر من أولئك المرتزقة أو ذلك الطابور الخامس المندس بيننا وقد صار اليوم بعدما مكن له كل التمكين من طرف من وظفوه يجاهر بعداء الإسلام جهارا نهار . ومن هؤلاء فئة يصدق عليها نعت النفاق أسوأ مما كان زمن البعثة النبوية عند من كانوا يظهرون الإسلام وتبطنون الكفر ،حيث صار منافقو هذا العصر يدعون من جهة الانتماء للإإسلام ومن جهة أخرى يجاهرون بالعلمانية والإلحاد .
ولقد أنشأ من يظهرون ويضمرون العداء للإسلام مراكز عالمية لتكوين من ينوبون عنهم في النيل منه عن طريق الاشتغال بعلوم القرآن وعلوم الحديث بغية التدليس والتشكيك والافتراء ، وصرنا نسمع عبر وسائل التواصل من يكذبون أئمة الحديث ، ويتخذون منهم مطية للنيل منه ، ومن ثم النيل من الإسلام عن طريق فصل الحديث وإقصائه عن القرآن من أجل الانفراد به و التفرغ للطعن فيه من خلال تخطئة المفسرين والتطاول عليهم بفهوم يقدونها على مقاس أمزجتهم من أجل نزع صفة الوحي عنه والتشكيك في مصداقيته ،والغرض من كل ذلك هو استهداف شباب الإسلام بالدرجة الأولى لصدهم عنه ، وزرع فقدان ثقتهم في أهل العلم به، ومن ثم إعدادهم نفسيا وذهنيا وتهيئتهم لقبول البديل العلماني المتجاسر أصحابه على الإسلام بشكل غير مسبوق في ظرف تاريخي هو في غاية الحساسية والدقة ولصالح أعداء الإسلام بكل أطيافهم وألوانهم.
وفي ظل هذا الظرف تبرز أشكال من الفساد الذي طال شتى مناحي الحياة في البلاد الإسلامية ، وصرنا نسمع بما يسمى بالحركات النسوية التي تهدف إلى إفساد الأسرة المسلمة من خلال إفساد نواتها الصلبة التي هي المرأة ، كما صرنا نسمع بالمثلية وهي صيغة حديثة لفاحشة قوم لوط ، وبالرضائية وهي تسمية مطبعة مع فاحشة الزنا ، و نسمع بما صار يسمى حق الإجهاض ، وهو مثيل جريمة الوأد في الجاهلية …. إلى غير ذلك من الانحرافات الخطيرة عن قيم العفة التي جاء بها الإسلام إصلاحا لما طال الفطرة البشرية السوية من فساد بفعل إفساد المفسدين .
ولن تتوقف محاولات تعقب الجهات المفسدة في العالم صلاح الإسلام بكل وسائلها المتاحة لأنها تعتبره تهديدا لوجودها ولمشروع إفسادها . وما لم يتم التصدي لهذه المحاولات بدءا بالتصدي للطوابير الخامسة المستأجرة لتسويق الفساد بكل أشكاله وأنواعه عبر إعلام متغول وهو متمركز في يد لوبي خطير هو أصل كل فساد في هذا العالم ،وهو يسوق لما بات يعرف بالإسلاموفوبيا ، وهي صيغة ترددت عبر العصورعند كل الأمم التي كانت تعيش فساد الاعتقاد وما يترتب عنه من كل أنواع الفساد في حياتها كما سجل ذلك على سبيل المثال لا الحصر قول الله تعالى في الآية الكريمة السادسة والعشرين من سورة غافر : (( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ان يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد )) ، نموذج الإسلاموفوبيا الفرعونية أو قوله تعالى في إشارة إلى كفار قريش في الآية الكريمة السادسة من سورة ص : (( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد )) ، وهذا نموذج الإسلاموفوبيا القرشية .ولقد تعدد الإسلاموفوبيات عبر تاريخ البشرية وقد ذكر منها القرآن الكريم عدة نماذج .



Aucun commentaire