Home»Islam»حديث الجمعة : (( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ))

حديث الجمعة : (( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ))

محمد شركي

لا زال الحديث متواصلا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل . وهذا الحديث اليوم اقتضاه الوقوف عند حاله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، وما ترتب عن ذلك من صفاته وشمائله  من خلال الآية الكريمة الثالث والستين من سورة النساء التي يقول فيها الله تعالى :

(( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا )) .

 وقبل استجلاء صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الآية الكريمة يجدر الذكر بأن كل خطاب موجه من الله عز وجل إلى رسوله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام سواء كان أمرا أو نهيا ، فإنه يتضمن بالضرورة تصريحا أو تلميحا إلى  بعض صفاته وشمائله المنضوية تحت عظيم خلقه الذي نوه به الله تعالى .

والآية الكريمة موضوع هذا الحديث تبدأ باسم إشارة يعود على المنافقين بما سبقها من حديث عنهم  في آيات سابقة وهو قوله تعالى:

 (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا )) .

ولقد كشف الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أمر هؤلاء المنافقين لرسوله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يزعمون أنهم مؤمنون بالقرآن الكريم وبما سبقه من وحي، إلا أنهم كانوا لا يعرضون أحوالهم وخصوماتهم عليه، ولا يتحاكمون إليه، بل كانوا يتحاكمون إلى الطاغوت، وهو ما ذكره الله تعالى في الآية الكريمة الواحدة والخمسين من نفس السورة  في قوله تعالى: (( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )). ولقد ورد في كتب التفسير أن الجبت والطاغوت إما  يراد بهما الأصنام  أو الكهان الذين يزعمون الحديث نيابة عنها أو السحرة  أو الشيطان الرجيم ، وكل ذلك من الكفر والشرك بالله تعالى سواء تعلق الأمر بالأصنام أم بالإنس والجان  . وفي هذه الآية الكريمة نسب الله تعالى  الإيمان بالجبت والطاغوت للذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم اليهود الذين كانوا يصدون الناس عن الاحتكام إلى  ما جاء في كتاب الله تعالى من الحق، ويزينون لهم الاحتكام إلى الباطل من عمل  الشيطان .ولقد حذر الله تعالى المنافقين  المتحاكمين إلى الطاغوت من مغبة ذلك ،وتوعدهم بنزول المصائب بهم جزاء إعراضهم عما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ،  كما فضح أيمانهم الكاذبة إذ كانوا يزعمون أنهم يفعلون رغبة في الإحسان والتوفيق ، وكشف عما  كانت تخفي صدورهم من نفاق، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عنهم وهم على تلك الحال من النفاق، ولا يهتم بإعراضهم عنه ، ولا يغتم لذلك ، وفي نفس الوقت أمره بوعظهم بالقول البليغ .

ومن خلال هذه الحال التي عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نستشف بعض صفاته، وهي صفة المُعرض عن باطل المبطلين من كفار ومنافقين ومستهزئين  كما جاء ذلك أيضا في الآية الكريمة الثامنة والستين من سورة الأنعام التي خاطب به الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام قائلا  : ((  وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين )) .

وصفة الإعراض  في رسول الله صلى الله عنه وسلم عن الظالمين كفارا ومنافقين هي من عظيم خلقه ، لأن القصد من إعراضه عنهم إنما  لصدهم عن الاحتكام إلى  باطل الجبت والطاغوت ، وردهم للانصياع إلى الحق .والإعراض إنما  يكون  بصرف الوجه عن المُعرَض عنهم ، وتركهم وهم على  تلك الحال السيئة من النفاق كان علمها عند الله تعالى العالم  بما تخفي الصدور .

ومن صفاته عليه الصلاة والسلام الواردة في  هذه الآية الكريمة موضوع هذا الحديث  صفة  الواعظ  وهو الناصح الدال على الخير وصالح الأعمال  والمحذر من الشر وسيء الأعمال . ومن صفاته أيضا أنه  كان  مبلغا عن ربه سبحانه وتعالى بالقول البليغ  حجة وإقناعا والذي يبلغ إلى أعماق النفوس والقلوب  حين كان يحاور أو يجادل أهل الباطل من كفارا ومنافقين، وذلك لما آتاه الله تعالى من مجامع الكلم، ومن قوة البيان وقوة الحجة والإقناع .

وقد يبدو للبعض أن صفات المُعرض عن المنافقين و في نفس الوقت  الواعظ لهم والمبلغ  لا تتساوق ، و الحقيقة أنها كذلك لأن كل حال كانت تقتضي الصفة المناسبة لها فالإعراض  منه عليه الصلاة والسلام كان مقابل إعراضهم عما أنزل إليه ، و والوعظ  والتبليغ  اقتضتهما حال إقبالهم عليهم  مقسمين  وهم كاذبون بأنهم كانوا يريدون إحسانا وتوفيقا . وهكذا كان كلامه عليه الصلاة والسلام  مطابقا لمقتضى أحوالهم كما يقول أهل البلاغة .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تنبيه المؤمنين إلى ما في خطاب الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم من إشارات أو إيحاءات إلى بعض صفاته وشمائله التي قد يمرون بها مرور الكرام دون تدبر أوتفكر ، وثانيا  حثهم على التخلق بصفاته عليه الصلاة والسلام حين يعرض لهم ما  كان يعرض له من أحوال مع الكفار والمنافقون ذلك لأنه لا يخلو منهم زمن من الأزمنة إلى أن تقوم الساعة ، والمنافقون كما وصفهم الله تعالى  هم الأخطر على المؤمنين من الكفار الذين يصرحون بكفرهم .

ومعلوم أن زماننا هذا لا يخلو من وجودهم  مثل هؤلاء ومخالطتهم لأهل الإيمان ، وقد طوروا من أساليب نفاقهم ومردوا عليه أشد مما كان عليه من سبقوهم وصاروا إذا أرادوا النيل منهم  يأتونهم من طرق ملتوية وهم يموهون على  ما يبطنون من نفاق في صدورهم، وهم يرددون  مقولة من سبقوهم إن نريد إلا إحسانا وتوفيق، وهم يسوقون كل وافد من جبت وطاغوت كبديل  عن دين الله عز وجل ويعتبرونه  من  الرقي والتحضر ومواكبة العصر … إلى غير ذلك من الحيل التي لم تعد خافية على أولي النهى، وقصدهم النيل من الوحي قرآنا وسنة تشكيكا يفي صدقيتهما من أجل الصد عنهما ، و إن فيهم من يجاهرون  بوقاحة بالعداء  لهما والطعن فيهما، وفي  كل من  يشتغلون بهما من أهل العلم قدماء ومحدثين  خصوصا  قد واتتهم الفرصة ، وتهيأ لهم الظرف  مع وجود من يدعمونهم  ويمولونهم من أعداء الإسلام . وإن ذلك ليحدث في غياب من يتصدى لهم ممن أوجب عليهم الشرع  ووظيفتهم الدينية الرسمية  ، ويبدو أنهم صاروا  يتنكبون التصدي لهؤلاء مباشرة  ، وذلك خشية من يدعمونهم  من أهل الكفر ،والله تعالى أحق أن يخشوه لولا كانوا يعلمون .

وعلى المؤمنين بموجب واجب التأسي والاقتداء  برسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يسلكوا سبيله في التعامل مع أهل النفاق إعراضا عنهم إذا أعرضوا عن دين الله عز وجل ، و ووعظهم بالقول البليغ في أنفسهم إذا ما جاءوهم مجادلين يزعمون أنهم يريدون الإحسان والتوفيق وهم كاذبون ومخادعون  والله يتولى سرائرهم وهو أعلم بما في نفوسهم .

اللهم إنا نسألك حسن التقوى وحسن اليقين وحسن ، الاستقامة على صراطك المستقيم، ونسألك حسن المعاد والمآل ، ونعوذ بك من الفتنة في الدين .

اللهم انصر عبادك المؤمنين المظلومين في كل مكان، فأنت أعلم بهم وبالظالمين اللهم  عجل برفع الظلم عنهم فأنت صادق الوعد لا يتخلف وعدك الذي وعدت به المستضعفين المظلومين من عبادك المؤمنين المجاهدين في سبيلك ومن أجل رفع راية دينك  . وانصر اللهم من نصر دينك ، واخذل من خذله .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *