Home»Islam»مقصد أسلمة المعارف والعلوم بين الأستاذ الصادق العثماني والأستاذ ياسين العمري

مقصد أسلمة المعارف والعلوم بين الأستاذ الصادق العثماني والأستاذ ياسين العمري

0
Shares
PinterestGoogle+

مقصد أسلمة المعارف والعلوم بين الأستاذ الصادق العثماني والأستاذ ياسين العمري

محمد شركي

الداعي إلى الكتابة في هذا الموضوع هو بعض ما نشره الأمين العام لرابطة علماء أمريكا اللاتينية الباحث المغربي والداعية السيد الصادق العثماني على صفحته الفيسبوكية ينتقد فيه شخصيات مغربية إسلامية ويراجعهم في بعض أفكارهم ووجهات نظرهم بطريقة توحي بأنه يسددهم ويوجههم إلى ما ند عنهم وهم يذيعون أفكارهم ووجهات نظرهم بين الجمهورالذي يحج إليهم أو ينشرونه على صفحاتهم عبر الشبكة العنكبوتية .

ومن بين الدعاة الذين شملهم نقد الأستاذ الصادق الأستاذ ياسين العمري الذي أصبح أيقونة لدى الرأي العام الوطني من خلال أنشطته الدعوية التي يركز فيها على  شريحة الشباب محاولا توجيه الخطاب الديني إليهم عبر ما خبره من ذهنيات واهتمامات ومشاغل خاصة بهم .

 ودون الخوض بعمق فيما قاله السيد الصادق في السيد العمري أود الإشارة إلى أن مما أثاره  في انتقاده موضوع أو قضية أسلمة العلوم الشيء الذي حفزني على طرق هذا الموضوع  الذي يعتبر عند أصحاب التوجه العلماني أمرا مثيرا للسخرية يتندرون به فيما بينهم ، وبكل من يقول به ، ويسوقون ذلك لمن  يستهويهم توجههم من المنبهرين والمعجبين بهم  في حين يحمله على محمل الجد من ينادون به كوسيلة لكسب الرهان الحضاري ، وإني لأشاطر هؤلاء في الاهتمام بها الموضوع من أجل ذلك الرهان إلا أنني أود أن أطرحه من وجهة نظري التي أعتبرها تحتمل الصواب والخطأ وفق القولة الشهيرة للإمام الشافعي رحمه الله وهي قولة لا يستنكف  حتى غير المسلمين عن  الاعتراف بوجاهتها بله المسلمون .

وقبل الخوض في موضوع الأسلمة أود الإشارة إلى أني خلال مصاحبة ابنتي المرشحة لخوض امتحان الباكلورياهذه السنة من خلال مذاكرة بيني وبينها  بخصوص مادة الفلسفة، استرعى انتباهي خلو مقررها تماما في مستوى البالكلوريا في الشعب العلمية من ذكر آراء فلاسفة عرب أو مسلمين كما ذكرت آراء فلاسفة غربيين ،الشيء الذي يوحي بأن المعرفة الفلسفية في هذا المستوى تم تغريبها ، ولا أثر للأسلمة فيه  مع أن تراثنا الفلسفي الإسلامي لا يخلو من أعلام لهم آراء في المباحث التي قدمها مقرر مادة الفلسفة المستهدف لتلاميذ هذا المستوى الدراسي وهو : الوضع البشري ، والمعرفة ، والحقيقة ،والسياسة ، والأخلاق ، وتحت هذه العناوين الكبرى عناوين صغرى تابعة لها  أو منشطرة عنها .

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن غاية المنهاج الدراسي المغربي كما عايشته مدرسا ثم مفتشا تربويا هي تكوين المتعلم المغربي المتشبع بدينه الإسلامي السني الأشعري عقيدة، والمالكي فقها ، والجنيدي طريقة ،فضلا عن ضرورة انفتاحه على العالم وعلى  كل التيارات الفكرية فيه و في نفس الوقت المتسامح  والمتعايش … إلى غير ما يهدف إليه المنهاج الدراسي في سره وعلنه من خلال  حمولته المعرفية  لتحقيق هذه الغاية التي تبدو طموحة لا يماري في طموحها أحد. والملاحظ أن الربط بين مكونات  هذا المنهاج  هو في حكم المنعدم خاصة بين مكون التربية الإسلامية والفلسفة، ذلك أن الأول واضح الأسلمة ،والثاني جلي وخلي التغريب والعلمنة . ولقد كان من المفروض ربط جسور بين المكونين بموجب الغاية التي وضع من أجلها المنهاج الدراسي المغربي. ونظرا لعدم وجود صلة بين المكونيين، فإن المتعلم المغربي يجد نفسه  في حيرة من أمره ويتيه بسببها، فهو يتلقى مادة التربية الدينية كمعرفة  مؤسلمة ، بينما يتلقى مادة الفلسفة مغرّبة معلمنة، وداعي حيرته هو غياب الربط بينهما ربطا يسعى إلى الحافظ على هويته وثقافته  الإسلامية إلى جانب اطلاعه  وانفتاحه على  ثقافات الأغيار.  ولربما وقر في نفس أوعقل أو وجدان هذا المتعلم أن بين الحقلين المعرفيين يرزخ إلى درجة اعتقاده أن المعرفة الفلسفية هي بالضرورة غربية الأرومة كما زعم المستشرق رنان مقللا من شأن المسلمين الذين هم مجرد مقلدين للغربيين يجترون معارفهم قديمهم وحديثهم . وهنا نتساءل هل عقمت الأرحام أن تلد فلاسفة في القديم والحديث يمكن أن تكون لهم آراء  في الوضع البشري ، وفي المعرفة ، وفي الحقيقة ، وفي السياسة ، وفي الأخلاق . و لعله يكفي أن نشير  على سبيل المثال لا الحصر في القديم إلى  الفيلسوف العلامة المغربي ابن خلدون الذي نازعه  أبوة علم  العمران أو علم الاجتماع  أوغست كونت  حسب ادعاء الغربيين الذين يقفزون على الرصيد المعرفي والعلمي للمسلمين ، كما نشير حديثا  إلى الفيلسوف طه عبد الرحمان الذي لا يمكن تجاهله في المجال الفلسفي ، فلو أن مقرر مادة الفلسفة ذكر هاذين العلمين لكان في ذلك توجيه للناشئة نحو قناعة بأن لهم فلاسفة يقارعون بفلسفتهم بها الفلاسفة الغربيين.

وخلو مقرر الفلسفة من المعارف المؤسلمة والاقتصار على المعارف المغربة يدعو إلى التساؤل عن السر وراء ذلك ، وهل كان وراء ذلك مقصد لم يصرح به واضعو هذا المقرر أو أنهم  ربما أمروا بعدم الإفصاح عنه من طرف أصحاب القرارالسياسي والتربوي على حد سواء .

أعود إلى فكرة أسلمة المعارف والعلوم لأقول إن الأسلمة التي تثير حساسية المُغرّبين والمُستغرِبين تعاني من ظلم صارخ حيث يعتبرونها نسفا للمعارف والعلوم العالمية أو تجاوزا لها أو محاولة  إخضاعها أو التشويش عليها ، وهنا مربط الفرس الذي جعل الأستاذ الصادق العثماني ينكر على الأستاذ العمري استعمال عبارة  أسلمة الفيزياء ، والكيمياء، وعلوم الحياة والأرض. وأود هنا نقل كلامه وهو كالآتي :

 » الحديث عن فيزياء إسلامية أو كيمياء إسلامية، يثير أسئلة معرفية عميقة ، فالعلوم الطبيعية الحديثة تقوم على التجربة والملاحظة والبرهان الرياضي ، وهي علوم ذات طبيعة كونية لا تتغير نتائجها باختلاف الأديان والثقافات ، فقانون الجاذبية هو نفسه عند المسلم والمسيحي واليهودي والملحد ، والمعادلات الرياضية لا تخضع للانتماءات العقائدية .وإذا كان الجدل الذي أثير حول  » الفيزياء المسلمة  » قد بدا  للبعض مجرد زلة تعبير أو سوء فهم للمقصود ، فإن الإشكال الأعمق يكمن في ما قد يترتب عن مثل هذه التصورات من خلط في مجال العقيدة ومجالات المعرفة الإنسانية المشتركة ، فالعلوم الطبيعية ليست مجالا للصراع الهوياتي أو المذهبي وإنما هي ثمرة تراكم إنساني عالمي أسهمت فيه أمم وشعوب ومعتقدات مختلفة عبر التاريخ .  » انتهى.

يبدو من خلال هذا الكلام أن فهم صاحب المقاصد كما يبدو من كلامه قد نبا سهمه عن قصد الداعية العمري الذي أظنه من خلال متابعتي له عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن أسلمة العلوم بالنسبة إليه هي جعل مقصدها إيمان بالإله الواحد وبسلطانه على الكون والإنسان دون القول بمفارقة المشترك من العلوم والمعارف الإنسانية التي إذا ما تعالت على عقائد غير التوحيد ، فإنها لا يمكنها أن تتعالى على عقيدة التوحيد، لأن  ذلك سيكون نسفا لوحدانية الإله ولتملكه وتصرفه في الكون وفي الإنسان .

وكمثال على  كيفية أسلمة المعارف والعلوم نذكر على سبيل المثال لا الحصر  علم الفيزياء النووية التي لا جدال في موضوعيته  وقواعد وضوابط  إلا أن   الجدال يفرض  نفسه في مقصديته . فلو تمت أسلمة هذا العلم افتراضا فقط  لما نحا به مسيحيون ويهود وملحدون منحى  صناعة أسلحة الدمار الشامل ، وقد وتابعهم في ذلك مسلمون فرض عليهم  قهرا المقصد المسيحي واليهودي والملحد من هذا العلم أو بتعبير أدق تمسحه وتهوده وتلحده إذا صح التعبير. ولا بد من استحضار الدافع العقدي وراء هذا القصد المتمثل في ثنائية التأليه بين ناسوت ولاهوت بل وتعدد  الآلهة من أحبار ورهبان، فالسلاح النووي اليوم بيد من هم على هذه  العقائد وبيد من هم على عقيدة الإلحاد ، وهم يستعملونه لتهديد وابتزاز شعوب المعمور في وقت تحتاج فيه الإنسانية إلى استعمال سلمي نفعي  لهذا النووي عوض استعماله  لتدمير العالم بعدوانية شرسة لا سابق لها في التاريخ وهلاك البشرية وما معها من مخلوقات حية فوق الكوكب الأزرق البديع  .

فأسلمة العلوم والمعارف إنما هو توجيه لمن يتعاطونها كي توافق نتائجها مقاصد إرادة الخالق سبحانه وتعالى الذي ألهم الإنسان قواعدها وضوابطها ودعاه في الرسالة الخاتمة إلى الاشتغال بها عبادة وليس عادة فقط  كي يصل إلى معرفة خالقه من خلال معرفة مخلوقاته ما دق وصغر منها وما عظم .

ولا أظن أن الأستاذ العمري بحكم مستواها العلمي قد زل لسانه  حين استعمل عبارة أسلمة الفيزياء أو غيرها ،إنه  ذهب إلى نفس ما ذهب إليه الأستاذ الصادق العثماني حين يتحدث عن المقاصد في أمور أخرى. ولا يمكن أن يقاس الأستاذ العمري على الذين يقصر بهم الفهم والبحث ، وتغيب عنهم المقاصد  مما يدعون إليه .

وأخيرا أتمنى أن تتضافر جهود الداعيتين معا  كل من زاوية اختصاصه لتدارك افتقار الأمة إلى راشدين فضلا من الله ونعمة يرشدونها  إلى سواء الصراط المفضي إلى الحياة الطيبة عاجلا وآجلا ، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق إغلاق باب الخلاف إغلاقا محكما وحكيما ،لأن  الظرف  في غاية الدقة والحساسية  ،وهو لا  يسمح بالخلاف بين الفرقاء قطعا والأمة  تمر بمفصل تاريخي دقيق لا يصلح معه  خلاف أهل سفينة هم على ظهرها لغاية وقصد ، وهي تمخر بهم عباب بحر لجي لم تعبر مثله إلا  سفينة  نبي الله نوح عليه السلام في الطوفان .ولا شك أن الأمة اليوم في حاجة ماسة  إلى العثماني والعمري معا، وإلى غيرهما من الدعاة والمفكرين والفلاسفة كي تتلمس طريقها نحو نهضة من كبوات  تعددت وقد طال انتظارها .وما التوفيق إلا من عند الله تعالى وهو القصد والغاية من وراء أسلمة كل ما تقوم بها الحياة الطيبة المفضية إلى أخرى هي أطيب  وأدوم .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *