حديث الجمعة : (( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ))

حديث الجمعة : (( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ))
محمد شركي
لا زال حديثنا متواصلا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل . ومنطلق حديث هذه الجمعة هو قول الله تعالى في الآية الثامنة والثمانين من سورة التوبة : (( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون )) .
لقد جاءت هذه الآية الكريمة مباشرة بعد التعريض بالمنافقين الذين حين أمر الله تعالى بالجهاد استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم ليكونوا مع القاعدين والخوالف ،وجمع الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين الرسول عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام وبين صحابته الكرام رضوان الله عليهم الذين كانوا معه في جهاده. ومما ثبت من صفاته وأحواله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة صفة المجاهد بالمال والنفس، وهو في ذلك قدوة وإسوة لا يضاهيه أحد من صحابته الكرام في هذه الصفة ، بل هو أعلاهم درجة ومرتبة فيها . وإن هذه الصفة فيه صلى الله عليه وسلم إنما هي متفرعة عن الصفة التي نوه بها الله تعالى في قوله : (( وإنك لعلى خلق عظيم ))، وقد سبقت الإشارة في أحاديث سابقة من هذه السلسلة إلى أن كل صفاته وشمائله وأحواله صلى الله عليه وسلم تصب فيها .
والجهاد في سبيل الله له شأن عظيم عنده سبحانه وتعالى لأنه وسيلة تثبيت دينه كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أحد الصحابة عن عمل يدخله الجنة ويبعده عن النار، فذكر له أمورا ثم قال له : » ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه ؟ قال بلى يا رسول الله فقال له : » رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد …. » وفي هذا القول ما يؤكد قيمة فريضة الجهاد التي يقوم أمرالإسلام به . ومعلوم أن ذكر الجهاد في كتاب الله عز وجل غالبا ما يقترن بذكر بذل النفس والمال لأن المجاهد في سبيل الله له ثلاثة أحوال فهو إما باذل نفسه أو باذل ماله أو هو باذلهما معا . والنفس هي أعز ما يملك الإنسان عموما إلا أن المؤمن يبذلها من أجل ما هو أعز وأغلى منها وهو الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه الذي هو رأس الأمركله والذي بموجبه تتم عبادة الله عز وجل، ويقام شرعه في الأرض . ولا يبلغ درجة بذل النفس في سبيل الله وهو الجهاد إلا من بلغ شأوا بعيدا في الإيمان . والمال أيضا مما تعلق به النفس وتحبه ، ولا تبذله إلا فيما يوفر لها اللذات إلا أن إنفاقه في الجهاد يعنى أن هذا الأخير يصير عندها أحب منه ،وهي درجة عليا من درجات الإيمان أيضا . ورسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهد هو أعلى درجة ومرتبة في الجهاد على الإطلاق بذلا لنفسه الطاهرة ولماله ،والصحابة الكرام رضوان الله عليهم مقتدون به في ذلك ،وهم ينتافسون في بلوغ الشأو في الاقتداء ما استطاعوا .
ولقد قدم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في ثنائه على من جاهدوا في سبيله بالأموال والأنفس ثم ذكر بعد ذلك الذين أمنوا معه وجعلهم بمعيته في ذلك ،الشيء الذي يدل على تقدمه عليه الصلاة والسلام عليهم في صفة الجهاد لكونه إسوتهم وقدوتهم في ذلك ،ومثلهم الأعلى ،وهو النبع الذي كانوا ينهلون منه ، ويتلقون عنه مباشرة . وجاء تنويه الله تعالى به عليه الصلاة والسلام وبمن معه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بما أعد لهم من خيرات في العاجل والآجل وهو منتهى الفوز والفلاح .
والحديث عن هذه الشراكة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم في صفة وأحوال الجهاد ببذل الأنفس والأموال يفرض علينا أن نستحضر كل الصفات التي نوه بها الله تعالى في سياق حديثه عن عباده المؤمنين سواء الذين عاصروه وصاحبوه صلى الله عليه وسلم أو عموم المؤمنين ممن لم يعاصروه ولم يصاحبوه، ولكنهم التزموا صفاته وأحواله ، ذلك أن كل تلك الصفات والأحوال المنوه بها بخصوص المؤمنين إنما هي نهل من صفات وأحوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم دون أن يبلغ أحد شأوه فيها مهما حاول لأنه الإسوة والقدوة، ولن يبلغ أحد درجات سمو صفاته ولا درجات سمو أحوالهم ،وإنما هم تبع له كما أمر الله تعالى في الآية الكريمة الواحدة والثلاثين من سورة آل عمران بقوله آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله عفور رحيم )) ،إنه أمر إلهي إلى من عاصروه وصاحبوه عليه الصلاة والسلام وإلى من لم يعاصروه بالتأسي والاقتداء به رغبة في محبته سبحانه وتعالى وفي مغفرته .
ومعلوم أن الصفات والأحوال التي نوه بها الله تعالى في معرض الحديث عن عباده المؤمنين كثيرة ومبثوثة في كتابه العزيز ،الشيء الذي يوجب عند الوقوف عندها أثناء تدبرها استحضار شأو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها لأنها لم تأت من فراغ ،بل نهلت منه عليه الصلاة والسلام مباشرة ، وأخذت عنه بالتعلم والتلقين . وليختر من شاء من تلك الصفات والأحوال ما شاء ،فإنه لا بد أن يحضره في جميعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النموذج الأعلى .
فإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر تنويه الله تعالى في الآيتين الأولى والثانية من سورة المؤمنين بقوله : (( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون )) ،لا بد أن يحضرنا أولا خشوع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خشوع المؤمنين بعده، وهو خشوع لا يمكن أن تتحقق درجته ومرتبته عند غيره مهما تخشّع المتخشِّعون ، وعلى هذا تقاس كل الصفات والأحوال المنوه بها في سياق الحديث عن عباد الله المؤمنين في الذكر الحكيم .
مناسبة حديث هذه الجمعة هي أول تذكير المؤمنين بصفة المجاهد التي ورد ذكرها في الآية موضوع هذا الحديث تنويها برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بمن كانوا معه في جهاده، وثانيا التنبيه إلى أن كل الصفات والأحوال الخاصة بالمؤمنين والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم توجب استحضار الإسوة والقدوة فيها، وهذا يعني استحضار التأسي والاقتداء لأن الله تعالى ما نوه بتلك الصفات وتلك الأحوال إلا ليُقتدى بها ويُتأسى بها . ومعلوم أن التأسي والاقتداء يتطلب بذل أقصى الجهد في ذلك ، بل يقتضي التنافس فيه أيضا ،علما بأن تأسي واقتداء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم بعيد المنال لقرب نهلهم من النبع الصافي، وقد أكد ذلك عليه الصلاة والسلام بقوله : » لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده ، لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه » وحسب المؤمنين هذا الحديث لمعرفة المسافة الفاصلة بينهم وبين بلوغ شأو صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اقتدوا وتأسوا به من صفاته وأحواله .
ومن المؤسف في هذا الزمان الذي عمت فيها بلوى غير مسبوقة أن يستهدف بعض السفهاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنا وسبا وشتما وتجريحا ـ حاشاهم ـ وهم الذين ترضى عليهم الله تعالى في كتاب كريم وهو يتلى إلى يوم القيامة . ولهذا يلزم كل مؤمن أن يغار عليهم وأن يؤدي ما يلزمه من واجب الدفاع عنهم ردا على كل سفيه تسول له نفسه أن يؤذيهم بسوء القول.
اللهم إنا نبرأ إليك من أولئك السفهاء ومما يقولون ، ونسألك أن تتولاهم بما شئت من عاجل عقابك قبل آجله . اللهم إنا نسألك حبك سبحانه وحب رسولك صلى الله عليه وسلم ، وحب صحابته رضوان الله عليه ، وحب عبادك المؤمنين في كل زمان ومكان .
اللهم انصر المجاهدين من أجل إعلاء راية دينك بالأنفس والأموال، وأفض اللهم عليهم من خيراتك في الدنيا والآخرة ،وحسبهم ما وعدت به رسولك الكريم وصحابته الكرام : (( أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم )) .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire