Home»Islam»حديث الجمعة : (( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون))

حديث الجمعة : (( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون))

محمد شركي

لا زالت سلسلة الأحاديث متواصلة عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في محكم التنزيل . وحديث هذه الجمعة يدور حول قول الله تعالى في الآية الكريمة الخامسة والأربعين من سورة الأنبياء مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون )) . لقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الرد على منكري البعث وما جاء فيه من إنذار ،ذلك أنه في الآية الكريم الثامنة والثلاثين من نفس السورة قال الله تعالى مخبرا عن قولهم  : (( ويقولون متى هذا الوعد ))، وهو تساؤل يعكس سخريتهم واستهزاءهم من البعث الذي يجحدونه ، والذي أنذرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولقد أمر الله تعالى رسوله الكريم أن يخاطبهم بما يقابل أسلوب استهزائهم حيث قصر سبحانه  وتعالى الوحي  الموجه إليهم على إنذارهم  لتنبيههم من جحود البعث والحساب، علما بأن الوحي تضمن  أمور عدة غير هذا الإنذار . وفي قوله تعالى : (( ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ))  ردا على قولهم : (( ويقولون متى هذا الوعد )) ما يفيد الاستهزاء  بهم والسخرية منهم ، ذلك أن عاهة الصمم إذا وصف بها مجازا الذين  سلم سمعهم، كان القصد منه التعريض بهم لأنهم بعنادهم وإعراضهم عن الإنذار كالصُّم حقيقة الذين لا يسمعون  بسبب حائل حال بينهم وبين السمع.

ولقد وردت في هذه الآية الكريمة صفة المنذر التي وصف الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهي صفة متفرعة عن الصفة العظمى التي أشاد بها الله عز وجل في قوله : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) . فمن عظمة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان منذرا ، ولا تكون هذه الصفة إلا  في خيّر يريد الخير بالناس ، ذلك أن الإنذار يكون عبارة عن تنبيه للغافلين ، كما يكون عبارة عن تحذير للمتهورين ، أو يكون  أيضا عبارة عن تخويف للمعتبرين .

وإذا كان المنذرون  في حالات الأخطار الداهمة عادة ما يصدرون في ذلك عن خبرة شخصية  بالشرور وأو الأضرار أو ينطلقون من مؤشرات  لها أو علامات عليها ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنذاره إنما صدر عن وحي أوحاه الله تعالى إليه ، وهو مما أخفاه الله تعالى عن الخلق من غير المرسلين ، ويكذب من ادعى ذلك من غيرهم لقوله تعالى في الآيتين الكريمتين السادسة والعشرين والسابع والعشرين من سورة الجن: ((  عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا )) .

ويشمل الوحي الذي أوحى به الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم والأحاديث القدسية ، والأحاديث الشريفة ، ولا يمكن نفي صفة الوحي عن هذه الأحاديث  كما يحاول ذلك بعض المشككين في حقيقة الوحي ، وبعض المتجاسرين على شخص النبي الكريم  الذي لا ينطق عن الهوى كما أخبر بذلك رب العزة جل جلاله في الآيات الكريمة الثانية والثالثة والرابعة من سورة النجم : (( ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )) ،وكفى بهذه الآيات الكريمة إفحاما لمن يشككون في الوحي  الوارد  في الأحاديث القدسية والنبوية  .

والإنذار المقصود في الآية الكريم موضوع هذا الحديث هو كل ما جاء في القرآن الكريم فضلا عما جاء في الأحاديث القدسية والشريفة . ومعلوم أن الإنذار هو عبارة عن إخبار من أجل تحذير وتخويف مما يخشى  إما عاجلا أو آجلا . ويشمل الإنذار الذي كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم  بتبليغه إما  التحذير من الكفر أومن الشرك أومن النفاق أومن  ارتكاب الكبائر على اختلاف أنواعها ، أو ما دونها من الخطايا  التي تسخط الله عز وجل إذا ما أصر الخلق على اقترافها  كما جاء في الأثر الموقوف على عبد الله بن عباس رضي الله عنه :  » لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار  » ،لأن بالإصرار يحصل التكرار ، وبالتكرار تصير الصغائر إذا ما كثرت كبائر . ولقد حذر الله تعالى من الإصرار في الآية الكريمة الخامسة والثلاثين  بعد المائة  في سورة آل عمران قائلا : (( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون )) ، ففي هذا تأكيد لقول ابن عباس رضي الله عنه ، وفيه أيضا ما يفيد  أن الإصرار يكون عن علم   قصد .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفة الإنذار التي خص بها الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وهي صفة تكررت في  عدة آيات من الذكر الحكيم ، كما أنها صفة  جميع الرسل . ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نعم النذير لأنه مبعوث إلى العالمين بين يدي الساعة ، وثانيا تذكيرهم بضرورة الوقوف على كل ما تضمه إنذاره الذي هو من وحي الله تعالى ،وذلك درءا للغفلة أو دفعا  للصمم الذي ذمه الله تعالى في الذين  يتجاهلونه ولا يبالون به. وحسب المرء تجاهلا  للتحذير ألا يقرأ ولا يسمع  أصلا القرآن الكريم ولا أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، بل حسبه  تجاهلا  للتحذير ألا  تستوقفه وهو يقرأ  أو يسمع القرآن الكريم  آيات الوعيد أو ما جاء منه في الأحاديث القدسية و النبوية الشريفة ،وهو يمر بها مرور الكرام دون تدبر ودون رهبة.

وإذا ما كان بعض الصمم العضوي يعالج بآلات تركب على حاسة السمع ، فإن صمم المعرضين عن الإنذار الذي أوحى به الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لا علاج له طالما أن المصابين به  مصرون على تجاهله وعدم المبالاة به وعدم حمله على محمل الجد . ويجدر بالمؤمنين في هذا الزمان الذي كثرت فتنه حتى صارت كقطع الليل المظلم أن يحذو حذو الصحابي الجليل وأمين سر هذه الأمة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه  الذي قال :

 » كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت:  يارسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ، فقلت : هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم  يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ، قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، فقال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، قلت : فما تأمرني  إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم  جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك « 

إن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هو نموذج المؤمن الذي كان يهتم بالوحي المتضمن للإنذار ، وقد ألتمسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان غيره مهتما بوحي البشارة فكشف له حجب الغيب عما سيصير عليه المسلمون  في الأزمنة المتعاقبة  بعد عصر النبوة . وهذا الذي رواه حذيفة رضي الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الوحي الذي أوحاه إليه الله تعالى المتضمن للإنذار ، وهو ما تصدقه الآية الكريمة موضوع  هذا الحديث . ولن يعدم المتدبر لحديث حذيفية رضي الله عنه والمتأمل لواقعنا المعيش  وجود التطابق التام  بين ما ورد فيه من حالات  يسود فيها الشر والأشرار وقد كانت  عبارة  عن غيب ساعة أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و قد صار بعضها اليوم مشهودا معلوما  يؤكد صدق الصادق المصدوق عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ولن يعدم أيضا ما ورد فيه من حالات الخير والأخيار في  خير أمة أخرجت للناس لا ينقطع فيها خير حتى تقوم الساعة ، التي لا تقوم إلا على شرار الخلق كما أخبر بذلك سيد الخلق عليه أفضل  الصلاة وأزكى السلام .

اللهم إن نعوذ بك مما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه حذيفة رضوان الله عليه من شرور قد ظهر منها في زماننا ما لا سبيل إلى إنكاره .

اللهم رد بالأمة المسلمة ردا جميلا إلى هديك ، واجعل زماننا هذا زمن شيوع الخير والأخيار ، وزوال الشر والأشرار .

اللهم إنا لنا إخوة في أرض الإسراء والمعراج قد ظلموا ظلما شنيعا ، وخذلوا خذلانا كبيرا ، وقد  حيل بين المسلمين  وبين نصرتهم ،فعجل اللهم لهم بفرج قريب ، ونجهم من القوم الظالمين ، وأمنّهم في وطنهم إنك نعم المولى ونعم النصير .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *