الحكم على سداد أو انحراف تدين المسلم يكون من خلال مطابقة سلوكه للوحي قرآنا كريما وسنة مشرفة أو مخالفتهما

الحكم على سداد أو انحراف تدين المسلم يكون من خلال مطابقة سلوكه للوحي قرآنا كريما وسنة مشرفة أو مخالفتهما
محمد شركي
كثيرة هي الآراء المختلفة والمتضاربة إلى حد التناقض بخصوص تصنيف المسلمين بعضهم البعض باعتبار سداد التدين أوانحرافه . وقد انتقل هذا الخلاف بينهم إلى غيرهم من الأمم ، فصار بعض هؤلاء وهم أصلا يعترضون على أو يعارضون دين الإسلام، بل منهم من يجاهر بعدائه، يحذون حذوهم ويحاكونهم في تصنيف بعضهم البعض سدادا أوانحرافا.ويتراوح خلاف المسلمين في هذا الأمر بين تطرف إلى حد تكفير وتفسيق بعضهم البعض وبين ما دون ذلك من ضلال أو تخطئة أو تجهيل.
ولقد حدثت هذه الآفة في العصور الأولى من تاريخ الإسلام حين ظهرت فرق المتكلمين ، واستمرت بعدهم ، ولا زالت مستمرة إلى يوم الناس هذا ، وستستمر إلى ما شاء الله تعالى ما لم تتدارك المسلمين ألطافه الخفية .
ومعلوم أن الحكم على سداد تدين المسلمين أو انحرافه إنما يكون من خلال عرض سلوكهم على كتاب الله عز وجل وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،فما وافقهما كان سداد تدين ، وما خالفهما كان انحرافه، ولا مُشاحّة في ذلك.
والقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة قد حددا معا وبتكامل وتناسق تامين السلوك المفروض فيمن دخل في دين الإسلام دخولا طوعيا وصادقا . ومعلوم أن سداد التدين عند الإنسان المسلم يكون بالاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهد له رب العزة جل جلاله بعظمة الخلق في قوله عز من قائل : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) ،ذلك الخلق الذي حازه بتشرب كلام الله عز وجل التشرب الصحيح ، الشيء الذي أجملته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين سئلت عن معنى هذه الآية الكريمة بقولها : » كان خلقه القرآن » وهو قول جامع مانع قد فصل فيه العلماء قديما وحديثا في مجلدات، وسيظل التفصيل فيه إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها .
وبإمكان كل مسلم مهما كان حظه من العلم بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعي سداد تدينه أو انحرافه كلما قرأ أو سمع شيئا منهما يتعلق بالسلوك . والمسلمون باعتبار حظوظهم من العلم بالكتاب والسنة ليسوا سواء في التخلق بما تخلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه النموذج ، والنموذج يحتذى به، ولا يرام بلوغ شأوه ، ولنذكر على سبيل المثال لا الحصر سلوك الصدق وهو من سداد التدين ، ونقول قد يصدق المسلمون ، وهم متفاوتون في ذلك حسب أرصدتهم من الإيمان والعلم لكنهم لن يبلغوا أبدا درجة أو مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدق ، وعلى هذا المثال تقاس باقي الأمثلة المتعلقة بالتخلق بخلق القرآن الكريم.
وتجدر الإشارة إلى أنه ربما بلغ المسلم العادي برصيده العلمي والمعرفي المتواضع درجة من سداد التدين تفوق درجة من هو أعلم منه بالقرآن والسنة وذلك حين يقارن بينهما في سلوك ما قد حدده القرآن الكريم والسنة المشرفة ،فيكون سلوك الأول متناغما معهما ،بينما لا يتناغم معهما سلوك الثاني بالشاهد الحي والدليل الدامغ في الواقع المعيش .
وكم من علماء أو دعاة أو خطباء أو وعاظ في زماننا هذا يقرعون عموم المسلمين بخصوص سلوك ما يعدونه أو يفترضون أنه منحرف عندهم عن سداد التدين ، بل قد يجلدونهم جلدا بألسنتهم مع أنهم سواء معهم في الانحراف الذي ينكرونه عليهم ،ولنضرب لذلك مثالا لا يراد به الحصر وهو سلوك التواضع كما حدده القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ذلك أن القرآن قد جعل الدليل على هذا السلوك الرفيع قول الله تعالى : (( واخفض جناحك للمؤمنين )) ، وهو تعبير بلاغي قد بلغ أقصى درجة الدقة في وصف التواضع بحيث يجب أن يكون تواضع المؤمنين فيما بينهم كحال الطائر الخافض لجناحه إما لضعف أو انكسار فيه أو لإشفاق على ما في عشه من بيض أو فراخ .وإذا كان هذا الأمر الإلهي موجها إلى شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ،وهو الأعظم خلقا ، فالأجدر بمن دونه من المسلمين الحرص على الالتزام به بحيث يجب أن يعكس سلوكهم مع بعضهم البعض خفض الجناح الدال على سلوك التواضع .
ومع الأسف الشديد نجد بعض العلماء أوالدعاة أوالخطباء أوالوعاظ ـ دون تعميم بطبيعة الحال، لأن الاستثناء حاصل لا محالة ـ يواجهون احترام وتقدير وإجلال عموم المسلمين لهم بشح التواضع ، وبغياب تام لخفض أجنحتهم ، وذلك بسبب ركوبهم الغرور المترتب عن مكانتهم الاجتماعية التي يقيسونها قياسا خاطئا على الرتب أو الدرجات الموجودة في وظائف مختلف القطاعات التي فيها تراتبية بين رؤساء ومرؤوسين . وقد يجلس أهل العلم والدعوة والوعظ إلى عموم الناس جلوس الرؤساء مع مرؤوسهم يؤنبونهم أو يوبخونهم أو يلومونهم أو يهددونهم أو يعيرونهم بجهل أو ضلال أو غير ذلك من المثالب التي قد تكون محض توهم ضاربين عرض الحائط شيئا يسمى تواضعا أو خفض جناح مع أن مهمتهم تقضي لزوما التواضع وخفض الجناح لمن يخاطبونهم . وكثيرا ما يسردون على من يحضرون محاضراتهم أو دروسهم أو خطبهم أو مواعظهم المثال الوارد في القرآن الكريم الذي خاطب فيه الله تعالى نبييه موسى وهارون عليهما السلام بقوله : (( اذهبا إلى فرعون فقولا له قولا ليّنا لعله يتذكّر أو يخشى )) ، ولكن لا أحد منهم يعمل بهذا الأمر الإلهي ، فلا يلينون في أقوالهم مع أن جمهورهم ليس فرعونيا وإنما حج إلى جلساتهم راغبا في سماع كلامهم مقدرا ومحترما ومجلا لهم ومع ذلك لا يسلم من إذايتهم له. والمشكل أن هؤلاء لا يجرؤ أحد على تنبيههم إلى ما يسقطون فيه من قلة تواضع أومن غيابه جملة وتفصيلا ،ومن علو أجنحتهم عوض خفضها ،وقد صار ذلك عند بعضهم عادة ودأبا حتى صار من يسلكون مسلكهم من بعدهم ويتمنون جلوسهم في مثل مجالس أن التواضع وخفض الجناح من الخوارم أو المثالب، وليس من الفضائل .
وخلاصة القول أن الحكم في سداد التدين أو انحر افه هما كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهما المعيار ، والشاهد، والدليل، والحجة،والبرهان ، والميزان ، والمعيار.
وليس من حق أحد مهما كان أن يزايد عليهما أو يلوي بأعناق ما فيهما من هدي رباني أو يخوض فيهما بهواه أو يبدي منهما ما شاء ، ويخفي ما شاء كالذين قال فيهم الله تعالى : (( كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين )) وهو قول شمل أهل الكتاب والمشركين على حد سواء كما جاء في كتب التفسير ، ويشمل أيضا كل من نحا نحوهم في زمان ومكان .
وأخيرا نقول إن تصنيف المسلمين إلى مسددي التدين ومنحرفيه عند أهل الملل والنحل الأخرى بدوافع تبرير إضمارهم العداء للإسلام لا يعتد به ، ولا يلزم شيء منه المسلمين إن كانوا فعلا يحتكمون إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فما حكما وقضيا بسداده فهو التدين المسدد ، وما حكما وقضايا بانحرافه فهو المنحرف،ولا اعتبار لإظهار بعض ما فيهما وإخفاء البعض الآخر ميلا مع ما خفي من الأهواء والأغراض.





Aucun commentaire