من الإجهاز على ثورات الربيع العربي إشعال نيران الحروب الأهلية في عدة أقطارعربية

من الإجهاز على ثورات الربيع العربي إشعال نيران الحروب الأهلية في عدة أقطارعربية
محمد شركي
كثيرون هم الذين خاضوا في موضوع ثورات الربيع العربي إلا أن ما قالوه عنها ينحصر في ثلاث وجهات نظر: الأولى يرى أصحابها أنها نتيجة تخطيط وتدبير خارجي ، والثانية يرى أصحابها أنها ثورات داخلية ، والثالثة حاول أصحابها الجمع بين العامل الخارجي والعامل الداخلي . ولا شك أن وجهة النظر الأولي فيها بخس لحراك شعوب البلدان التي ثارت على أنظمتها الشمولية ، وفيها أيضا استهانة بها بادعاء أنه تم تحريكها من الخارج . وأما وجهة النظر الثانية ففيها إقرار برغبة تلك الشعوب في التخلص مما كانت تعانيه من سوء الأحوال.
ومهما يكن من أمر فإن جل الثورات التي وقعت أطاحت بأنظمة مستبدة في زمن قياسي ،وذلك في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن ، ولم يتأخر عن ذلك سوى النظام السوري لأسباب سنأتي على ذكرها .
والمثير للانتباه أن كل الثورات التي نجحت في إسقاط أنظمتها المستبدة تم الإجهاز عليها ،ولم تنجح واحدة منها في تحقيق ما كانت ترجوه منها شعوبها وهو العيش في ظل ديمقراطية حقيقية تنقلها من بؤس العيش تحت الاستبداد والظلم إلى رفاهيته في ظل الانعتاق والحرية ، الشيء الذي يدعو إلى طرح أسئلة لماذا هذا الإجهاز ومن يقف وراءه ؟
ومع أن الإجهاز على ثورات الربيع العربي كان واحدا، فإنه تم بشكلين مختلفين: الأول كان في مصر وتونس حيث أجهز فيهما على تجربتين ديمقراطيتن فتيتين ،وحل محل الاستبدادين اللذين أطيح بهما ما هو أشد وأعتى منهما ، وهنا انكشف بشكل جلي تورط العالم الغربي الذي يدعي الوصاية على الديمقراطية في هذا الشكل من الإجهاز على تلك التجربتين الديمقراطيتين الفتيتين ، وكان المنتظر منه مباركتهما والدفاع عنهما إلا أنه سكت سكوت الشيطان الأخرس على عودة الاستبداد إلى قطرين كانا بمثابة قاطرة للديمقراطية نحو غيرهما من الأقطار التي أطاحت بالاستبداد .
وأما الشكل الثاني من الإجهاز فكان في كل من ليبيا واليمن اللذين سعرت فيهما حرب أهلية، ولا زالت لحد الساعة تأكل الأخضر واليابس ، وقد لحق بهما السودان مؤخرا ، والحرب فيه ضروس .
أما ثورة سوريا فقد كان شكل الإجهاز عليها مختلفا حيث تم تمديد عمر الاستبداد فيها ، وذلك بدعم خارجي نذكر منه دعم إيران والحزب اللبناني المتحالف معها أو الموالي لها عقديا إلى جانب الدعم الروسي ، وبعدما ألحق ديكتاتورها الدمار الشامل بالبلاد، وارتكب المجازر الفظيعة في حق الشعب السوري الذي لم يكن مطلبه في ثورة ربيعه أكثر من إقرار الديمقراطية في وطنه والغريب أن أنظمة عربية حاولت فك العزلة عن النظام المستبد ومع ذلك انهار في نهاية المطاف عندما تحولت الثورة السورية من ثورة سلمية تطالب بالديمقراطية فقط إلى ثورة مسلحة رفعت سقف المطلب إلى إسقاط النظام المستبد وقد سقط بالفعل إلا أن خطر الإجهاز على هذه الثورة بات يهددها من خلال محاولة إضرام نار حرب أهلية شبيهة بما وقع في ليبيا واليمن والسودان ، وذلك لمنع نجاح تجربة ديمقراطية حقيقية فتية في سوريا كالتي نجحت في مصر وتونس علما بأن سوريا بلد لم يذق شعبه الديمقراطية منذ جلاء المحتل الفرنسي عنه حيث تخلص هذا الشعب من نير المستعمر ليواجه نير الاستبداد المقيت الذي حل محله .
وأما أرض الصومال فلها وضع خاص بها منذ انهيار الحكم فيها واشتعال نار الحرب الأهلية المدمرة ، وقد أصبحت مؤخرا مهددة هي الأخرى بالتقسيم الذي سيزيد تلك النار ضرما وتوهجا .
ولقد بات من المؤكد أن الإجهاز على ثورات الربيع العربي سببه التوجس من نجاح تجارب ديمقراطية حقيقية في بعض البلاد العربية ثم انتشارها بعد ذلك في عموم الوطن العربي، لهذا وقع من جهة الانقلاب العسكري في مصر والانقلاب الانتخابي في تونس ، ومن جهة أخرى أُجِّجَت نيران الحرب الأهلية في ليبيا واليمن، وقد التحق بهما مؤخرا السودان الذي يبدو أنه مقبل على تقسيم آخر بعد التقسيم السابق الذي قلص من مساحته ،وكان ذلك على أساس عرقي وطائفي.
أما الجهات المستفيد من الإجهاز على ثورات الربيع العربي فهو الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الأوروبيين ، وهؤلاء يتصرفون وفق مصالحهم في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه طمعا في نهب خيراته ومقدراته الهائلة بعد الذي نهب منها في فترات الاحتلال الغربي خلال القرن التاسع عشر. ولقد اختلقت الدول الغربية ذريعة للتدخل في الوطن العربي من خلال زرع الكيان الصهيوني في قلبه النابض بأرض فلسطين وادعت حمايته من الخطر العربي والدفاع عنه لضمان بقائه واستمراره وهو عرّابها في منطقة الشرق الأوسط ،وهو كيان تعد بلاد الغرب الكيان الديمقراطي الوحيد الذي تشبه ديمقراطيته ديمقراطيتها ، وهذا إقرار ضمني منها بعدم وجود كيانات عربية ديمقراطية ومع ذلك نجدها تحظى بدعمها ، وفي هذا ما يدل بوضوح على تورط الغرب في الإجهاز على ثورات الربيع العربي من خلال إفشال التجربتين الديمقراطيتين في مصر وتونس كي لا تحذو غيرهما من البلدان العربية حذوهما ، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن سبب إفشالهما هو ما أفرزته نتائج الانتخابات فيهما حيث فاز فيها حزبان محسوبان على تيار ما يسميه الغرب الإسلام السياسي المرفوض بالنسبة إليه شكلا ومضمونا . ولقد أوعز الغرب إلى أنظمة عربية القيام بنسف كل تجربة ديمقراطية حقيقية في الوطن العربي وبإشعال نيران الحروب الأهلية فيه ، وذلك من أجل إبقائه على الوضع الذي ظل عليه لعقود بعد جلاء المحتل الغربي عنه ، وألقى في روع تلك الأنظمة أنها بدورها معرضة لثورات قد تطيح بها وتفضي إلى تجارب ديمقراطية ناجحة ليس في صالحها، وكان هذا هو سبب انخراط تلك الأنظمة أو نقل بتعبير أدق تورطها الفاضح في كل المآسي التي حدث في الأقطار التي كانت مسرح ثورات الربيع العربي .
وقد يطرح البعض السؤال التالي : كيف يمكن أن تتلافى الأقطار العربية خطر الحروب الأهلية الداخلية أو بالتقسيم على أساس عصبيات إثنية وعرقية وقبلية وعقدية وطائفية ومذهبية ؟
والجواب يكمن في بيتين من شعر الإمام الشافعي :
ما حك جلدك مثل ظفرك فتَولَّ أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحاجــــــــة فاقصد لمعترف بفضلك
ومن حك الظفر للجلد أن تذوب كل العصبيات الإثنية والعرقية والقبيلة والعقدية والطائقية والمذهبية، وتنصهر كلها في وحدة وطنية وقومية من خلال مشرق عربي واحد ومغرب عربي واحد وهما توأمان لا ينفصلان. وإذا كان لا بد من قصد جهات لتحقيق هذا الهدف الحيوي إما بطلب النصح أو بطلب العون ، فلتكن تلك الجهات ناصحة بالحفاظ على عروة العروبة والإسلام الوثقى التي لا انفصام لها،علما بأنه لا يروم انفصامها إلا عدو لدود بيّن العداوة أو خائن ماكر خبيث ثابت الخيانة .
ولربما جرت في القريب العاجل إن شاء الله تعالى رياحٌ بما لا تشتهي سفن الأعداء والخونة ، خصوصا وقد لاحت بوادر ومؤشرات على ذلك. وإنه لم يثبت عبر تاريخ البشرية الطويل أن رجحت أبدا كفة باطل بكفة حق .





Aucun commentaire