أهمية تقنية استطلاع الآراء لسبر نبض الشارع والكشف عن اهتماماته ومشاغله ومشاكله ومطالبه لتحقيق تطلعاته

أهمية تقنية استطلاع الآراء لسبر نبض الشارع والكشف عن اهتماماته ومشاغله ومشاكله ومطالبه لتحقيق تطلعاته
محمد شركي
من المعلوم أنه ما من مجتمع بشري في حيز جغرافي معين إلا ويجتمع أفراده على ما يجمع بينهم من هموم في حياة يخوضون غمارها سويا . ومن خلال اجتماعهم على هذا الأمر يتكون ما يسمى بالرأي العام وهو حصيلة آراء أفراد المجتمع فيما يتعلق باهتماماتهم و مشاغلهم و مشاكلهم ومطالبهم وتطلعاتهم وانتظاراتهم . ولا سبيل لمعرفة هذا الرأي العالم إلا بواسطة تقنية ما يسمى باستطلاع الآراء .
والاستطلاع لغة هو طلب طلوع الشيء لمعرفته وتبيّنه أو طلب والتماس معرفة موضوع أو رأي ما أو الالتفات إلى شيء أو أمر ما بهدف استقصائه ، واصطلاحا هو أسلوب بحث علمي يعتمد منهجا وصفيا ، ويهدف إلى جمع معطيات كمية أو كيفية حول آراء أو اتجاهات أو مواقف أفراد مجتمع ما بخصوص موضوعات أو قضايا محددة ، وذلك باعتماد عينة تمثلهم ، واستخدام أدوات مقننة كالاستبيانات أو المقابلات ثم اخضاع البيانات الناتجة عنها للتحليل الإحصائي من أجل الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها بدرجة مقبولة من حيث موضوعيتها ومصداقيتها.
ومعلوم أن تقنية استطلاع الآراء ظهرت خلال النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية حين أسس الأمريكي » جورج غالوب » معهدا يحمل اسمه ،وقد نجح في التنبؤ بنتائج الانتخابات الأمريكية ، وكانت أدق من استطلاعات الآراء التي كانت تقوم بها وسائل الإعلام يومئذ . ومن الولايات المتحدة انتقلت هذه التقنية إلى القارة الأوروبية ، ومنها انتقلت إلى باقي دول العالم .
ومعلوم أنه لا توجد في المغرب معاهد حكومية تضطلع بالبحوث الاستطلاعية، وفي المقابل توجد كيانات غير حكومية تقوم بذلك مثل : » الباروميتر العربي » ، و » المعهد المغربي لتحليل السياسات » و » المرصد المغربي للمشاركة السياسية » إلى جانب شركات تعتمد هذه التقنية لأغراض التسويق، وغالبا ما تعتمد هذه الكيانات في استطلاعاتها على جهات بحث دولية دون أن يكون لها معهد رسمي للاستطلاع .
وتقليدا لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الغرب سواء في الولايات المتحدة أوفي دول أوروبا ، تحاول بعض هذه الوسائل عندنا إجراء استطلاعات آراء يكون بعضها من أجل معرفة مدى درجة تسويق منتوجها الإعلامي، والبعض الآخر قد يكون هدفه هو معرفة الاهتمامات السياسية للمواطنين والمشاركة فيها ، ولا يمكن أن تقاس مصداقيتها وموضوعيتها بمصداقية وموضوعية معهد » جورج غالوب » الأمريكي وما شاكله من معاهد دولية .
قد يتساءل القارىء الكريم عن سبب تناول هذا المقال موضوع أهمية تقنية استطلاع الآراء ودورها في معرفة نبض الشارع والكشف عن اهتماماته ومشاغله ومشاكله ومطالبه وتطاعاته ، والجواب هو أنني في مقال سابق متعلق بموضوع خطة تسديد التبليغ التي نزلتها الوزارة الوصية على الشأن الديني ،أشرت إلى أنها إذا أرادت التأكد من قبول الرأي العام الوطني لهذه الخطة وإثبات ذلك فعليها أن تجري بحثا تستطلع من خلاله آراء المواطنين بخصوصها وإلا كان حديثها عن وقعها وتأثيرها فيهم أمرا غير مقنع ، ويفتقر إلى المصداقية والموضوعية الواجبة والضرورية للرد على من ينتقدونها لكونها اجتهادا بشريا غير منزه عن الخطإ ولا عن الانتقاد ، وعليه لا يمكن وصف من ينتقدونه كما فعل الوزير بالجهلة ،والخوارج، والغالين، والمبطلين، والمنتحلين… ولا شك أن الحاكم الفيصل بينه وبينهم هو تقنية استطلاع الرأي العام الوطني شريطة أن تضطلع بذلك جهة محايدة تحظى بالثقة ، و يكون هدفها هو الكشف عن الحقيقة مهما كانت .
ولا أظن أن وزارة الشأن الديني عندنا ستقبل بإجراء مثل هذا الاستطلاع لأنها لا تؤمن بالحوار، ولا بالديمقراطية ، ولا بحرية الرأي وحرية التعبير ، وهي تنزه خطتها، وتعتبرها في حكم ما لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه، كما أنها تعتبر الشأن الديني حكرا عليها ، ولا دخل ولا حق للرأي العام فيه بالرغم من أن النصوص الدينية قرآنا كريما وسنة نبوية مشرفة تحث على مبدإ الشورى الذي يجب أن يراعي فيه أهل الاختصاص والرأي والخبرة نبض الشارع ومواقفه وتطلعاته عوض تجاهله وفرض الوصاية عليه وإلزامه بما لا يقبله وإكراهه على ذلك، علما بأن كل ما يطلبه المواطنون هو تناغم وتفاعل خطة تسديد التبليغ مع الواقع المعيش ومراعاة الفوارق بين الشرائح الاجتماعية المستهدفة له ، وذلك نظرا لاختلاف مستوياتها المعرفية والثقافية والمعيشية واختلاف أحوالها وانشغالاتها وهمومها ومشاكلها وتطلعاتها، وهو ما لا يمكن أن تحققه بحال من الأحوال الخطة المنزلة رأسا والتي جعلت الخطاب الديني عاما وموحدا في كل ربوع الوطن، وغير مراع للفوارق بين شرائح المجتمع المتباينة مستوياتها .
وحري بوزارة الشأن الديني أن تستفيد من البيداغوجيا الفارقية التي هي مقاربة تربوية تقوم على أساس تكييف التعليم كي يراعي الفروق الفردية بين المتعلمين أو المتلقين، وذلك تحقيقا لمبدإ تكافؤ الفرص بين الجميع .
وأخيرا نتمنى أن تتوفر في القريب العاجل الظروف المناسبة كي يجرى استطلاع آراء المواطنين بخصوص خطة تسديد التبليغ التي اعتمدتها الوزارة وذلك بكل شفافية وحيادية وموضوعية بعيدا عن تجاهل أو تغييب الرأي العام الوطني المعبر عن نبض الشارع .





Aucun commentaire