Home»National»اختلال ثقافة تحميل المسؤولية عندنا

اختلال ثقافة تحميل المسؤولية عندنا

1
Shares
PinterestGoogle+
 

اختلال ثقافة تحميل المسؤولية عندنا

محمد شركي

من المعلوم أن المسؤولية هي حال أو صفة من يسأل عن أمر أو شيء تقع عليه تبعته ، وتطلق أيضا على التزام الإنسان بما يصدر عنه من أقوال أو أفعال .

ومن طبيعة الإنسان الخوف من تحمل المسؤولية تهربا من تبعاتها ، أو خوفا من عدم الوفاء بالتزاماتها . والناس أمام المسؤولية نوعان : نوع كيس يقدر المسؤولية ، ولا يقربها إلا إذا كان على يقين تام من امتلاكه  الكفاءة والقدرة على تحملها، ونوع آخر متهور لا يقدر جسامة وخطورة المسؤولية ، فيقدم على مغامرة تحملها غير مكترث بتبعاتها ،وهو ليس أهلا لها ولا كفاءة، ولا قدرة له على تحملها .

ومعلوم أن خطورة وجسامة المسؤولية تقدر بحجم خطورة تبعاتها ، ذلك أنه كلما ترتبت أضرارعنها  كانت خطورتها أشد وأكبر . ولا ينجو من يتقلد مسؤولية مهما كان نوعها من النقد ، فهو عرضة له خصوصا عندما يتعثر أو يخيل لغيره أنه قد تعثر .

 وأسهل أنواع النقد على الإطلاق هو النقد الذي يحمل المسؤولية بعد وقوع التبعات . وتسود مجتمعنا المغربي ثقافة مختلة تتعلق بتحميل المسؤولية للغير مع رفض تحملها ، ذلك أن الذين يتحملون مسؤوليات عندنا يرفضون الانتقاد الذي يتهمهم بالتقصير فيها  ، ويدعون أهليتهم في تحملها  والصواب والنجاح فيها ، بينما الذين لا مسؤوليات لهم يكون شغلهم هو الانتقاد  الذي يكون غالبا مجانيا وبعيدا عن الموضوعية والصواب ، ولوأنهم  كلفوا بتلك المسؤوليات لما استطاعوا تحملها ، ولكن هم من يكثر الانتقاد واللوم والعتاب.ومن هنا نحكم على اختلال ثقافة تحميل المسؤولية عندنا بناء على رفض الذين يتقلدونها الانتقاد ، وبناء على انتقاد من لا يستطيعون تقلدها.

ولقد تحولنا كشعب بكامله  إلى شعب يجيد فن انتقاد تحمل المسؤوليات ، ذلك أنه لا تعن تبعة من التبعات عند من يتحملون مسؤولية من المسؤوليات فينا  إلا وانخرطنا كشعب في انتقادهم ، وتفننا في ذلك لأن أسهل شيء أمام المسؤوليات هو انتقاد من يتحملها . ولو سئل من ينتقدون تحمل المسؤوليات عن بدائل لما استطاعوا تقديمها  وما ينبغي  لهم ذلك ، وكان من المفروض فيمن ينتقد أن يكون قادرا على تقديم البدائل العملية والإجرائية المبررة لانتقاده ، فإن لم يستطع ذلك كان انتقاده مجرد هذر لا قيمة له ولا معنى.

وأكثر الناس تعرضا للانتقاد بسبب تحمل المسؤوليات كبار المسؤولين الذين يحملون أوزار تبعات من يليهم ممن يشاركهم تلك المسؤوليات ، لهذا نجد كبار المسؤولين في بعض البلاد  يضطرون إلى الاستقالة من مسؤولياتهم حين يقصر من هو تحت مسؤوليتهم ، فكم من مسؤول كبير استقال أو أعفي من مهمته بسبب ذنب أو خطإ  مسؤول صغير يعمل تحت سلطنته لأنه يتحمل مسؤوليته إلى جانب مسؤوليات أخرى.

ولا زال انتقاد تحمل المسؤوليات عندنا لا يحكمه منطق ، ولا يضبطه تشريع أو قانون، لأنه في متناول كل من هب ودب ، وهو لا يحتاج إلى علم أو معرفة أو خبرة لأنه مجرد هذر لا فائدة ولا طائل من ورائه .

ولقد صار حال الناس عندنا كلما وقعت واقعة المسارعة إلى تحميل المسؤولية إلى ضمير الجمع في الغائب بقولهم على سبيل المثال :  » إنهم لم يفعلوا كذا وكذا  » ، وأحيانا يسد مسد هذا الضمير قوله : « الدولة لم تفعل كذا وكذا » والمقصود بضمير الجمع في الغائب المسؤولون وإن كانوا غير معينين .

والذي يميز في الغالب ثقافة تحميل المسؤولية عندنا أنها مفتقرة بل فاقدة للمصداقية لأنها لا تسمح لمن ينتقد بالدفاع عن نفسه ، وإذا حدث وفعل ذلك ازداد انتقاده لأن  منطلق خلفية من ينتقدونه واحدة لا تتغير بداية وانتهاء . وما سمعنا أبدا بتعديل في الانتقاد يحصل بعد دفاع من ينتقد عن نفسه بل يعتبر دفاعه عند من ينتقدونه تهربا من تحمل تبعات المسؤولية ، وكذبا ومراوغة والتفافا  …وما إلى ذلك مما يعتبر مزيد انتقاد لا يغير شيئا من أمر الانتقاد الأول .

ومعلوم أن إجماع الناس على تحميل المسؤوليات  لغيرهم دون الالتفات إلى حظوظهم فيها هو عبارة عن تهرب واضح منها لا يعفيهم من تحملها ، فالناس على سبيل المثال يزدحمون أمام مرافق ، ولا يلتفتون إلى مسؤوليتهم في الازدحام ، وفي نفس الوقت ينتقدون الذي كان عليه أن يمنع ازدحامهم ، ويطلقون فيه العنان لألسنتهم ، وأول انتقادهم بعد قولهم :  » كان عليهم  » بضمير جمع غائب  حرف  » لو  »  وهو حرف الشيطان كما يقال  المتبوع بضمير الجمع ، وبفعل يكون  في حكم المستحيل أو شبه المستحيل أو كان بمقدورهم  فعله  بل من واجبهم ، ولكنهم تهربوا من تبعته ، وأنحوا باللوم على غيرهم مفضيلن تسوّر أقصر سور أو  القفز فوق  أقصر جدار كما يقال عندنا .  وعلى مثال الازدحام أمام المرافق تقاس أمثلة كثيرة تعدد ولا تعدّ .

ولعله يجدر بنا أن ننتبه إلى العيب في ثقافة تحميل المسؤولية عندنا ، وأن نجرب مساءلة الذوات عن نصيبنا  من التبعات في  مشاركة من نحملهم المسؤولية ، ذلك أن  من كان بإمكانه مثلا  أن يمنع وقوع محظور ، ففضل السكوت عليه هو أول من يتحمل المسؤولية ، وكمثال على ذلك وغالبا ما نسمعه هو قول بعضهم لمن ينكب بنكبة : « كنا سنقول لك احذر النكبة ولكن …  » ويرد عليهم بالقول  » ليتكم قلتم ذلك  » قد يفسح له قولهم هذا  المجال لتحميلهم المسؤولية حتى يتملص من مسؤوليته وتبعات نكبته لأن ثقافة  تحميل المسؤولية السائدة فينا مختلة سواء في عموم مجتمعنا أو في محيطنا الأسروي والعائلي ، فالأزواج على سبيل المثال لا الحصر يحمل بعضهم بعضا مسؤولية وتبعات تربية الأبناء الفاشلة  ، وكل من الزوج والزوجة ينحي باللوم على الآخر في أمر هو مسؤولية مشتركة بينهما ،ولكن ثقافة تحميل المسؤولية التي نشأنا عليها علمتنا التملص من المسؤولية وهي أعلى جدار ، لنقفز فوق أقصر جدار هو تحميل غيرنا مسؤوليات نحن مسؤولون عنها أيضا .

اللهم بصرنا بعيوبنا ، وأخرجنا من دار العيب دون عيب .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.