Home»National»الفكر النقدي ونسبة القيم الكونية لغير الإسلام والتربية الإسلامية.

الفكر النقدي ونسبة القيم الكونية لغير الإسلام والتربية الإسلامية.

0
Shares
PinterestGoogle+

بسم الله الرحمن الرحيم

الفكر النقدي ونسبة القيم الكونية لغير الإسلام والتربية الإسلامية.

كتب أحد الصحفيين المتدربين مقالا بجريدة هسبريس الإلكترونية بتاريخ 23 مارس 2018 تحت عنوان: (أساتذة الفلسفة يستنهضون فكر التنوير أمام « الارتدادات » بالمغرب) ضمنه تصريحات عدد من أساتذة الفلسفة أذكر منها:

لا بديل عن تربية جديدة تجعل القيم الكونية أساس القيم الخصوصية، وأن تكون الكونية هي ميزان الخصوصية؛
العديد من أساتذة الفلسفة بدورهم أصبحوا فاقدين للفكر النقدي؛
نجاح جمعية مدرسي الفلسفة في نشر التفكير النقدي رهين بالحسم في طبيعة الإنسان الذي نريد تكوينه؛ فإن كنا نبتغي دولة دينية فعلينا بالتربية الإسلامية، أما إن ابتغينا الدولة الحديثة فعلينا بالفلسفة؛
الفلسفة تدعو إلى التساؤل والتفكير النقدي والقيم الكونية، أما التربية الإسلامية فتدعو إلى الطاعة والتشبث بالقيم الدينية التي هي في جوهرها ذات صبغة خصوصية؛

إن ما شد انتباهي في هذا المقال هو كيف أمكن لهذا الصحفي أن ينشر كلاما خطيرا وهو لا زال متدربا، وهو الأمر الذي يتطلب في اعتقادي من أساتذته تأطيرا جديا للحيلولة دون اختزال عمل الصحافة في قنطرة لتمرير انطباعات لأناس قد يصيبون وقد يخطؤون دون التثبت منها ودون إعمال ملكة التساؤل والتفكير النقدي كما جاء على لسان أحد الأساتذة الذين تم نشر كلامهم. هذا في حالة ما إذا كان هناك متابعة وتأطير، أما إذا كان يَنشُر ما ينشُره في غفلة من أساتذته، أو لا يُحسِن الاستفادة من توجيهاتهم، فإني أتوجه إليه بالملاحظات التالية عسى أن تكون له سَنَدا للولوج إلى ميدان الصحافة من بابه الطبيعي المتمثل في اعتماد التحري وبث المعلومة الصادقة التي تُسهِمُ في الرفع من مستوى الفكر لدى أفراد المجتمع وفي تثقيفهم ثقافة تحترم مقومات الأمة وثوابتها، عوض ولوجه من نافذته الضيقة من خلال نشر كل ما يقال دون تحر ولا تدقيق، خدمة لتيارات معينة، مما يجعل منه عبدا لها حتى إذا فكَّر يوما في كتابة ونشر ما لا يخدم مصالحها ألقته كما تُلقى القاذورات في الزبالة.

أول هذه الملاحظات هو أن ما قيل بخصوص جعل القيم الكونية أساس القيم الخصوصية، وأن تكون الكونية هي ميزان الخصوصية كلام صحيح، لكن المشكل يكمن في المعايير المعتمدة في تحديد القيم الكونية والقيم الخصوصية، فإذا كانت هناك قيم كونية فلا يمكن أن تكون سوى القيم الإسلامية لأنها من عند الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن تكون بحال من الأحوال قيم الغرب لأسباب متعدة منها أنها من إنتاج الغرب وحده ولم تشارك فيها أمم العالم على الرغم من اعتماد نفس المصطلح، وإلا فما معنى، على سبيل المثال لا الحصر، قيمة المساواة عند الغرب حينما يُعطَى حق الفيتو لخمس دول في عالم يتكون من 232 دولة؟

ثاني هذه الملاحظات هو كيف يمكن لأساتذة الفلسفة أن يفقدوا الفكر النقدي وهم أساتذة فيها، ألا يجوز أن يكون هذا الفكر النقدي هو الذي أدى بهم إلى الخروج من تلك الفقاعة التي أُدخِلَها الذين اعتقدوا بأن الفلسفة مساوية للإلحاد والخروج عن قيم المجتمع بمبرر الحرية والتحرر من خلال اعتماد المقولة التي أُخذت عن ماركس « الدين أفيون الشعوب » والتي أُخرجت من سياقها حتى أنه يمكن تشبيهها ب « ويل للمصلين » عندما نستثني باقي الآية، وإلا كيف نفسر تفلسف العلماء المسلمين الكبار من مثل ابن رشد والفارابي والخوارزمي وابن سينا، ثم كيف نفسر اعتناق كبار الفلاسفة والمفكرين الغربيين للإسلام أمثال الفيلسوف روجي جارودي والجراح الفرنسي موريس بوكاي والعالم الالماني ألفريد كرونير والمفكر السويسري روجيه دوباكييه وأستاذ الرياضيات الجامعي الامريكي جفري لانج والفيلسوف الفرنسي رينيه جينو والدكتور الكندي وليم لايك والعالمة الإنجليزية كريستين، واللائحة طويلة، لولا هذا الفكر النقدي لدى هؤلاء؟

ثالث هذه الملاحظات هي فيما يتعلق بربط الدولة الحديثة والدولة الدينية على التوالي بالفلسفة والتربية الإسلامية. فإذا كانت الدولة الحديثة تعني إعمال العقل والفكر، فإن التربية الإسلامية والدين الإسلامي وليس أي دين آخر هو الذي يَطلُب بل ويفرض التدبر والتفكر وإعمال العقل والنظر في الكون، حيث نجد أن كلمة يعقلون بهذه الصيغة لوحدها وردت 22 مرة في القرآن الكريم، كما وردت كلمة ينظرون بهذه الصيغة لوحدها 25 مرة وكلمة يتفكرون وردت 11 مرة، أما إذا كان المقصود بالدولة الحديثة هو تقليد الغرب في أسوإ ما عنده فذلك شيء آخر لا يمكن أن نرضى به للمواطن العادي فكيف يمكن الرضى به لمن يُحسب على الفلسفة والفكر المتنور.

ورابع هذه الملاحظات يتعلق بكون التربية الإسلامية تدعو إلى الطاعة والتشبث بالقيم الدينية، وهذا صحيح، لكن أية طاعة وأية قيم دينية؛ أما الطاعة فهي طاعة الله ورسوله، مصداقا لقوله تعالى « وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » (الآية 132 من سورة آل عمران)، أما ما عدى ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مع أقرب الناس إليك وهما الأبوان لكن دون إذايتهما مصداقا لقوله تعالى « وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا » (الآية 15 من سورة لقمان )، وأما القيم الدينية فليست هي قيم المثلية والفردانية المتوحشة ولو على حساب أقربائك كما هو الشأن بالنسبة لاستغلال جسد المرأة في التجارة والتسويق للبضائع ما صلح منها وما لم يصلح، وإنما هي قيم العفة والتراحم والتآزر، والوقوف على الحق والالتزام بالعدل والتسامح ولو مع المخالفين مصداقا لقوله تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (الآية 2سورة المائدة)، وقوله تعالى: « وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى » (الآية 7 من سورة المائدة)

في الأخير أقول لك أيها الأخ الصحفي المتدرب إن قيم الدين الإسلامي ليست قيما ذات صبغة خصوصية وإنما ذات صبغة كونية، لأنها من تنزيل رب العالمين، وإذا كانت هناك قيم خاصة فهي تلك التي ينتجها البشر لأنه مُكوِّن خاص من مكونات الكون، وليس هو الكون أو صانع الكون حتى يكون في مستوى إنتاج قيم كونية، لذلك ولأنك صحفي المستقبل، فعليك أخي الكريم أن تتبين وتتحرى قبل أن تنشر لأي كان مصداقا لقوله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ » (الآية 6 من سورة الحجرات).

وختاما أقول لك بأن مرجع هذا الكلام هو قيمة النصيحة وليس قيمة الاستغفال والاستحمار المعتمدة في التسويق (Marketing)، ذلك أنه لا خير في قوم لا يتناصحون ولا خير في قوم لا يقبلون النصيحة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم « الدين النصيحة ».

الحسن جرودي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *