التفكير بالألوان: مساهمة في ترشيد عملية الفهم.الجزء(2)

التفكير بالألوان: مساهمة في ترشيد عملية الفهم.الجزء(2)
بقلم:خالد عيادي
التفكير والعقل :
…التفكير عملية ذهنية معقدة، ومتعددة الجوانب ، يستوي فيها بالمفهوم القرآني: الملائكة ، والجن و الإنسان ، والحيوان ،والنبات، والجماد([1]).والتفكير السليم محله العقل السليم ،أو الكامل، كما في لغة الحديث النبوي ، لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : »كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران « ([2]). ولذلك جعل الإسلام العقل ضمن الكليات الخمس ، التي من الواجب الحفاظ عليها .وفي بداية الدعوة الإسلامية ، ثبت أن النبي عليه السلام كان يدعو العقلاء ، ويتخير من يثق بعقله، لا بذكائه ودهائه،وذلك لأن ملكة العقل مستقلة عن ملكة الذكاء، والفطنة، والفهم السريع. ألا ترى الرجل قد يكون في غاية الذكاء والفطانة، نظرا لتخصصه العالي في الرياضيات أو الفيزياء، ولكنه إذا كان مدمنا على التدخين،أوالمخدرات، أو شرب الكحول، أو سريع الغضب، فإنه بهذا يندرج ضمن « ناقصي العقل ». فالعقل هو الذي يحبس المرء أوالمرأة، عن طاعة العواطف الجامحة، والشهوات السيئة. والعاقل بهذا هو: « الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها… وعن التورط في المهالك. « ([3])
نعم قد تكون المرأة ناقصة عقل ، على الأقل في ظاهر الحديث الصحيح ، غير الصريح،([4]): »ناقصات عقل ودين »، لتغلب العاطفة عليها. وغلبة العواطف ليس عيبا في النساء،ولكنه عيب صراح في حق الرجال، بل هي ميزة لهن وخاصية للأنوثة، فبقدر ما تنقص عواطف المرأة، يكون نقصان أنوثتها. ولولا قوة العاطفة، لمــا تحملت المرأة مشقة الحمل والإنجاب والإرضاع. ألا ترى أنها تجد في هذا التعب حلاوة و لذة. فإذا أضافت امرأة إلى جانب هذا، شيئا من العلم والحكمة والروية، تكون قد بلغت الكمال، وكانت حقا ممن عناهن « المتنبي » فـي قوله:([5])
| فلو كان النساء كمـن فقدنا فما التأنيث للشمس عيب | لفضلت النساء على الرجال ولا التذكير فـخـر لـلـهــلال |
فإن قيل قد حدد رسول الله عليه السلام، من بلغ الكمال من النساء في قوله: « كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران.. »([6]) قلنا في الأمر متسع، إذ كمل منهن أيضا خديجة وعائشة وفاطمة رضي الله عنهن، وكل من حدت حدوهن في العلم والحكمة و الصلاح.والله تعالى أعلى وأعلم. في القرآن الكريم إشارات معتبرة،كما في السيرة النبوية لحظات ممتازة ،سجلت لنا طريقة تفكير المرأة.فهذه امرأة العزيز تراود فتاها « يوسف » عليه السلام، حتى إذا انكشف أمرها ،قالت بقول الخصم والحكم ، وعلى جناح التسرع: »ما جزاء من أراد بأهلك سوءا، إلا أن يسجن أو عذاب أليم »([7]).بينما تكون الملكة « بلقيس » في غاية الحكمة ، والروية ، والتثبت، وعدم التسرع، وهو ما غاب عن « الملأ » من ذوي السلطة، حيث بدا الاندفاع والغرور واضحين، في قولهم: »نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين »([8]). كما تسجل لنا السيرة النبوية، موقف أمنا خديجة(رضي الله عنها)،المشهود لها بكمال العقل، وذلك في قولتها الشهيرة: »كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم،وتحمل الكل،وتكسب المعدوم، وتقري الضيف،وتعين على نوائب الحق »،وذلك لما جاء رسول الله مذعورا، عند نزول الوحي عليه أول مرة،وهذا الموقف ينبئ عن عقل راجح ، وتفكير متفهم، من امرأة يترك زوجها بيت الزوجية إلى « غارحراء »، مددا لا تقل عن عشرة أيام ،ولا تزيد على شهر([9]).
العقل في مدلوله لفظه العام ، ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي ، أو المنع عن المحظورات والمنكرات. وعلى هذا الأساس كان اشتقاقه من مادة « عقل » ، التي يؤخذ منها « العقال »،وهو الحبل الذي تربط به الدواب.فكأن العقل يربط صاحبه عن المساوئ والمضرات، ويعقله عن اتباع العواطف والشهوات. وتكاد شهرة العقل بهذه التسمية في نظر »عباس محمود العقاد »: أن تتوارد في اللغات الإنسانية الكبرى، التي يتكلم بها مئات الملايين من البشر.فإن كلمة »مايند » mind وما خرج من مادتها في اللغات الجرمانية، تفيد معنى الاحتراس والمبالاة، وينادى بها على الغافل الذي يحتاج إلى التنبيه. ونحسب أن للغات في فروعها الأخرى، لا تخلو من كلمة في معنى العقل، لها دلالة على الوازع ، أو التنبيه ، أو الاحتراس. »([10])
وإذا كان العقل هو مناط التكليف ، فإنه أيضا مناط التفكير .لهذا وهب الله الإنسان العقل ليفكر ، ويعمل عقله ، ويهتدي إلى الصواب في عمارة الأرض ، ويكون خليفة الله في الأرض على أحسن وجه.ولقد منح الله للعقل كامل الحرية في الاشتغال، والقلق، و التساؤل، والتوتر، والتحرر من خطر قناعة « هذا ما وجدنا عليه آباءنا »، إنه العرف ،أو الثقافة السائدة والمتوارثة، حتى إن الذين كتبوا في تاريخ العقائد : »يتفقون على تهوين خطر الحكم المستبد ، على الضمير الإنساني ، بالقياس إلى خطر العرف ، أو خطر الخديعة من رؤساء الأديان »([11]). القرآن الكريم يسجل لنا لحظات حرجة ومتوترة للعقل مع الإيمان .فهذا سيدنا « إبراهيم »، يتساءل بعقله ،في حيرة وقلق،: »رب أرني كيف تحيي الموتى »([12]) . وهذا سيدنا « موسى »يبحث عن اليقين في قوله: »رب أرني أنظر إليك »([13]).لقد ركب الله في الإنسان العقل المتوتر، والإيمان الثابت و المتجذر.وبينهما تجاذب…
…………………………………………………………………………………………….
[1]) يمكن أن تكون هذه الفكرة بحثا مستقلا، ،فالملائكة فكرت بعد تقدير أو قياس: »أتجعل فيها من يفسد فيها.. » الآية.والجن قالت: »سمعنا قرآنا عجبا »الآية.والحيوان: »أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم » الآية.والشجر والحجر سيخبران المسلم بين يدي الساعة عن اليهود »إلا شجر الغرقد » الحديث.
[2] ) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء. باب قوله: « وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ».
[3]) – لسان العرب لابن منظور مادة « ع ق ل ».
[4] ) يراجع مقال « ناقصات عقل لا ذكاء » ضمن كتاب « صيد الخاطر وقيد العابر » لصاحب المقال – مكتبة « قرطبة » وجدة- المغرب- ط-1-2017-ص:31 . توزيع دار الأمان- الرباط – المغرب.
[5] ( شرح ديوان المتنبي . أبو الطيب المتنبي. وضعه عبد الرحمان البرقوقي. دار الكتاب العربي. بيروت جزء-3 – 1986. ص149.
[6] ( أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء. باب قوله: « وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ».
[7] ) سورة يوسف .آية:25.
[8] ) سورة النمل آية:33.
[9] ) فقه السيرة – محمد سعيد رمضان البوطي – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت لبنان – ص:55
) التفكير فريضة إسلامية-عباس محمود العقاد- نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة- الفجالة – ص:4[10]
[12] ) سورة البقرة.آية : 260.


1 Comment
في إطار تساؤل حول ترشيد عملية الفهم،الا يمكن ان يكون الذكاء نتاج للعقل؟إذ أننا لم نسمع من قبل عن شخص فاقد للعقل يتحلى بالذكاء او الفطنة.كما أن سرعة البديهة ما هي إلا ردة فعل ناتجة عن سلسلة من العمليات العقلية المركبة.