خسارة رهان الانتخابات، من المتهم ومن المسؤول ؟

بونيف محمد جرادة
خسارة رهان الانتخابات، من المتهم ومن المسؤول ؟

لا أتطرق هنا إلى ممارسات المخزن وأعوانه، وصنيعته الأحزاب الممخزنة، في التأثير على نتائج الانتخابات لأنها معروفة ومتوقعة وسهلة الاستقصاء، بل أشارك هذا النص مع أولائك الذين يكيلون تهم إفساد العملية الانتخابية وإهدار الفرص، إلى جهات معينة دون تحري الدقة والموضوعية في التسديد، وهم كثيرو العدد، فيرتاحون إلى رأيهم ويطمئنون إليه رغم عدم وجاهته، دون أن يكلفوا نفسهم عناء محاولة البحث.
الكثيرون ينسبون الفشل في تحقيق النتائج الانتخابية المرجوة، إلى الشعب( وهم جزء منه بالطبع)، ويقولون في نوع من التعالي والكبرياء، ما مفاده أن الشعب خنوع وغير واعي، وأغلبيته ألفت العبودية وتبيع أصواتها وكرامتها بثمن بخس، وهذا كلام غير واعي وغير مسؤول، وخاطئ، نظرا لغموضه: فالشعب، وكذلك الجماهير الشعبية (1): (هذا اللفظ الذي درجنا على استعماله أيضا)، يتكونان من طبقات وفئات مختلفة وغير متجانسة، من بينها نخب مثقفة لها الحق في التصويت بكامل الحرية، ومنزهة عن هذه النعوت، وفئات واسعة منها المتحزبين : بلغت من النضج والوعي ما يمنحها الحق في التصرف في إرادتها، والتصويت لمن تريد وبدون أية وصاية.
فاتهام الشعب، أو الجماهير الشعبية بهذه الطريقة، غير محسوب، وهو في الغالب هروب إلى الأمام أو الخلف، بعد العجز عن تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك بدقة ، ولا يفيد في شيء.
والسؤال المطروح هو كيف يمكننا معرفة وتحديد الشرائح الاجتماعية المسؤولة فعليا وعمليا على الفشل الذريع في الانتخابات، دون أن نكيل التهم لغيرها؟
وما سر قوتها حتى تؤثر في مسار الانتخابات إما سلبا أو إيجابا: هل هي قوتها العددية، أم هو مستواها المعرفي والاجتماعي المتواضع، الذي يجعلها قابلة للاقتياد والانصياع، أم هما معا ؟
الجواب على هذا السؤال الإشكالي يوجد متفرقا في مجموعة من الكتب: وجذوره ضاربة في عمق التاريخ، وهذه الشرائح من البشر هي الأكثر عددا في المجتمعات العربية، ولم تلعب دورها في الانتخابات فقط سلبا أو إيجابا، بل لعبت أدوار كثيرة تختلف حسب من يوجهها ويستميلها ويستغلها: وصلت عبر التاريخ إلى حد الإطاحة بأنظمة سياسية بالكامل، واستبدالها بأخرى.
ومجموعة من أفرادها وهي الموجودة أسفل هرمها الاجتماعي في بلادنا، هي التي رقص معها الوزراء وسائر المرشحين أو بالأحرى أرقصتهم هي بحكم حاجتهم الحيوية إليها ، وأنزلتهم رغما عن عنجهيتهم وأبراجهم العاجية، إلى الأماكن المتواضعة في الأسواق ليتناولوا معها الأكلات الشعبية البسيطة، وجعلت منهم بعض الصحافة المأجورة، مصدرا للسخرية والتندر وتناقل الكثيرون تعبيراتهم لطرافتها وسذاجتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي: منهم من اختلط عليه الأمر فقط بين اسم لقجع ولصكع ، وبين المرشح والمشرح ومنهم من لا يعرف حتى اسم المرشح والحزب الذي ينتمي إليه، وقس على ذلك .
هذه الشرائح الاجتماعية تسمى تاريخيا وحتى حاليا : عامة الناس ويطلق عليها ابن رشد في بعض المرات اسم الجمهور.
يظهر من أول وهلة أن هذا الاسم هو ديني لاهوتي، لأن مجموعة من الأئمة والفقهاء كانوا سباقين لاستعماله بكثرة، وبنوا هذا المصطلح حتى أصبح مفهوما علميا محضا، منهم الفيلسوف ابن رشد، والغزالي ، والفيلسوف المشهور ابن باجة: وهؤلاء استخسروا في عامة الناس، حتى وصول بعض كتبهم التي تعتمد على البرهان إلى أيديهم، خشية أن يسيؤوا فهمها ،ويسيؤون بذلك إليهم وإلى الفكر عامة. وتناوله من المفكرين المعاصرين الدكتور عابد الجابري في كتابه العقل الأخلاقي العربي عندما تطرق إلى ابن باجة وفلسفته ، خاصة جزؤها المسمى تدبير المتوحد، الذي تفرد وحده بدراسته مستعينا بالفيلسوف أرسطو.
والإمام الغزالي ذهب بعيدا في وصف عامة الناس وازدرائهم إلى أن وصفهم بالخنازير(2). وتناوله المفكر جورج طرابيشي صاحب نقد نقد العقل العربى، في كتابه ـ من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ـ النشأة المستأنفة ـ حيث تطرق إلى تاريخ ظهور عامة الناس وأدوارهم السيئة، وعلاقتهم بالحكام وما عرفته الساحة الفكرية من ضغطهم عليهم.
كيف صنفت عامة الناس ؟ : بالطبع لا يمكن تصنيف عامة الناس طبقيا لأنهم قد يتكونون من خليط من الطبقات الاجتماعية بحيث لا يسعفنا هذا التصنيف في تمييزهم.
التصنيف الوحيد الذي يعرفها ويفكك بنيتها الفكرية (إذا كان لها فكر أصلا) والاجتماعية ويسبر أغوارها: هو التصنيف المعرفي ، الذي يكشف لنا عن المدى الذي وصلت إليه قدرتها على الاستيعاب والفهم وإدراك ذاتها، والدور الخطير أو الأدوار المنوطة بها.
فابن رشد مثلا قسم الناس إلى عامة الناس وخاصتهم، فعامة الناس هي التي نتحدث عنها، أما خاصتهم فهم المثقفون والفلاسفة أو ما نسميه اليوم بالنخبة.
وقسمهم(الناس) حسب قدرتهم على تحصيل المعرفة، وعلى استيعاب الفكر وفهمه، إلى ثلاثة فئات:
الفئة الأولى تستوعب وتفهم فقط بواسطة الخطاب البسيط كالخطاب الوعظي مثلا، ولا ترقى لغيره.
أما الفئة الثانية فهم يستوعبون بالخطاب الجدلي وهو ظني، كالمتكلمين مثلا،
وفئة الخاصة وهم المثقفون والفلاسفة الذين يصلون إلى الحقائق بواسطة البرهان والمنطق: أي القادرون على استعمال النظام المعرفي البرهاني، وعلى التأويل والبرهنة.
بالنسبة لابن رشد: عامة الناس هي التي تدخل في الفئة الأولى: أي بالكاد تفهم الخطاب البسيط أو الوعظي وجزء منها يصل إلى الثانية أي يستطيع الدخول في الجدل دون أي يتعداه.
و هي التي تقلب الكفة في الانتخابات سلبا أو إيجابا حسب الجهة التي تسيطر عليها، أو على الأصح تستطيع استمالتها، لأنها تأتمر بأومر غيرها، وتخضع لتأثيرهم لكونها لا تحمل فكرا عميقا ولا تستطيع التحليل ومعرفة الصواب من الخطإ في القضايا السياسية والاجتماعية، والوصول إلى الحقائق التاوية في خبايا وأعماق ودهاليز المجتمع.
ونظرا لما سبق ذكره، فهي لا تملك حسا مرهفا تجاه امتهان كرامتها، وبيع أصواتها بغض النظر عن غناها أو فقرها، لأن الفقير الواعي يكون حريصا أشد الحرص هو أيضا على كرامته وصيانتها.
ـ تاريخ الفطنة إلى عامة الناس وإدراك خطورتها، وبناء مفهوم « عامة الناس » ليصبح علميا.
ارتبطت فئة عامة الناس بالتزايد الديمغرافي، كلما تزايدت أعداد الناس ازدادت كثرة واتساعا، وهذا ما يفيد أنها الفئة الأكثر عددا في المجتمعات العربية، حيث لا يوجد رأي عام واعي ومتيقظ .
ظهر هذا المفهوم منذ العهد العباسي ،واكتشف الناس خطورة الدور الذي يمكن أن تنهض به عامة الناس في قلب الموازين السياسة في المجتمعات لصالح الطرف الذي يتمكن من السيطرة عليها وقيادتها وجرها لصفه. بل وتستطيع قلب نظام الحكم واستبداله بأخر إذا استمالتها الجهة التي تخطط لذلك ورضيت عنها.
ويذكر المفكر جورج طرابيشي أن النخبة هي التي كانت تنفرد بتوجيه عامة الناس وقيادتها، ولكن منذ أن قادت هذه الفئة، بعد التضخم السكاني الذي عرفته بغداد، وارتفاع أعدادها بشكل مهول، الانقلاب على المأمون العباسي، وهو من النخبة، وأطاحت به وعوضته بإبراهيم ابن المهدي. أصبحت وضعية عامة الناس وضعية إشكالية، (3)وأصبح الكل يتهافت لاستمالتها وكسب رضاها: خاصة الحكام.
وانتبه الحكام العباسيون إلى ذلك. ويذكر التاريخ أن الخليفة المأمون كتب لأخيه المعتصم يلفت انتباهه لخطورة العامة ويوصيه قائلا ( الرعية الرعية، العوام، العوام فإن الحكم بهم). ويعني هذا أن الوصول إلى الحكم وضمان دوامه، أصبح يعتمد على استمالة عامة الناس وكسب رضاها. ويرى عدد من المفكرين أن بعض الخلفاء، لإرضاء العامة ضيقوا الخناق على بعض المفكرين والفقهاء، ونكبة خلق القرآن التي تبناها المأمون نفسه، أبلغ مثال على ذلك.
وعامة الناس أصبحت بالفعل طرفا في معادلة صعبة، لكثرة عددها، تتهافت الأطراف المتصارعة سياسيا، في بلداننا لاستمالتها، لكونها قابلة بطبيعتها للتطويع والتدجين، والانقياد لهذا الموقف أو نقيضه.
بعض مظاهر قوة عامة الناس في مغرب القرن التاسع عشر
وبا النسبة لبلدنا المغرب، سجل التاريخ أن السلاطين كانوا يخافون من عامة الناس خوفا شديدا، ويذكر قنصل إنكلترا في مدينة الصويرة، أن استغلال المعادن في سوس كان يتطلب استقدام مهندسين أجانب لاستخراجها ومعالجتها ، إلا أن السلطان لم يستطيع استقدامهم لرفض عامة الناس التعامل مع الكفار حسب رأيهم وذلك سنة 1862(4)، كما خربوا عدة مصانع أسسها أوروبيون بفاس بعضها بالاشتراك مع مغاربة : مثل معمل المشروبات والمياه الغازية سنة 1894 والمطحنة البخارية سنة 1897 ، وأغلقت عدة معامل لينهشها الصدأ خوفا من مهاجمتها من طرف العامة .
وفي الغالب هي التي تسب المفكرين في مواقع التواصل الاجتماعي حين لا تستطيع لمحدودية فكرها، الرد على أفكارهم، وتحرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل أعداء الفكر والمفكرين وأعداء التقدم، أو تجندها الدولة و الجماعات المتطرفة لمواجهة معارضيهم. ويمكن توظيفهم كذباب إليكتروني.
الشروح والمصادر.
- ـ لفظ الجماهير الشعبية ـ يمكن أن يتضمن مثلا :الجماهير الطلابية أو الجماهير التعليمية ، وهي فئات واعية لا يمكن اتهامها.
- ـ الإمام الغزالي قال إن من يعطي عامة الناس كتب البرهان ،كمن يعلق الدر أي الجواهر على أعناق الخنازير ، وهو من أصحاب المضنون به لغير أهله أي أن بعض كتبه بقيت، سرا ولم تعطى للعامة حتى لا تشوه أفكاره، أو ينعت بما ليس فيه من سوء الفهم
- ـ كتاب جورج طرابيشي ـ من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النشأة المستأنفة ـ الصفحات من 483 إلى 485 .
- ـ مجلة الحوليات الاقتصادية (كانت تصدرها جمعية الاقتصاديين المغاربة ) العدد الخامس سنة 1993 كان المدير المسؤول عليها هو فتح الله ولعلو .




Aucun commentaire