الإنجاز الكروي لفريقنا الوطني بين التنويه والتهوين

الإنجاز الكروي لفريقنا الوطني بين التنويه والتهوين
محمد شركي

من الطبيعي جدا أن يغلب موقف التنويه بالإنجاز الكروي لفريقنا الوطني في هذا المونديال لأنه حلم الرأي العام الغالب والمهيمن ، ولا يشذ عنه إلا من لا اهتمام له أصلا بهذه الرياضة الشعبية ولكن دون خلفية أو من أصحاب التيار العدمي التثبيطي الذين يعارضون كل إجماع حاصل في المجتمع والذين تحكمهم خلفيات مشبوهة سواء صرحوا بها أو موهوا عليها وأخفونها .
وكرد فعل على هذا الإنجاز الذي سار بفريقنا الوطني إلى أطوارمتقدمة لم تصلها حتى فرق ذات عراقة في هذه الرياضة، ظهر في مجتمعنا موقفان تجاه هذا الإنجاز : موقف نوه به وآخر هوّن من شأنه، أما الموقف الأول فهو طبيعي ومنتظر ، وأما الموقف الثاني فهو مستغرب وغير متوقع خصوصا وأن حساد وطننا حتى لا نقول الأعداء احتراما لقيمنا الأخلاقية الأقارب منهم والأباعد قد اتخذوا هذا الموقف ، وكان من المفروض ألا يتخذه بعض مواطنينا تحت أية ذريعة مهما كانت حفاظا على وحدة الصف والكلمة بخصوص قضية وطنية عليها إجماع تام لا ينكره إلا جاحد أو مكابر يوشك أن يوصف بالخيانة .
ومما أثار إعجابي بموقف التنويه لدى البعض مقال تحت عنوان » حين ينتصر القميص ويخسر المكتب » لصاحبه الأستاذ المدعو عثمان عوي ، وقد تداولته وسائل التواصل الاجتماعي على أوسع نطاق ، وحظي بدوره بتنويه كبير . والمثير في هذا المقال أن صحابه استغله استغلالا إيجابيا حين بدأ بالإشادة بجهود الفريق الوطني وإصراره على الركض فوق المستطيل الأخضر وهو لا يبالي يتمزق عضلي يصيبه ، بل يقف شامخا بعد كل تعثر أوسقوط كأنه لا يحس بألم ، وقد يتمزق قميصه فوق جسده ، وقد ينزف رأسه أو وجهه أو يده وركبته …كل ذلك دفاعا عن سمعة القميص الذي يحمل شعار العلم الوطني الدال على تاريخ هذا الوطن العريق في المجد ، و دفاعا على مشاعر شعب عظيم أصيل يحلم لوطنه بانتصارات شبيهة بالانتصار الكروي في كل المجالات وفي كل الميادين . وبطريقة جد موفقة في التحفيز، تساءل صاحب المقال قائلا : ماذا لو خرج هذا القميص الرمز من ملاعب الكرة إلى كل مرافق الوطن، ولبسه المسؤولون كل في موقعه ، والمهندسون ،والأساتذة، والأطباء، والقضاة، والبرلمانيون، ورؤساء الجماعات … وغيرهم ، وكل فئات الشعب المختلفة كل من موقع مسؤوليته ؟ وماذا لو لبس هؤلاء هذا القميص على طريقة لاعبي فريقنا الوطني، وبنفس العزم على الانتصار ، وبنفس الروح القتالية ، وبنفس الثقة بالنفس ، وبنبذ مشاعر الهزيمة ، والنكوص … ؟ ثم يواصل صاحب المقال تساؤلاته قائلا : هل كنا سنسمع بكل هذا الضجيج الذي اعتدنا سماعه عن أشكال وأصناف من الفساد الناخر لمرافق الوطن ؟ أو نسمع عن تلك الصفقات المشبوهة والمفلسة ، وعن التدبير المتعثر والفاشل وفي غاية السوء.
ويقول أيضا إن لاعب الكرة في فريقنا الوطني لا يبحث عن تعادل ،بل يدخل إلى المباريات يحذوه الأمل العريض في الانتصار ، ويقاتل من أجله بشراسة عكس ما هو عليه الحال في كثير من مؤسسات ومرافق الوطن حيث يدخلها بعض المسؤولين عنها بروح انهزامية ، لا يعنيهم سوى الانتصار للذوات وللمصالح الشخصية بكل انتهازية .
ويتساءل صاحب المقال بعد ذلك قائلا : أية مدرسة صنعت أولئك الذين يبكون بعد الهزائم لشعورهم بخذلان الوطن ؟ وأية مدرسة صنعت من لا يخجلون من أنفسهم وهم يرون الوطن يخسر وينهار كل يوم ، ومع ذلك يغادرون مواقع مهامهم ، ويعودون إلى مساكنهم مطمئني البال راضين عن أنفسهم لا يخامرهم أدنى شعور بوخز الضمير ؟ ويتسأل أيضا قائلا : لماذا يتوحد الوطن داخل الملاعب ، ويتفرق خارجها ؟ ولماذا لا يصير الانتماء في الرياضة سلوكا يوميا خارج المستطيلات الخضراء ؟ ولماذا لا يصير الكل عبارة عن فرق كالفريق الوطني ؟ أليس من في الإدارات عبارة فرق ؟ ومن في المدارس أيضا فرق ؟ ومن في الجماعات التربية فرق كذلك ؟ والحكومة نفسها فريق؟ …. ثم يقول بعد ذلك على الجميع أن يتخذوا من الوطن قميصا كما اتخذه لاعبونا قميصا .ويضيف إن موقف هؤلاء اللاعبين صادر عن عقلية يتعين على الجميع أن يتصفوا بها، وذلك بالحرص على نجاح كل تمريراتهم، وكل دفاعاتهم وكل هجوماتهم ، وكل إصرار منهم على تسجيل أهداف، مع احترازهم من كل الهفوات أو الأخطاء التي قد تشكل تهديدا لمرماهم . ويدعو الجميع إلى تمثل هذه العقلية والتخلق بها كل من موقع مسؤوليته . ويرى بعد ذلك أن هيمنة هذه العقلية من شأنها أن تعطي صورة صادقة عن هذا الوطن الغالي، وسيصير بذلك مهيب الجانب في نظر كل العالم كما حقق ذلك لاعبوه في الملاعب .
ويختم بالقول إن الانتصارات لا تتحقق بالشعارات التي لا تتجاوز الحناجر بل تصنع بالجهود وبالعرق وبالتضحية وبالانضباط وبالإخلاص للقميص الذي هو في نهاية المطاف وطننا الغالي ، ويتساءل أيضا قائلا : هل من الصعب أن نكون في هذا الوطن أسودا في كل شيء؟؟؟
هذا المقال نموذج معبر عن التنويه الإيجابي بما حققه الفريق الوطني لكرة القدم لأنه تضمن تحفيز الجميع ليحذوا حذو عناصره ، وهو خلاف ما كتبه غيره أو صوروه في فيديوهات لتهوين وبخس إنجاز هذا الفريق وقد انحازوا بانعدام ضمائر إلى حساده الذين يستكثرون عليه الفوز في تظاهرة رياضية عالمية غادرتها فرقهم باكرا، لأنها لا تملك إرادة وعزم فريقنا المتألق الذي صارت الفرق الرائدة تحسب لمنازلته ألف حساب، وقد اقتلع عن جدارة واستحقاق مرتبته المتميزة بينها.
و في الأخير لا بد من الإشارة إلى رهط منا درجوا دائما على السباحة في الماء العكر، ولم يروا في ما أنجزه الفريق الوطني سوى مطية للنقد المجاني ولم يقتهم حتى سجود اللاعبين شكرا لله تعالى على توفيق لم يكن إلا بإرادته ، ولم يلتفتوا إلى طرق شكر لاعبي الفرق الأخرى الذين كان بعضهم يسجد أيضا عند الفوزعلى طريقة سجودنا أو بطرقهم وأساليبهم من قبيل إظهار شعار الثالوث المسيحي . إن هذا الرهط لا تفوته فرصة إلا ونال من دين الله تعالى . ولقد جرّحوا أيما تجريح لاعبا معروفا بتدينه شوهد في نهاية إحدى المباريات وهو في حديث ودي مع لاعب شاب من زملائه لعله كان قد سأله عن سجود الشكر ، فنعته بعضهم بالسلفية والظلامية والداعشية ضاربين عرض الحائط بلاءه الحسن في مباريات الإعداد للمونديال وخلال المونديال وهو يقاتل بجسارة من أجل شرف القميص و شرف العلم وشرف الوطن الذي تنال منه ألسنتهم الحداد .
و هذا الرهط عندنا هم بمثابة عاشر الرهط التسعة الذين كانوا زمن نبي الله شعيب عليه السلام ، وكانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، وكان من بينهم أشقاهم الذي عقر ناقة الله . وإن رهطنا في هذا الزمان يعقرون الدين والقيم والأخلاق في كل وقت وحين ، ولا تفوتهم فرصة دون التعبيرعن فسادهم ومحاولة إفساد وطنهم . ودام لك التألق يا وطننا الحبيب .



Aucun commentaire