ثقافة ‘الفليج’ إلى أين آل بها المآل؟ (حكاية)

كان الإنسان البدوي في الشق الشرقي من الوطن المغربي، ولايزال، يفتخر بنمط الحياة الحرة التي تتمثل في التنقل بحرية تامة من مكان إلى آخر بحثا عن الماء والكلأ. بل كانت السهوب العليا كلها جزء من هويته الجغرافية التي تشكل بنيته الثقافية. فكل الصحراء حصيره، مكانه، وكل الهضاب بيوته. أما وقد أصبح العالم غير العالم، والمدينة غير المدينة، والقرية غير القرية، والدوار غير الدوار، والمدشر غير المدشر، والحي غير الحي، والبيت غير البيت، والناس غير الناس، فقد تداخلت أنماط الحياة فيما بينها، وأصبح ‘الدِشْ’ معلق كالصحن فوق بيت الوبر، و’لانْتيتْ’ في أسوأ الحالات يفي بالغرض، فإن ثقافة البدو انتقلت من البداوة إلى الحضارة فجأة لكن دون يتغير المكان والإنسان. تغيرت العادات وتغيرت المثل، لكن فن ‘الكْسيبَة’ لازالت بعض جذوره مشدودة إلى الآن، رغم أن الصحون علت السطوح وقمم الخِيم. يرجع السبب في ذلك ليس لكون البدو قد أثاروا حياة الرعي و’الكسيبة’ عن حياة الرفاه والنعيم، ولكن لإن ‘الكسيبة’ تُكسب العيش وتدفع بعجلة الحياة المُستعجلة إلى الأمام.
أما النساء، في إطار النهوض بأحوال المرأة وغيرها من المفاهيم/الأشياء، فقد ثابرت، بناء على ثقافة الصحن أو « الدِشْ، » على مشاهدة المسلسلات التركية، وقبلها المسلسلات المكسيكية المتلفزة، وذلك بفضل ‘لانتين’ المرمي أو المعلق على ركيزة المطبخ فوق بيت الشعر (الخيمة). فعوض غزل الصوف والشعر لصناعة ‘الفليج’، أصبحت المرأة البدوية متحضرة فجأة على مستوى موضوع البرامج المشاهدة وليس غير ذلك. فهي لم تعد تطيق رائحة الصوف النتنة. وبتعبيرها الخاص، أصبحت تخلق لها الصوف ضيقا في الصدر وتسبب لها داء الحساسية.
جال في خاطر إحدى البدويات يوما ما يلي: لماذا تلعب ضرتها الأولى دور الحماة لتي لم تراها في حياتها، حيث أكرمها الله بموت الحماة قبل الدخول في قفص الزوجية. قد يصيح نداء من داخلها و يقول: ‘إن لعبت الضرة الكبيرة دور الحماة في الأمر والنهي والتسيير البيتي، فهذا من حقها. إنها ربت أطفالها وصنعت بيتا أواها هي وزوجها و باقي أسرتها، فقد أنهت مشوار حماتها من قبل’. لكنها تقمع ذاك الصوت وتقول: ‘لا يهمني كان ذاك زمن وهذا زمن ثاني’. يُصاب صوت الضمير بقشعريرة الخوف، وينكمش على نفسه وينام. وفجأة تتقد عينا المرأة، فقد نسيت أمرا. تهب في عجالة وتخاطب زوجها: « غَدَّا نْصَدْ لْحَسيانْ الدِّيابْ، خُتِي راها دِّيرْ الصَّدَقَة لْبَنْتْها، راهُمْ عَيْطُو لي فَالتِّيليفونْ »
« إيهْ »، يرد عليها الزوج، ويستطرد ‘والسُّوقْ الِّي فاتْ شْكُونْ الِّي كانْ يْعَرَّسْ؟’
ترد الزوجة في استنكار: ‘هاديكْ خُتِّي لِّي فْبَرْكَمْ، عَرْسَّتْ لْوَلْدْها، أنا راني نْكُولْ لَكْ غادي نْرَوَّحْ لُخْتِي ألِّي عَنْدْ أوْلادْ حَمْزَة في تاوْريرْتْ؟
‘آه، الله يْهَنيه الله يهنيه’، يرد الرجل في استسلام.




Aucun commentaire