Home»Femme»أنا والمقهى وامرأتان

أنا والمقهى وامرأتان

0
Shares
PinterestGoogle+

 « المجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخباً ولا يهمه العارى إلا إذا كانت امرأة. »  جلال عامر*

 **********

   حاولت جاهدا عدة مرات أن أكتب عن شيء يبعث على الحبور والفرح ، تنشرح له الصدو ر ويسرّ الخواطرعوض الكتابة عن  واقع بئيس ، لكن عبثا .تذهب محاولاتي سُدى .

 صِرت مثل ذاك التلميذ المسكين موضوع نكتة مفادها أن أباه عاتبه واستنكر عليه حصوله على صفر(0/20)  في مادة  الإنشاء .فكان جواب الإبن أو بالأحرى تبريره أن نص الموضوع كان صعبا جدا. لقد طلب منهم الأستاذ أن يُحرروا موضوعا حول الفرح . فكيف لشقي مثله  أن يكتب عن شيء يجهله ! لم يذقله  طعما في حياته.

*********

هذا ماجال في خاطري عندما كنت جالسا وحيدا  في مكان قصي في المقهى. والمقهى ملاذي ألجأ إليها حين أتبــــــه فأبحث عن التائهين مثلي.                

جئتُها بعد أن اقتنيت جريدة يومية من أقرب كشك في الحي . طلبت قهوة مقطرة سوداء علها ترد لي المزاج كما يقال.

فتحت الجريدة ، قلَّبتها ، قرأت العناوين الكبيرة .لم أجد مايستحق القراءة .جل المواضيع  مُستهلكَة سبق أن اطلعت على أغلبها  في المواقع الالكترونية. أصبحت بائتة أو « فاتت أوو ماااتت  و تبيرمات  » بلغة عبد القادر السيكتور الاشهارية.

مضى زمن كانت فيه الجرائد الورقية مصدرا رئيسا للتحليل والاخبار و التثقيف بل حتى التحريض.(المحرر ثم الاتحاد الاشتراكي، البيان ، العلم ، أنوال… )                                                                                                                                   وضعت الجريدة جانبا .حتى ملء الكلمات المتقاطعة ما عاد يستهويني.

  جلت بنظري في الشارع أرقب المارة . هناك ليس بعيدا ، في مفترق الطرق ، لفت انتباهي امرأة  تسوق عربة صغيرة . تمشي مختالة بخطى واثفة. مكتنزة . يسبقها عطرها  الأخّاذ النقّاذ. تفوح رائحته العبقة المنعشة فتثير رغبة شبقية .على يمينها ابنتها الصغيرة تداعب لعبتها بدلال وغنج.لم تسلم المرأة المكتنزة من تعليقات الجالسين في المقهى.

آهات مكبوتة يتبعها صفير دلالة الإعجاب. ثم كلمات للاستهجان من هنا وأخرى للاستحسان  هناك. بل من ذهب أبعد من ذلك وتفنن في وصف مفاتنها من الرأس حتى القدمين . لكن لا أحد منا غضَّ البصر.

  في الجهة المقابلة  وغبر بعيد عن عن المرأة الأولى استرعى انتباهي امرأة لم يُعرها رواد المقهى اهتماما كبيرا. ربما لأنهم اعتادوا مثل هذه المناظر .والعادة تبلد الإحساس أحيانا. تشي ملامحها بحزن ضرب  جذوره في الأعماق.شظف العيش موشوم على محياها. عيناها بئران عميقان من الغم  والهم. على ظهرها الذي قوسه الدهرتحزم  صغيرها. مِشيتها أقرب  إلى الهرولة.ابنتها الصغيرة تمسك بتلابيبها محاولة أن تستوقفها لتثير انتباهها  إلى لعبة استهوتها. لكن كيف لأم مسكينة  لا تملك حتى ثمن الحليب لوليدها الرضيع أن تفكر ،مجرد التفكير  فقط في  شراء لعبة لا طائل منها .

  حتى مواطنتها ناقصة لاتكتمل إلا عند الانتخابات .أنذاك يصبح لها أو على الأصح لصوتها معنى وقيمة في عرف الكائنات الانتخابية وتجارها وسماسرتها . رقم إضافي.

*********

امرأتان .صورتان مختلفتان بل متناقضتان .طبقتان.واحدة فقيرة كادحة معدمة محرومة من أيسط وسائل العيش. وأخرى ترفل في النعيم ، ثراء وبذخ . بورجوازية هجينة.

في بلدتي ،المواطنون كعربات القطار درجات.مواطنون من الدرجة الاولى ومواطنون من الدرجة الثانبة وآخرون من الدرجة الرابعة.هـُــــــــم ونحــــــــــــن.

أو على حد تعبير الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم الذي ارتبطت أشعاره بهموم المواطن العربي:

« هما بيلبسوا اخر موضه

واحنا بنسكن سبعه ف اوضه

هم بياكلوا حمام وفراخ

واحنا الفول دوّخنا وداخ

هم حياتهم تمضي جميلة

هم فصيلة واحنا فصيلة »

*********

غبت لحظة داخل نفسي.سهوت .سرحت بعيدا. لما انتبهت رأيت المرأتان تتخدان مسار ا مختلفا.انحرفت الأولى جهة اليمين .بينما الثانية كمن لازالت تيحث عن مسار. تبدو تائهة . إنها في حاجة لمن يساعها  وينير لها الطريق.حتى الذين رهنت أحلامها بهم خذلوها وما عادوا يولون لها اهتماما.

—————-

جلال عامر كاتب و صحفي مصرى من  أهم الكُتاب الساخرين في مصر والعالم العربي.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *