Home»Régional»العلمانية والبحث عن المشروعية المفقودة

العلمانية والبحث عن المشروعية المفقودة

0
Shares
PinterestGoogle+

من الحقائق التي لا يختلف فيها اثنان ؛ ولا يتناطح في شأنها كبشان كما يقال طبيعة المغرب والمغاربة ذات الصلة الوثيقة بالدين الإسلامي في أنقى صوره وفق العقيدة السنية الأشعرية والمذهب المالكي الناهل من حوض النبوة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك منذ قرون طويلة بلا تبديل ولا تغيير ولا فتنة ولا افتتان كما يردد المغاربة ذلك بعد صلاة التراويح ؛ و كما جرت به جرت عادتهم. ومن هنا يقال للمغرب بلد محافظ؛ و يقال للمغاربة شعب محافظ؛ ويقال لأسره أسر محافظة؛ إلى درجة أن الإنسان المغربي يفخر بمحافظته ويقول لمن يريد أن يصهر إليه مثلا: نحن أسرة محافظة.
هذه الحقيقة تقلق عينة من الناس الذين أرادوا تسويق العلمانية في بلد محافظ؛ فواجههم كساد بضاعتهم واحتاروا في مصدر المشروعية لعلمانيتهم؛ وهي مشروعية لا يمكن إلا أن تكون مفقودة بالضرورة.
وبين الحين والآخر تطلع علينا خطابات علمانية إما عبارة عن مقالات صحفية أو مطبوعات أصلها هذه المقالات. وهذه الخطابات تعتمد أساليب اللف والدوران ؛ والتكتيك المكشوف ؛ فهي لا تقوى على الكشف عن هويتها العلمانية داخل مجتمع متدين بالفطرة وما ينبغي لها وما تستطيع ؛ لهذا تختلق خصما متوهما قد يكون شخصا أو جماعة تتبنى وجهة النظر الإسلامية في تفسير الحياة ؛ وهو تفسير مناقض للطرح العلماني بالضرورة نظرا لاختلاف الأسس والمنطلقات. والعلمانيون لا يتجرؤون على مواجهة الدين لأن المؤسسة الرسمية تتبنى الدين ؛ وتعتبره من المقومات التي لا تجادل تماما كما تعتبر الدول العلمانية علمانيتها من المقومات التي لا جدال فيها أو حولها . وتنكبا للصدام مع المؤسسة الرسمية تحاول العلمانية التمويه على عقدتها من خلال البحث عن سبل تصدير الخلاف مع المؤسسة الرسمية في حال كشف قناعها من معسكرها إلى معسكر آخر. ولم تجد العلمانية كبش فداء كالأشخاص والجماعات الذين يتبنون التفسير الإسلامي للحياة . وهنا تبدأ المفارقة المثيرة للسخرية حيث تعمد العلمانية إلى موادعة المؤسسة الرسمية من جهة عن طريق التظاهر باعتماد وجهة نظرها بخصوص الدين ؛ومن جهة ثانية إشهار العداء ضد أشخاص وجماعات تلتقي مع المؤسسة الرسمية في نفس وجهة النظر . ولا ترى العلمانية غضاضة في تبني هذا الموقف المتناقض الذي يقبل ويرفض نفس الطرح لاعتبارات تكتيكية صرفة.
فأهل العلمانية أعجز من أن يصرحوا بالواضح الفاضح كما يقال أن المغرب في غنى عن الإسلام حسب ما يبطنون وعكس ما يظهرون؛ لأن طبيعة المغاربة ستقف جدارا صلبا في وجوههم وسدا منيعا أمامهم ؛ لهذا لا مندوحة لهم عن ادعاء الانتماء لهذا الدين على مستوى القول على الأقل جغرافيا ؛ لأن التملص من الدين يكلفهم فقدان الهوية المغربية التي يعتبر الإسلام من أهم مقوماتها. وأمام عجزهم هذا يلجئون للحيل فيكثرون من محاولات إثبات هويتهم الإسلامية دائما بالقول دون الفعل إلى درجة الإسراف المثير للشك مما يجعل موقفهم ينطبق عليه القول المشهور : ( الحرص على إظهار حفظ الأمانة دليل على ثبوت الخيانة ).
فالعلمانيون مسلمون بالقوة لا بالفعل ؛ وإسلامهم مما وقر في القلب ولم يصدقه عمل.
وهم على وعي تام بالتجربة التركية التي حاول علمانيوها فرض علمانيتهم بالحديد والنار لعقود طويلة ؛ وبواسطة جهاز العسكر المستبد ولكن تجربتهم باءت بالفشل الذريع ؛ فصار الشعب التركي المتدين ؛ وهو شبيه في تدينه بالشعب المغربي يصوت على من يحمل في جعبته الطرح الإسلامي للحياة ؛ وليس العكس وهو ما أقلق العسكر الحارس للعلمانية المحتضرة هناك إلى درجة التهديد بالتنكر لمفهوم الديمقراطية في حال نبذ الشعب للعلمانية . والعلمانية عندنا شاطرة كما تظن نفسها فتنكبت هفوات العلمانية التركية عن طريق مغازلة المؤسسة الرسمية ؛ ومواجهة ما دونها مستغلة الظرف العالمي الحالي الذي يشهد صراعا بين العلمانية الغربية والإسلام كما يتمثله الغرب عند من يرفض وجهة نظره من معتنقي هذا الدين.
والعلمانية عندنا لا تضيع منها فرصة دون التعريض بمن تسميهم إسلاميين أو إسلامويين تمييزا لهم تمييز القدح الذي يجعلها مستأثرة بالإسلام دون سواها كتكتيك يوفر لها مشروعية مفقودة ؛ ويجعلها تصل إلى المبتغى من أقصر الطرق ؛ شأنها شأن من يحرم الميتة ويغمس خبزه في مرقها.
لا غرابة أن تنشر في صحف علمانية الهوى هجومات متكررة على أشخاص أو هيئات في شكل تلفيقات من شأنها أن تستعدي على هؤلاء المؤسسة الرسمية من جهة ؛ ومن جهة أخرى تستعدي عليهم مؤسسات دينية وغير دينية أخرى ؛ حيث تصف أعمالهم ومواقفهم بأنها لا توافق العمل المؤسساتي الرسمي فيما يتعلق بالشأن الديني ؛ وفي هذه الحالة تتحول العلمانية إلى ما يشبه عمل كلاب الصيد الدالة على الطرائد ؛ مع فارق وهو أن كلاب الصيد صادقة في دلالتها على الطرائد بينما العلمانية مغرضة في دلالتها على ضحاياها. ولا تفوتها فرصة دون أن تعمل على اختلاق خلاف بين من تعاديهم من المتدينين وبين المؤسسة الرسمية آملة أن تنجح في استخدام المؤسسة الرسمية وغيرها لخدمة طروحاتها العلمانية التي تجد سندا ودعما في العلمانية الغربية المعولمة.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

2 Comments

  1. بادة بوعلام
    19/12/2007 at 15:26

    أستغرب أن يتطرق بعض الناس إلى أمور يجهلونها فيقولون فيها كلاما لا أساس له و لا قاعدة ، لقد حضرت ندوة بعنوان « العلمانية و الإسلام » بمدينة أكادير نشطها مفكرون و اساتذة يعرفون بالفعل عما يتكلمون ، فلم أسمع من أكثرهم دفاعا عن الإسلام مثل ما سمعته من أستاذنا هذا و فهمت حقيقة العلمانية بعد ان كنت اجهلها..و انا الآن بحكم اهتماماتي الثقافية أتعمق في فهم أبعادها و مراميها الحقيقية و ليس تلك التي تنشر في صحافة الرصيف. فحذار من الاندفاع.

  2. محمد شركي
    20/12/2007 at 00:49

    تعقيبا على السيد بادة أقول :
    الحكم بجهل الغير جهل فظيع
    والحكم بعلم الغير تطاول وغرور
    والدفاع عن الإسلام شرف كا مؤمن يتمناه
    والانبهار بالعلمانية دليل على الجهل المركب
    ولا يصف مثل هذا الموقع بصحافة الرصيف إلا من كان مصدره من الرصيف

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *