المأرب والمرأب ورحم الله أبا الفتح عثمان بن جني

على غرار قضية كتابة همزة مسئول جاءت قضية مأرب ومرأب في تعليق لأستاذ كريم تدارك علي سهوا في مقال بعنوان : ( أكاديمية الجهة الشرقية بحافلة مع وقف الاستعمال ) حيث استعملت كلمة مأرب وأنا أريد كلمة مرأب للإشارة إلى مستودع السيارات ؛ وكان في هذا التصويب المشكور خير كثير حيث وفر لي فرصة للحديث عن قضية لغوية يغفل عنها المختصون بله عامة الناس وهي قضية الاشتقاق الأكبر عند أبي الفتح عثمان بن جني رحمه الله تعالى.
بداية أقول إن الذين يستعملون كلمة مرأب للدلالة على مكان توضع فيه السيارات يصيبون من جهة ويخطئون من جهة ثانية ؛ فإذا تعلق الأمر بمكان إصلاح السيارات فهم مصيبون لأن الكلمة مشتقة من رأب بمعنى أصلح ؛ ومنها رأب الصدع ورأب الثأى وهو الفساد ؛ والمرأب بكسر الميم وهو الرأاب أيضا بفتح الهمزة مع التضعيف يقال للمشعب الذي يشعب الصدوع بمعنى يصلحها ؛ ويقال أيضا لمن يصلح بين الناس ؛ والرأب هو الشد والجمع وكلاهما يدل على الإصلاح
أما إذا كان المراد مجرد وقوف السيارات فاستعمال كلمة مرأب غير موفق وخير منها كلمة مستقر و كلمة مستودع فالأولى تحيل على قرار؛ والثانية تحيل على وديعة وهما معا يدلان على الحفظ ؛ وجاء في الذكر الحكيم قوله تعالى : (وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ).
والأمر الآخر وهو الذي أردت الإشارة إليه من خلال قضية مرأب ومأرب وهو الأهم قضية الاشتقاق الأكبر عند العلامة ابن جني الذي يقول :
( أقول إن معنى { ق ـ وـ ل} أين وجدت وكيف وقعت ؛ من تقدم بعض حروفها على بعض ؛ وتأخره عنه ؛ إنما هو للخفوف والحركة وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها ؛ لم يهمل شيء منها؛ وهي :{ قول /قلو / وقل / ولق/ / لقو/ لوق})
انتهى كلام ابن جني؛ فقوله: لم يهمل منها شيء يعني كلها مستعملة في اللغة؛ ومعلوم أن نظرية الاشتقاق عنده تقوم على المستعمل والمهمل أي الذي استعملته العرب واشتهر والذي أهملته فظن أنه غير موجود.
ويقول ابن جني بعد ذلك: ( الأصل الأول {قول} وهو القول؛ وذلك أن الفم واللسان يخفان له….؛ والأصل الثاني {قلو} ومنه القلو وهو حمار الوحش وذلك لخفته وإسراعه…. والأصل الثالث {وقل } ومنه الوقل ويقال للوعل وذلك لحركته…. والأصل الرابع {ولق } من ولق يلق إذا أسرع……والأصل الخامس {لوق } ومنه ما جاء في الحديث : " لا آكل من الطعام إلا ما لوق لي " بضم الواو أي ما أعملت اليد في تحريكه…. والأصل السادس {لقو } من اللقوة تقال للعقاب لخفتها وسرعة طيرانها ) انتهى ما اقتبسته من كلام ابن جني.
والملاحظ أن هذه المادة اللغوية {ق ـ و ـ ل } على اختلاف تراكيبها تدل على الحركة إذا اجتمعت حسب نظرية ابن جني .
فإذا ما اعتمدنا نفس النظرية في المادة اللغوية : { ر ـ أ ـ ب } التي استدرك علي أستاذ فاضل استعمال تركيب منها في غير ما عهد ؛ نلاحظ أنها تدل في التركيبين معا على نقص ؛ فالأصل الأول { أرب } ومنه الإرب والمأرب يدل على الحاجة والفقر وهما نقص ؛ والأصل الثاني { رأب } بمعنى أصلح وجمع وشد؛ ولا يكون ذلك إلا حيث يوجد النقص.
وعليه فالسهو في استعمال كلمتين من نفس المادة اللغوية نطقا أو كتابة يحيل على نظرية ابن جني التي تقوم على أساس اشتراك هذه المادة اللغوية في الدلالة على معنى واحد كيفما وقعت هذه المادة من حيث تقدم أو تأخر حروفها.وشكر الله الرجل العبق الذي عقب علي.والرجل العبق هو اللبق الظريف ؛ ورحم الله أبا


4 Comments
الاخ محمد شكرا على اثارتك لهدا الموضوع فلقد كانت فرصة مباركة للبحث عن هده المسألة في فقه اللغة والتي استطعت من خلالها أن أقف على بعض جوانب الموضوع. ومما وقفت عليه ان هناك نوعين من الاشتقاق لابن جني .يقول في الخصائص ودلك أن الاشتقاق عندي على ضربين كبير وصغير… لاحظ أن ابن جني لم يدكر مصطلح أكبر. ويقول السيوطي في المزهر وهدا مما ابتدعه أبوالفتح بن جني وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به وليس معتمدا في اللغة . انتهى .ادن ادا كان يعتبر شيخ أبن جني مدهب هدا الاخير -حسب السيوطي- ليس معتمدا في اللغة فما الدي يجعلنا نأخد به ؟ خصوصا وان القياس في اللغة غير معتبر وانما العبرة بالسماع أو النقل.
ومن المعلوم أن ابن جني لم يتجاوز أصول الكلمة ولم يتعداها الى الزوائد ق و ل مع تشكيلاتها الستة . بينما مأرب أو مرأب بها ميم زائدة .
قال الجرجاني في التعريفات -الاشتقاق الاكبر هو أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج نحو نعق من النهق.
-الاشتقاق الكبير هو أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب نحو جبد من الجدب ( الدالين معجمتين ).
الى اللقاء.
إلى السيد ي .ب المحترم
شكرا على تعليقك أولا
ألا ترى أنك إن أخذت برأي أبي علي ولم تأخذ برأي ابن جني لم تزد على اختيار رأي على آخر صح أم لم يصح ؟؟ والحالة أن ابن حني يمثل مدرسة كما يمثل شيخه أخرى
وبعد كان حديثي كان عن رأب وأرب وليس عن الميم في مأرب ومرأب
تنبيهك على الفرق بين الأكبر والكبير في الاشتقاق جميل .
وشكرا على التعليق الجميل
شكرا لك السيد الشركي على ما أفدت به من خلال بحثك في الاشتقاق عند ابن جني،ووددت اخي لو لم يكن الداعي الى هذه الافادة خطأ عارض-وارجح وقوعه سهوا- وذلك لسبب بسيط اخشى ان نقع فيه وهو الغرور والاعتداد الزائد بالنفس.وقد تتبعت الكثير من كتاباتك وردودك، ولا حظت ميلك الشديد الى الانتصار لما تريد ولو كان خطأ واقرب شاهد هو « مأرب ».أرجو الا تواجه نصيحتي التي تقبل الاقبال او الاعراض،بتعليق ناري يؤكد ما اشرت الله.نرجو الله ان يوفقنا الى ادراك عيوبنا.
إلى الأخ المتتبع أعوذ بالله من الغرور أنا لم أنكر وقوعي في خطأ مطبعي ولكن بدا لي ان اتحدث عن ظاهرة الاشتقاق عند ابن جني خصوصا وأن الظاهرة تتعلق بالاستبدال بين مادة لغوية واحدة هذا كل ما في الأمر ولست كما وسوس لك الشيطان معتدا بنفسي ولا مغرورا وما أنا إلا طالب علم متواضع المعرفة ولست عدوانيا وغنما أرد أحيانا على البعض بالمثل لأنبههم إلى عدوانيتهم وإلى أن الناس يستطيعون كيل الصاع صاعين غدا ما اعتدي عليهم
وصدق من قال : نحن قوم أبت اخلاقنا شرفا // أن نؤذي بالأذى من ليس يؤذينا
دمت متتبعا كريما