دور الاعتقادفي ضبط السلوك والعمل ( الحلقة الأولى)

دور الاعتقاد في ضبط السلوك والعمل ( الحلقة الأولى )
محمد شركي
من البديهي أن الإنسان يسلم تسليم اقتناع تام بوجوده ؛ وبوجود الوجود من حوله ؛ ولا ينكر أحد وجوده ولا الوجود الذي يحتضنه ؛ ومن فعل ذلك اتهم في عقله. ومن البديهي أيضا أنه لا يوجد من يجزم بأن له يدا في خلق ذاته أو خلق الوجود المحيط به. ومن البديهي أيضا أن تخطر ببال كل إنسان الرغبة في معرفة من أوجده ومن أوجد الوجود من حوله. ومن البديهي أيضا ألا تستقيم سوى فرضيتان لتفسير وجود الإنسان والوجود الذي يضمه وهما:
ـ فرضية الصدفة: وهي فرضية لا تكاد تثبت أمام الدقة المتناهية للوجود وتعقيداته مما يجعل حساب احتمالها ضئيلا جدا إلى درجة استحالتها عقلا ومنطقا.
ـ فرضية القصد : وهي الفرضية المرشحة للقبول لأن دقة صنع الوجود تؤكدها.
ولقد تعامل الإنسان منذ فجر التاريخ مع فرضية وجود من ورائه مقصدية ؛ ولئن اتفقوا على نسبة إيجاد الوجود لفكرة الطبيعة اللاهوتية ما دامت الطبيعة الناسوتية عاجزة فإنهم اختلفوا في ماهيتها وطبيعتها لهذا وجدت فكرة الآلهة المتعددة وفكرة الإله الواحد الأحد.
أما فرضية الآلهة المتعددة فلا يمكن أن تثبت لأن التعدد يفيد الاختلاف ؛ والاختلاف يؤدي إلى الخلاف ؛ والخلاف يحول دون وجود دقة متناهية في صناعة الوجود كما هو حال هذا الوجود لهذا تضمحل هذه الفرضية أمام العقل والمنطق. وأما فرضية الإله الواحد الأحد فتستقيم عقلا ومنطقا وتزكيها دقة صنعة الوجود.
فإذا ما اشتغل العقل الإنساني بطريقة طبيعية وسليمة انتهى إلى الحقيقة التالية :
الإنسان جزء من الوجود الموجود قصدا لا صدفة نظرا لدقة صنعته؛ وهي دقة توحي بصانع ماهر ذي طبيعة متميزة تعرف باللاهوتية وهو واحد لا تفسد صنعته صنعة شركاء معه.
هذه الحقيقة تعتبر اعتقادا ؛ وأصل الاعتقاد من العقد بفتح العين وتسكين القاف وهو نقيض الحل ؛ وككل الدلالات انتقلت دلالة العقد مما هو مادي ملموس ومحسوس إلى ما هو معنوي معقول؛ فالعقد يكون في الحبل وهو فتله وإبرامه من طاقين ؛ وهذه الدلالة المادية للعقد ؛ فإذا أبرمت الأمور المعنوية بين طرفين سميت أيضا عقودا كعقد البيع وعقد النكاح وهلم جرا وهي معاهدات . ومن العقود ما عقد على القلب والضمير؛ وهو ما كان بين الإنسان وضميره أو قلبه أي معاهدة مع ضميره وقلبه تقضي بالإقرار بشيء ما؛ ومن ذلك إقرار الإنسان بوجود موجد له وللوجود؛ وهو ما يسمى الاعتقاد أو العقيدة.
ويطلق في دين الإسلام على هذا الاعتقاد لفظ الإيمان لأن من اعتقد آمن بما يعتقد بمعنى صدقه وجزم به. ودين الإسلام جعل للإيمان أركانا وهي : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ وهي ستة أركان ذكر الخمسة الأولى منها في القرآن الكريم بهذا الترتيب ؛ وذكر الركن السادس مناع في الحديث المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عاين حوار جبريل عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان دورة تعليمية للصحابة من حلال حوار هادف يسأل فيه جبريل النبي أسئلة ظاهرها الاستفهام وباطنها التوكيد والقرينة على ذلك تصديق السائل للمسئول مما أثار انتباه وعجب الصحابي الجليل عمر بن الخطاب.
وترتيب أركان الإيمان له مقصدية حيث يترتب عن الاعتقاد بوجود الله عز وجل الاعتقاد بوجود ملائكة منهم من ينزل بكتب على بشر يسمون رسلا ؛ وفي هذه الكتب قصة البشر بداية ونهاية وهما صنفان من الحياة أولى فانية وآخرة باقية؛ وما بين البداية والنهاية قدر ؛ وهو فعل الله وحكمه وقضاؤه المتأرجح بين خير وشر لهما خصائص نوع الحياة من حيث الفناء والدوام.
ولا يستقيم إيمان إنسان إلا إذا أقر بكل الأركان. واستقامة الإيمان تفضي إلى استقامة الدين؛ وهو عند الله الإسلام الذي بني بدوره على أركان خمسة وهي: شهادتان بالله وبالرسول تنطقان باللسان؛ وصلاة وصوم وزكاة وحج تنجز بباقي الجوارح. والمتأمل في هذه الأركان يلاحظ أنها فروع لأركان الإيمان إذ لا ينطق بالشهادتين إلا مؤمن ومعتقد بما ينطق. فإذا نطق بالشهادتين أقر بركنين من أركان الإيمان الركن الأول وهو الإيمان بالله عز وجل؛ والركن الرابع وهو الإيمان بالرسل. وبالإيمان بهذين الركنين يكون الإيمان بباقي أركان الإيمان تحصيل حاصل إذ لا يؤمن بالله و بالرسل إلا من آمن بوجود ملائكة تنزل بكتب بأمر من الله على الرسل ؛ ومن آمن بأن مضمون الكتب عبارة عن حديث يتعلق بنهاية البشرية التي لها بداية ؛ ومن آمن بأن البداية والنهاية يحكمها قدر الله عز وجل وهو حكمه وقضاؤه بشقيه الخير والشر. وهكذا تتحقق أركان الإيمان كاملة من خلال ركن الإسلام الأول. ويتحكم الركن الأول من الإسلام في باقي أركانه إذ لا ينجز أعمال وإجراءات أركان الإسلام الأربعة الباقية إلا من أنجز الركن الأول منها . وأما أركان الإسلام الأربعة عدا الركن الأول منها فتتحكم في كل السلوكات البشرية إذ لا يمكن أن تكون هذه السلوكات إلا مسايرة لإجراءات الأركان الأربعة
فمن صلى وصام وزكى وحج ؛ وهي إجراءات يختلط فيها ما هو عملي : ( حركات ؛ وإمساك ؛ وسعي وطواف ؛ وإعطاء… إلخ) بما هو غير عملي :
( نية ؛ خشوع ؛ تدبر ؛ صبر ؛ تحمل ؛ إيثار ….إلخ ) . وعلى شاكلة هذه الإجراءات تكون باقي السلوكات البشرية لها جانبان عملي وغير عملي إذ لا يصدر عن الإنسان سلوك إلا وله خلفية ومقصدية ؛ لهذا تعتبر إجراءات أركان الإسلام ضابطا لباقي السلوكات وبواسطتها يتم تدريب الإنسان على السلوكات المقبولة من طرف الخالق الموجد. فمن قبل إجراءات أركان الإسلام كان على استعداد لقبول باقي الإجراءات التي أمر بها من طرف خالقه ؛ وهكذا يرتبط السلوك والعمل بالاعتقاد ؛ حيث يكون هذا الاعتقاد هو المتحكم في السلوك والعمل. ولا يمكن أن يستقيم إيمان بالله عز وجل وما يترتب عنه من إيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وبالقدر خير وشره مع القيام بأعمال لا يقبلها الله عز وجل ؛ ولهذا السبب وجد قانون المحاسبة ؛ وسمي اليوم الآخر بيوم الحساب؛ وجعل ركنا من أركان الإيمان ؛ وهو بمثابة ترهيب لتستقيم أعمال الناس وفق ضوابط ما قضى الله وقدر .


Aucun commentaire