واقع المنهاج من خلال واقع المتعلمين

هذه مداخلة الإشراف التربوي في ملتقى جمعيات مهنيي التعليم الأخير بمدينة وجدة.
إن اختيار الملتقى لشعار : أي منهاج لأية تنمية ؟؟ يدل على وعي كبير بإشكالية العلاقة الجدلية بين المجتمع والتربية. فالمجتمعات تراهن على التنمية من أجل المحافظة على بقائها. والتنمية تعتمد التربية أساسا من أسسها خصوصا وأن التربية تمد المجتمعات بترياق الناشئة رهان المستقبل.
والملاحظ أن المنهاج والتنمية مفهومان متقاطعان دلاليا؛ فالتنمية لغة من فعل نمى ينمى وينمو نميا بفتح النون وتسكين الميم و نميا بضم النون وتحريك الميم ونموا بمعنى زاد وكثر وارتفع واتسع أيضا
والشاعر يقول : يا حب ليلى لا تغير وازدد وانم كما ينمو الخضاب في اليد
والمنهاج في اللغة الطريق ومضمار السباق.
وعندما نجمع بين المفهومين لغة نجد أن التنمية وهي طلب الزيادة لابد لها من طريق وهو المنهاج.
وعندما يتعلق الأمر بتقويم المنهاج يكون قياسه هو ما يحدث في سلوك المتعلم من تغييرات معرفيا ووجدانيا ومهاريا. فالمنتوج البشري إن صح التعبير هو المعيار المعتمد للحكم على المنهاج. والحكم على المنهاج هو تثمين لأساس من أسس التنمية. ولما كانت التنمية عبارة عن فعل شامل ينشد الزيادة والكثرة والوفرة من أجل الارتقاء الذي يعود على العنصر البشري بالنفع في نهاية المطاف؛ فإنها تعتمد المنهاج كمؤشر من مؤشرات الحكم عليها. والمنهاج كغايات وأهداف ومحتويات وأنشطة ووسائل وأساليب تقويم….إلخ يمكن ملامسته من خلال المنتوج البشري الخاضع له.
وعندما نتأمل واقع منتوجنا البشري من خلال المعاينة الميدانية في شقها الإشرافي التربوي نسجل ما يلي:
ـ عدم انسجام المنتوج البشري مع غايات المنهاج الحالي المراهن عليه لبلوغ أهداف التنمية الشاملة من عدة جوانب ؛ وأخص بالذكر الغلاف الزمني للدراسة الذي يراهن عليه المنهاج وهو 34 أسبوعا والذي لا يتحقق عمليا بسبب الهدر المترتب عن الالتحاق المتأخر والانقطاع المبكر للمتعلمين م ؛ وهو ما يؤثر سلبا على سيرورة المنهاج وعلى المنتوج في نهاية المطاف.
ـ عدم بلوغ الجودة المنشودة على مستوى النتائج ؛ إذ لا زالت الأقسام المتميزة حكرا على بعض الشعب كالأقسام العلمية التحضيرية بالرغم من كون المنهاج بشر بأقسام تحضيرية في باقي الشعب أيضا.
ـ مفارقة نوعية المنتوج البشري لطموحات المنهاج سلوكيا ؛ فالملحوظ هو تمرد مجهول الأسباب للناشئة يأخذ شكل عدوانية ضد الفضاءات والمرافق التي يطالها التدمير والتخريب. وهذه الحالة في اطراد مستمر. وإلى جانب ثقافة العدوان توجد ثقافة التمرد من خلال زحف الآفات السلبية كتعاطي المخدرات؛ وممارسة التحرش بنوعيه على نطاق واسع. وكمؤشر على عدم الانضباط سلوكيا يمكن الإحالة على الكم الهائل من تقارير مجالس الانضباط سنويا؛ ومن خلال تقارير رصد عمليات الغش في الامتحانات مما اضطر الوزارة الوصية إلى تحيين مستمر للمذكرات الخاصة بالغش. وهذه الملاحظات المسجلة على مستوى سلوك المنتوج البشري كافية للحكم على مأزق المنهاج الحالي.
ـ نفور المنتوج البشري من التحصيل حيث يسجل نفور عام من حصص الدعم الرسمية المؤسسية ؛ ومن الأنشطة الموازية الهادفة مقابل الإقبال على الأنشطة الثقافية القليلة النفع والفائدة باستثناء بعض الأنشطة الرياضية . ومقابل النفور من حصص الدعم الرسمية تنشط السوق السوداء للدعم في غياب تفعيل مسطرة تقنين مذكرات الدروس الخصوصية . وقد عرفت بعض المؤسسات على سبيل الذكر لا الحصر أنشطة محسوبة على الأنشطة الموازية بنتائج عكسية؛ كما راجت أخبار مفادها المتاجرة بنقط المراقبة المستمرة في بعض المؤسسات للرفع من سقف المعدلات لولوج المراكز.
ـ نفور المنتوج البشري من الفضاءات الدراسية ؛مقابل الإقبال على أندية الأنترنيت وأماكن الألعاب الالكترونية علما بأن الوزارة الوصية ما فتئت تهلل لتغطية المؤسسات التربوية بالعدة المعلوماتية والربط بشبكة الأنترنيت ؛ وهو أمر لا يعدو الحبر على الورق في واقع الأمر.
ومما مضى نستنتج أن منهاجنا الحالي بالرغم من طموحاته نظريا يقف عمليا عاجزا عن استيعاب المنتوج البشري الكفيل بدخول رهانات الألفية الثالثة وما تقتضيه من مشاريع تنموية ضامنة للبقاء والمسايرة.
وإذا كانت مسارات المنهاج هي التغيير والتطوير والتحسين؛ فإنه لا مجال للحديث عن التطوير والتحسين بالنسبة لمنهاجنا إذ لا بد من تغيير على مستوى الجذر ؛ مادام التطوير والتحسين يكونان عند ما يتعلق الأمر بالحد الأدنى من المصداقية. وخروج المنهاج الحالي من مأزقه قد يكون عبر الانفتاح على المجتمع المدني لمعرفة حاجياته من المنتوج البشري ؛ والمجتمع المدني من خلال فعالياته يمكنه صياغة ميثاق آخر قادر على تقديم المنهاج المناسب للتغيرات المجتمعية المتلاحقة بوتيرة غير مسبوقة.
إن توحيد الرؤى بخصوص التنمية المنشودة الصادرة عن قناعة والتزام ؛ والبعيدة عن الإملاءات الخارجية المرتبطة بقضية الحجر الاقتصادي علينا و الذي لا يعدو عمليات جدولة الديون كفيل بإعطاء منهاج يسهم بفعالية في عملية التنمية.
وطالما ظل المنهاج بعيدا عن المساءلة العلمية الموضوعية التي تعتمد المنتوج البشري مؤشرا رئيسيا للحكم عليه ؛ فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه ؛ وقاطرة التنمية لن تبرح مكانها بمنتوج بشري يجسد الفشل بشكل ملحوظ إلى درجة اليأس عند الناشئة التي تدير أعناقها نحو الشمال الأوربي لتكون مادة خاما للعمالة الرخيصة عوض تبوأ المكانة المرغوبة فيها للنهوض ببلد يستحق الكثير من أبنائه ؛ وهم سلالة قوم كانوا معبر الحضارة إلى الشمال المتنكر للجميل بالرغم من شهادة تاريخ لا يكذبه إلا معاند وجاحد.


1 Comment
فعلا اساذي الفاضل،فمنهاجنا التعليمي لم يرق بعد الى الطموحات المنشودة ،فحين نتفحص الميثاق الوطني و تقرأه بتأن و تمعن ،تتصور أنك ستخلق من واقعنا التعليمي مدينة فاضلة و أن متعلمينا هم خير متعلمي الدنيا،لكن الحقيقة عكس ذلك .فقد كثر الحديث عن تطور أساليب اغش لدى المتعلمين ناهيك عن الممارسات العدوانية و التخريبية على كل ماله علاقة بالتعليم و المدرسة.فلا شك أن استيراد النظريات دون اشراك الفاعلين الحقيقيين و أعني بهم من له صلة مباشرة بالمتعلمين ،من يمارسون مهنة التعليم عن كثب ،لا من يجلسون للتنظير و التزمير لكل نظرية غربية لم تنجح في بلادها لتطبيقها على فئران التجارب عندنا،فبالله عليكم في بعض المناطق القروية يتعنت المدير و المفتش في تكييف استعمال الزمن ليستفيد المعلم و التلميذ ،لا لشيئ الا تعنتا و حا في انا الشاف.
فحين نصل الى تكييف برامجنا مع حال واقعنا و نحاول الصعود درجة بدرجة أنذاك قد نساهم في التنمية .