قراءة في كتاب : حزب الله وسقط القناع لصاحبه أحمد فهمي( الحلقة الرابعة )

في الفصل الثالث تحت عنوان : لعبة الشطرنج الصفوية ينطلق الكاتب من عبارة صرح بها فؤاد السينيورة رئيس حكومة لبنان وهو يعبر عن غضبه من تحويل لبنان إلى ساحة مبارزة بين أمريكا وإيران حيث يقول : ( السيد خامنئي قال قبل أسابيع نريد أن نهزم أمريكا في لبنان فهل لبنان بوابة من دون مفتاح؟) ؛ ويطابق الكاتب بين هذا الكلام وكلام الرئيس الإيراني أحمدي النجاد حيث يقول : ( العدوان الإسرائيلي ضد حزب الله جزء من إستراتيجية أوسع وأولئك الذين شنوا العدوان يعتقدون أنه إذا سقط حزب الله فإن قوة أخرى ستسقط وبينهما سوريا ).
ويعلق الكاتب بقوله : بأننا أمام مباراة سياسية بين قوة إقليمية لها مطامع ومطامح ؛ وقوة عظمى لها مصالح وتريد تمرير إستراتيجية جديدة في المنطقة . إن الوضع أشبه بحرب باردة وهي مباراة تتم على ساحات الآخرين.
ومن أجل توضيح لماذا صار لبنان ساحة نزال يستعرض الكاتب المنظور الأمريكي لإيران ؛ وهو منظور يتعلق بمعادلات التوازنات الإقليمية ؛ وهي معادلات تصاغ حسب محصلة القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية لكل دولة إلى جانب عوامل أخرى . وعندما تختل معادلة التوازن تحدث الحروب من أجل ظهور معادلة جديدة.
ويذكر الكاتب أن إسقاط الولايات المتحدة للنظام العراقي أحدث خللا خطيرا في توازن المنطقة ؛ ولم تتم معالجة الخلل لحد الآن إلا عن طرق الوجود العسكري الأمريكي المكثف.
ويرى الكاتب أن الحرب العراقية الإيرانية بالرغم من كل خسائرها الرهيبة على الجانبين فإنها كانت تحقق التوازن الذي تريده أمريكا . وبعد أبريل 2003 تركت واشنطن الخلل في التوازن مما دفع يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني السابق للقول : ( كيف تحولت أمريكا دون إرادتها وعن طرق سياستها إلى عميل يخدم المصالح الإيرانية ؟ ) .
ويرى الكاتب أنه لا يمكن فهم مسارات الأحداث في المنطقة دون فهم إشكالية العراق حيث تثار عدة تساؤلات حائرة: ماذا تريد أمريكا من العراق ؟ وماذا تريد من إيران ؟ ودون الخوض في الإجابات ينطلق الكاتب من فرضية مفادها أن مصالح أمريكا تتوافق مع استقرار نظام موال لها في العراق ؛ ويحاول معالجة هذا الافتراض؛ فوجود حكومة مستقرة في بغداد تحقق رضى نسبي للعرب السنة ؛ واكتفاء الأكراد مؤقتا بالحكم الذاتي مما ينتج عنه انتفاء الحاجة إلى وجود قوات أمريكية في العراق مع تراجع في دواعي زيادة القوات الأمريكية في الخليج ؛ وتراجع ميزانية الدفاع ؛ واستقرار في منطقة الخليج ؛ وتراجع أسعار النفط ؛ ومن ثم اقتراب استثمارات نفطية هامة في مناطق مختلفة من العالم بإمكانه إنقاذ أمريكا من وضعها الحرج والذي سببه مساواة تكلفة الإنتاج النفطي مع عوائده.
ويذهب الكاتب إلى أن كلا من إيران وأمريكا تتفقان على أهمية الفوضى النسبية في العراق؛ والخلاف بينهما ليس في كيفية تحقيق الاستقرار في العراق بل في كيفية إدارة الفوضى فيه . كما يرى أن أمريكا تنظر إلى إيران من حيث هي نظام ودولة وجغرافيا ؛وهنا يتساءل الكاتب هل النظام الذي تريده أمريكا في إيران ديني معتدل أم علماني ؟ وهل الدولة التي تريدها مركزية أم مفككة على نمط أفغانستان والعراق؟
وهل تبقى حدودها على ما هي عليه أم تتغير ؟
وكجواب على هذه الأسئلة يرى الكاتب أن المحظور الأمريكي هو خيار تفكيك إيران كليا خاصة فيما يتعلق بحدودها الشمالية لأن ذلك يفتح منفذا لروسيا نحو المياه الدافئة في الخليج ؛ وتاريخ إيران القديم مع روسيا لا يشجع على هذه المغامرة ؛ وهنا يذكر الكاتب بقول لخروتشوف الزعيم السوفياتي وجهه لشقيقة الشاه أشرف بهلوي يقول فيه : ( إن إيران قد أخطأت حينما اختارت التحالف مع أمريكا ؛ وإنه سيأتي اليوم الذي تكتشفين فيه أنني كنت على صواب وأنك والشاه مثل التفاحة التي ستسقط يوما حين تصل حالة من النضج وسيأتي سقوطها في أيدي السوفييت ) .
ويرى الكاتب أن الاضطرابات العرقية هي إحدى الوسائل المتاحة لأمريكا من أجل زعزعة الاستقرار في إيران حتى تؤمن مصالحها ؛ وهي تجتهد منذ سنوات لفتح قنوات اتصال مع أغلب الجماعات العرقية الإيرانية المعارضة للنظام الإيراني ؛ ويستشهد الكاتب على ذلك بقول قائد الحرس الثوري اللواء يحيى رحيم صفوي الذي يقول : ( الولايات المتحدة تسعى بوجودها في العراق وأفغانستان إلى التآمر ونشر عدم الاستقرار في إيران وتريد تشجيع الاضطرابات ذات الطابع العرقي في بلادنا ). ولا يستبعد الكاتب أن تحاول واشنطن فتح ملفات أمنية قديمة ضد إيران وتضخيمها على غرار قضية طائرة لوكربي ؛ وهناك عدة قضايا صالحة للاستخدام في هذا الإطار منها قضية تفجير السفارة الإيرانية في الأرجنتين .
ويرى الكاتب أنه يوجد في دهاليز السياسة تناقضات لهذا فلا غرابة في أن تنشأ سبل للتعاون بين دولتين في الوقت الذي تخطط كل واحدة منهما لإزاحة الأخرى ؛ ويضر ب على ذلك مثالا من نظام إيران السابق الذي كان حليف أمريكا الثاني بعد إسرائيل ومع ذلك كانت تخطط للإطاحة به ؛ ويستشهد على ذلك بقول الشاه : ( إنني الآن أرى كل شيء بوضوح لقد صدقت الغرب كالأعمى ) .
ويرى الكاتب أن الجهد الأمريكي قد أثمر حيث بات الحديث في الأوساط العربية عن مشروعين يتناطحان ؛ ويستشهد بقول أحد المتحمسين للمشروع الأمريكي في ثنايا الترهيب من المشروع الإيراني وهو مأمون فندي : ( سؤالي الواضح لأي قارئ عربي اليوم لا مواربة فيه وبدون لف أو دوران هل أنت مع المشروع الأمريكي الذي يريد إعادة رسم خريطة المنطقة العربية من الخارج ؛ أم أنك مع المشروع الإيراني الذي يهدف إلى تقويض العالم العربي من الداخل ؟ )
ويرى الكاتب أن ما يدعو أمريكا للتفكير في إعادة ترسيم المنطقة هو أنها كانت قبل 100 عام ذات حدود أخرى ؛ ومع الاكتشافات البترولية الحديثة التي ترفع من مستوى الاحتياطي الإيراني تأتي الرغبة الأمريكية في إعادة رسم الحدود خاصة في منطقة الأحواز العربية ؛ وهي منطقة البترول ؛ فالمنطقة الممتدة بين ضفتي الخليج العربي شرقا وغربا وإلى جنوب العراق هي بيت القصيد ؛ ومن أجلها تسعى أمريكا إلى إعادة تشكيل المنطقة من أجل المزيد من الدول البترولية ذات السيادة المنتقصة.
ويرى الكاتب أن هنا يأتي دور نظام ولاية الفقيه خصوصا وأن أمريكا تفضل نموذج نظام الزعامة الثورية لإحداث خلل في معادلات التوازن كما فعلت مع عبد الناصر وصدام حسين ؛ وهو ما تريد فعله مع نظام ولاية الفقيه ولكن ليس قبل معادلة القوة الإيرانية بقوة أخرى في المنطقة والمرشح لذلك هو إسرائيل التي تدفع لمواجهة مخاطر الهلال الشيعي الإيراني.
ويسوق الكاتب رأي مأمون فندي مرة أخرى والذي يقارن ين خطر إسرائيل وخطر إيران ؛ فيرى أن الخطر الإيراني أشد لأنه يمتد إلى العالم العربي كله بينما خطر إسرائيل يقتصر على فلسطين ولبنان.
وينتقل الكاتب إلى المنظور الإيراني لأمريكا فيبدأ برأي هاشمي رفسنجاني الذي يرى أن الولايات المتحدة هي البلد الأهم في العالم ؛ وأن إيران هي البلد الأهم في المنطقة ؛ ومن المنطقي في رأيه أن يسويا مشاكلهما. ويعقب الكاتب بأن رفسنجاني الملقب بالثعلب يعبر عن تيار يؤمن بالمرونة مع أمريكا ؛ ويذكر بأنه قد حظي بدعم أمريكي خلال صفقة إيران جيت المشهورة ؛ وتيار رفسنجاني يسميه المحافظون مثلث اللؤم . ويرى الكاتب أن الكثير من الإيرانيين يعتبرون الانبعاث الشيعي الحالي غير متعارض مع المشروع الأمريكي ويستشهد على ذلك بقول والي نصر وهو أكاديمي إيراني في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ؛ وهو صاحب كتاب الصحوة الشيعية : ( إن الصحوة الشيعية هي السد المنيع في مواجهة التطرف السني في المنطقة) ويضيف الكاتب إن هذا الأكاديمي الإيراني يدعو الغرب إلى التعامل مع هذه الصحوة على أنها حليف وليس عدو في مواجهة التطرف السني ).
ويعقب الكاتب بقوله إن المشروع الإيراني يبدو قنبلة موقوتة قادرة على تفجير المنطقة دون أن يعني ذلك بالضرورة أن إيران هي المستفيد الأول. ويرى أن إيران قد تكون آخر المستفيدين نظرا لبعض العوامل منها سباق التسلح الذي كان عملية استدراج أمريكي للاتحاد السوفياتي من أجل انهياره. ويضاف إلى ذلك أن اقتصاد إيران يقوم على النفط الذي تذهب عائداته إلى دعم السلع الأساسية وسد الديون. وبعد الحديث عن التهديد الإيراني للغرب بورقة النفط يرى الكاتب بوادر أزمة إيرانية حادة في الأفق ذلك أن الجهد النووي حاليا الغرض منه تكوين درع حماية ذرية لتعويض درع الحماية النفطية الذي يتوقع سقوطه قريبا إلى جانب التعويل على الدرع السياسي من خلال نفوذ الأقليات الشيعية ؛ وهنا يسوق الكاتب رأي الصحفي الأمريكي البارز كريستوفر ديكي : ( إستراتيجية طهران هي تأكيد حماية النظام بدرع دبلوماسي أو نووي أو بالإثنين معا قبل أن يضعف درع البترول ). ويقدم الكاتب تفسيير هذا الصحفي لانهيار درع البترول الإيراني بقوله ( في عام 2005 بدأ السعوديون برنامجا يقدر ب 50مليار دولار لزيادة إنتاج النفط ؛ وفي صيف 2009 فإنهم يعتزمون أن يزيدوا طاقاتهم الإنتاجية من 11 مليون برميل يوميا إلى 5؛12 مليون برميل الأمر الذي سوف يسمح لهم بوضع احتياطي يقدر ب 3 ملايين برميل ؛ وعندما يتححق هذا الفائض العالمي في القدرة الإنتاجية فإن أسعار البترول العالمية سوف تكون أقل حساسية لتوقف إنتاج إيران بصورة تامة ؛ وهو ما يعني أن تهديد إيران بوقف إنتاج نفطها لا جدوى منه ؛ كما أن تهديدها بوقف التصدير من الخليج يقابله زيادة القوات الأمريكية في الخليج ) . ويؤكد الكاتب هذا الطرح من خلال رأي بيير ترزيان مؤسس جماعة إستراتيجية البترول الباريسية : ( هناك فرصة لمدة عامين أو ثلاثة أعوام على الأكثر لتظل إيران محتفظة بهذه الحماية التي يوفرها لها البترول ؛ لذلك فإنها تسرع في تطوير برنامجها الذري قبل أن تفقد الدرع البترولي ). وفي هذا السياق يسوق الكاتب قول الخامنئي : ( إنه لدى كوريا الشمالية قنبلتان أو ثلاث ذرية لهذا لا تستطيع أمريكا أن تفعل شيئا معها فهكذا إذا كانت لدينا قنبلة أو ثلاث أو أربع فإن عمر الثورة سوف يستمر إلى الخمس وعشرين سنة أخرى) ويعقب الكاتب بقوله لهذا يقول أحمدي النجاد إذا كانت هناك ضمانات من أمريكا بأنها سوف تتخلى عن خططها ضد نظامنا فإننا سنقبل بإيقاف عملية تخصيب اليورانيوم .
ويرى الكاتب أن شعور إيران بالخطر جعلها تفكر في درع سياسية تتكون من محور روسي صيني ومحور سوري ؛ وأقليات شيعية. ومن هنا ينتقل الكاتب إلى محور الأقليات الشيعية والتي على رأسها حزب الله اللبناني ؛ وهو الأداة الرئيسية للمشروع الإيراني في المنطقة ؛ ويسوق الكاتب قول علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الحالي : ( إنه إذا تعرضت إيران لهجوم فستفتح جبهة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة ؛ وأنه هناك حلفاء للجمهورية الإسلامية في أفغانستان والعراق يمكنهم إشعال بعض الحرائق ضد الولايات المتحدة وحلفائها هناك ) .
ويخلص الكاتب إلى تحليل العلاقة بين إيران وحزب الله ؛ ذلك أن إيران نقلت تجاربها وخبراتها في الثورة إلى الحزب ويسوق في هذا الصدد قول السفير الإيراني في بيروت حجة الإسلام فخر روحاني : ( لبنان يشبه الآن إيران عام 1977 ولو نراقب ونعمل بدقة وصبر فإنه إن شاء الله سيجيء إلى أحضاننا ) كما يسوق قول أحد الباحثين المتخصصين في حزب الله وهو مارتن كريمر : ( للوهلة الأولى قد يصعب على المراقب غير المتمرس أن يميز بين تظاهرة يقوم بها حزب الله في بيروت ؛ وبيت تظاهرة مشابهة تجري في طهران إذ إنه من ناحية التأثر بالطراز على صعيد الزي الخارجي والمظهر الشخصي على سبيل المثال يلاحظ أن النموذج الإيراني له تأثير قوي وبديهي على عناصر حزب الله ).
ويذهب الكاتب إلى أن كل تغيير يطرأ على إيران يوجد ما يقابله عند حزب الله ؛ فالاتجاه البراغماتي بعد هزيمة إيران مع العراق جعل الحزب يعدل من مواقفه لمسايرة النظام الإيراني ؛ ومن آثار التحولات على الحزب وقف الحرب مع حركة أمل الشيعية بمجرد خضوع سوريا لشروط إيران ؛ وهكذا تحول الحزب من شعار الجمهورية الإسلامية في لبنان إلى شعار المقاومة الإسلامية في لبنان. ويرى الكاتب أن طرد صبحي الطفيلي من حزب الله بعدما كان أمينا عاما له جاء على خلفية تعديل الحزب لمواقفه لتصير مسايرة لخط السياسة الإيرانية وشبه الطفيلي بحسين منتظري المعارض لخط الخميني . ويذكر الكاتب أن التحولات في مواقف الحزب كانت أحيانا تأتي عن طريق الفتاوى المباشرة مت علي خامنئي مثل تحسين العلاقة مع سوريا. ويسوق الكاتب شهادة تؤكد تشبث حزب الله بإيران وهي لحسن نصر الله الذي خلف عباس الموسوي على رئاسة الحزب وقال في مناسبة تشييع جنازته : ( إننا إذ نودع شهيدنا الكبير وزوجه وطفله نؤكد لروحه الطاهرة ولأمتنا وشعبنا المظلوم أنن سنكمل طريقه ونتابع نهجه نهج الخميني والخامنئي وستبقى الثوابث هي الثوابت لن نتزحزح عنها ولو قطعنا ومزقنا وارتكبت في حقنا أبشع المجازر ).
ويختم الكاتب فصله بالقول من يدفع يملك الولاء؛ ومن يدفع ويسلح يملك ولاء أكثر؛ وأما من يدفع ويسلح ويفتي فهو يملك السمع والطاعة في المنشط والمكره؛ وهذا هو حال حزب الله.


Aucun commentaire