محمد بنعمارة الشاعر الذي يحمل الزهور إلى قبورنا

الدار البيضاء: جلال الحكماوي
كيف ينظر المغرب إلى شعرائه؟.. سؤال قد يبدو غريبا في زمن عولمة مهرولة نحو الآفاق التي تتحرك إلى المجهول. يرحل الشعراء والكتاب وتبقى نار الأسئلة تلتهم كبد البلاد. فهل تفترس هذه البلاد الشعراء كما تفترس القطة أبناءها؟، ربما. وهل حال المغرب يختلف عن المشرق؟، في الواقع، لا. فكلنا في الهم شرق. فبين رحيل الشاعر المغربي محمد بنعمارة، واحتضار رائدة الشعر العربي الحديث، نازك الملائكة، في مصر، ثمة خيط رابط هو عمى المجتمعات العربية حيال مبدعيها، وذاكرتها ومستقبلها.
يؤلمنا دائما رحيل الشعراء، لا سيما إذا كان هؤلاء، يشتركون معنا في شمس هذه البلاد وليلها، في حلوها ومرها، في حبها والغضب منها. بلاد كل منا يعشقها بهواه. هكذا رحل شاعر آخر في مغرب اليوم من دون أن ننتبه إلى أفول نجمه الإنساني بعد أن عانى الوحدة أمام مرض العصر. محمد بنعمارة، ليس في حاجة إلى رثاء المناسبات، بل في حاجة إلى حق الذاكرة الثقافية فيه وفي غيره من الكتّاب المغاربة الذين ابتلعتهم لعبة النسيان المؤسسية. فنحن نعرف إلى أين ذهب الشاعر حاملا الزهور إلى قبره، لكن من أين أتى حاملا أيضا الزهور إلى الآخرين؟.
ولد الشاعر محمد بنعمارة بمدينة وجدة، شرق المغرب، سنة 1945، وتلقى تعليمه بوجدة والرباء ثم فاس، التي حصل من جامعتها على دكتوراه الدولة عن أطروحته «الصوفية في الشعر المغربي المعاصر، المفاهيم والتجليات». وهو من الشعراء المغاربة الذين مارسوا حفريات ذكية في خرائطية الشعر المغربي الحديث، التي انبنت على جذور التراث العربي الهائل من دون أن تقطع مع بهاء الماضي لاستشراف آفاق مستقبل القصيدة المتعدد. هذا الخيط الرفيع الذي نظم مقاربته للمتن الشعري المغربي، تخلل أيضا تجربته الشعرية الشخصية الناهلة من مرجعيات «التراث الإسلامي». وهكذا شيد صوتا مميزا عبر دواوينه الكثيرة مثل «الشمس والبحر ووادي الصمت»، «نشيد الغرباء»، «مملكة الروح»، و«السنبلة».. مازجا بين الشكل التقليدي وقصيدة التفعيلة. كما أنه بلور رؤيته النقدية في كتب ساهم بها في إثراء النقاش القليل الدائر حول الشعر المغربي الحديث. فأصدر «الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر»، و«الصوفية في الشعر المغربي المعاصر»، مضيئا بذلك مسارا جانبيا من دينامية التفكير النظري في أصول القصيدة المغربية الحديثة. وبالإضافة إلى مزاوجته بين الإبداع والتنظير، ساهم محمد بنعمارة يرحمه الله لسنوات عديدة، في توجيه الناشئة التي اختارت مغامرة الكتابة الأدبية في برامجه الإذاعية المعروفة كـ «حدائق الشعر»، الذي دام ثلاثين سنة، و«إضمامة شعر»، و«أذواق وأشواق»..
رحل الشاعر، إذن، تاركا وراءه أسئلة معلقة ترتبط بمآل الأدباء الذين تمتحنهم الحياة بتجارب جسدية صعبة، تجعلهم ينعزلون في بيوتهم أمام صخب العالم المار جوارهم من دون أن يعيرهم اهتماما يذكر. فكيف عاش الشاعر هذه المحنة؟، يقول محمد بنعمارة يرحمه الله في حوار ضمن ملف خصصه له الملحق الثقافي لجريدة العلم: «المؤسسات الحكومية.. متجاهلة تدّعي ما لا تفعل، وتقول ما لا تنجز، والدليل أن حالتي معروفة عندهم غير أنهم لم يجسموا أنفسهم ما يستحقه الأمر من حزم، وبالمناسبة لا يفوتني أن أشيد وأشكر الشاعر المغربي الكبير والإنسان العظيم في أخلاقه، محمد بنيس الذي بذل جهودا جبارة لا أنساها على الإطلاق». فأمام صمت وزارة الثقافة والزيارة المتأخرة لاتحاد كتّاب المغرب ـ حسب المرحوم دائما ـ تبقى حلقة الأصدقاء المقربين من الشاعر كأحمد شراك ومحمد المعزوز وإدريس كثير وجمال بوطيب، هي التي خففت عنه قليلا قساوة اللامبالاة التي عانى منها، في آخر أيام مرضه. غير أن هؤلاء لا حول ولا قوة لهم أمام ضخامة مصاريف العلاج التي كانت تتطلبها حالة الشاعر. فجاء المرض اللعين سريعا واختطف الشاعر في رمشة عين من حضن أسرته الصغيرة والكبيرة وترك الجميع كالأيتام في مأدبة اللئام. فما جدوى أن تكتب في وطن عربي لا يرى فيه الكاتب بالعين المجردة رغم الداء والأعداء؟..
الجواب غير ممكن، طبعا. والسؤال الذي ينبغي التفكير فيه، هو: كيف يمكن للدولة أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من أرواح حملة ذاكرة ثقافية مستقبلية يتهددهم الموت والمرض باستمرار؟ وما هي أولويات جمعيات الكتّاب مثل «اتحاد كتّاب المغرب» أمام ما يحدث؟.. إنها أسئلة استراتيجية ينبغي أن تشكل عصب المعركة المقبلة للكتّاب المغاربة والعرب، حتى لا يبقوا عرضة لعاديات الدهر ولفانتازيا المؤسسات الرسمية.. فوداعا أيها الشاعر الذي حمل الزهور إلى قبورنا.


1 Comment
mr ben-ammara etait mon professeur d’arabe au lycée abdelmoumen, il faut dire que des personne comme lui , il y en pas beaucoup, il etait trés attaché à sa poesie et j’ai eu beaucoup de chance en l’ecoutant reciter ces poeme devant nous ces eleves, son emmission à la radio de oujda les jardins de la poesie etait largement suivi! j’en profite pour presenté mes sinceres condoleance à toute sa famille s, ses amis et ses proches.cette triste nouvelle je ne l’ai appris qu’aujourd’hui en lsonsultant oujda city .allah yarahmakke ya ssi mohamed-