ما أعظمك يا شعب الكنانة

لقد دخلت الثورة المصرية ثورة 25 يناير التاريخ من أوسع أبوابه..وحتما ستدرس في أكبر جامعات العالم. وذلك لكونها كانت ثورة تميزت بمجموعة من الخصائص. وقبل الحديث عن هذه الخصائص لابد أن نشير أولا إلى أننا شاهدنا مرارا وتكرارا عندما يضرب زلزالا في أمريكا أو تقع كارثة طبيعية إلا وهرول الأمريكيون إلى سرقة المتاجر والدكاكين وقد رأينا أمريكيين يحملون تلفازات وأمتعة وهم يعدون في الشوارع بكل وقاحة وجرأة. ولهذا عندما نقول أن ثورة 25 يناير ثورة متميزة وأن أول ما ميزها كونها دلت على أن العرق دساس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أن هؤلاء الثوار من نسل الحضارات العريقة وبلادهم بلاد الكثير من الأنبياء الأطهار والثائرين على الظلم والفساد والبغي..
إن مما تميزت به ثورة 25 يناير هو القدرة على تنظيم ذاتها بذاتها وهذا التنظيم كان يعد من ربيع المستحيلات. لأن التحكم في جماهير مليونية غفيرة وسهرها في بوثقة واحدة تنظيمية واتفاقها العام على عدم الهدم وعدم التكسير وعدم السرقة وعدم الخروج عن جادة الصواب لهو أمر يثير العجب.
وحتى نعرف مكمن الإعجاز لابد أن أذكر أننا نحن في المغرب تم الاتفاق على مظاهرات سلمية وتم التنظيم لها مسبقا بحوالي شهر أي لم تكن لا عفوية ولا تلقائية كما هو الشأن بالنسبة لثورة 25 يناير إذ وجد الشعب نفسه مؤيدا للشرارة الأولى فخرج من منازله محتجا ومعتصما وأثناء الاعتصامات والمسيرات تم التوالم تلقائيا على نهج السلوك الحضاري حيث مصر عزيزة وغالية ولا يمكن تدميرها أو مسها بسوء. وفعلا في يوم الأحد 20 فبراير خرج الآلاف من منازلهم بلافتاتهم المعدة سلفا في الكثير من المدن المغربية والعدد لم يصل المليون بل هو محصور في مجرد آلاف فقط..ورغم ذلك لم يستطع المنظمون ضبط المتظاهرين فخرجت الأمور عن السيطرة ووقع انفلات في مجموعة من المدن مثل مدينة الحسيمة التي سقط فيها خمس ضحايا تفحموا تماما وقتيل في مدينة صفرو كما وقعت انفلاتات في مدينة مراكش وطنجة وتطوان والعرائش وزاكورا و كلميم إذ عرفت هذه المدن التعدي على الممتلكات العامة والخاصة بشكل وحشي. إذن اتفقنا أن التحكم في كم جماهيري مليوني يعد ضربا من الخيال. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تم ضبط هذه الثورة المليونية في نسق واحد منظم وكأنهم مجرد عشرات من الأشخاص.
الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى كثير تخمين لأن الإنسان المصري الذي ظن العالم بأنه قد مات وما عادت له كرامة ولا أنفة..وأنه دجن من طرف النظام المصري الصهيوني وانتهى أمره.
.إن هذا الإنسان المصري عبر بالملموس أنه حي وأنه من طينة خاصة أي إنه ابن الحضارة والأنبياء..وأنه ابن أولائك الأشداء الذين بنوا الأهرامات في زمن لم تكن لهم إلا سواعدهم العارية وها هم الأحفاد بنفس السواعد العارية والصدور المكشوفة التي بها تحدوا رصاص البلطجية العملاء ولم يخافوا الموت ولا التقتيل والفتك فأسقطوا أعتى نظام عربي مدجج بكل الإمكانيات على رأسها الدعم الدولي الأمروصهيوني اللامشروط.
ومما ميز هذه الثورة العظيمة كونها حافظت على نفَسها فوضعت خططا تنظيمية وفي كل اعتصام أم مسيرة شعار وأهداف فمن جمعة الغضب إلى جمعة الرحيل إلى الزحف نحو مرافق الدولة من إذاعات ووزارات وقصر..ولعلها أول ثورة معاصرة لعبت فيها خطبة الجمعة دورا مهما حيث وحدت الصفوف وشحنت الهمم والطاقات وأمدت الثوار بالعزم والقوة من أجل الاستمرارية حتى النصر..كما أنها ثورة امتازت بامتصاص العنصرية والطائفية فوحدت بين المسلمين والأقباط وفتحت المجال للقداس تماما كما فتحت المجال لخطبة الجمعة..وبهذا المنهج افتضح أمر النظام الذي كان يفجر الكنائس لخلق الفتنة والصراع بين المسيحيين والمسلمين في إطار التوازن الذي تقوم عليه الكثير من الأنظمة الطاغوتية المستبدة.
إن ثورة 25 يناير لم تكن ثورة عادية. ويكفيها شرفا أنها صنعت الوعي السياسي في الشعب المصري في ظرف وجيز حتى صار الطفل والشاب والمرأة والرجل وحتى الكهول يهتمون بمجريات الأمور ويطالبون بسقوط النظام وصار لهم رأي في كل صغيرة وكبيرة تقع في مصر الحرة الأبية. ولا أدل على هذا الوعي السياسي كون الشعب المصري لحد الآن لازال بالمرصاد يحمي ثورته من أن يمتطيها الممتطون أو يسرقها الأعداء المتربصون.
.وها هي ساحة التحرير لا تزال مهيئة لاستقبال الاعتصامات المليونية لتطالب بسقوط ما تبقى من أذناب هذا النظام البائد كما تطالب بحقها المشروع في محاكمة الخائن.
إن ثورة 25 يناير هذه الثورة التي امتازت بكونها ملهمة للشعراء والفنانين والأدباء، حيث حولت ساحة التحرير إلى أكبر ساحة فنية في العالم إذ فتحت الثورة المجال على مصراعيه لتلعب الكلمة الشعرية دورها فتربط بين الحروف والكلمات لتخرج مقفاة نارية كالرصاص لتصوب طلقاتها مزغردة في قلوب الطغاة، ولتعبر المسرحية عن حق الشعب في الحرية والعزة والكرامة..ولتطلق العنان نحو النكتة السياسية فسحة في قلوب الثوار ساخرة من العهد البائد وأذناب الاستعمار. إن ثورة 25 يناير ثورة انتصر فيها الدم على السيف، ثورة كتب شهداؤها بدمائهم الزكية نهاية الطاغية الذي ظل يتسلط على العباد وينهب خيرات البلاد منذ ثلاثة عقود، هرب ثروات مصر على حساب شعب هو خير الشعوب..شعب يستحق كل حياة كريمة وكل عيشة مشرفة تتناغم وعزة نفسه وإبائه وأنفته..ما أعظمك يا شعب مصر..لقد جعلت كل شعوب العالم تحلم وتتمنى لو كانت مصرية تنتمي لأرض الكنانة.




Aucun commentaire