محاولة إجهاض التظاهر السلمي الحضاري عن طريق الشغب الغوغائي

لا شك أن الوصول إلى درجة التظاهر السلمي المقبول من طرف المتظاهرين والسلطة على حد سواء هو مكسب من مكاسب الحريات العامة ، ومظهر من مظاهر الحياة الديمقراطية الغائبة في العديد من البلاد العربية ، ذلك أن بعض الأقطار لم تسمح أصلا بالتظاهر بذريعة منع الشغب . وبالرغم من التزام السلطات المغربية باحترام التظاهر السلمي فإن بعض الجهات أساءت إلى هذا التظاهر من خلال استبداله بالشغب الغوغائي الذي لا مبرر له إذ العادة أن الشغب يكون نتيجة منع السلطات للتظاهر السلمي . وما حدث في بعض المدن المغربية من شغب غير مبرر يدعو للأسف لأنه إنما أجهض التظاهر السلمي الحضاري الذي هو مكسب شعبي ينقل الشعب المغربي إلى مرحلة تاريخية مهمة في طريق الانجازات الديمقراطية . وأخوف ما نخافه أن تكون العناصر التي أثارت الشغب نوعا من البلطجية على حد قول الأشقاء المصريين الذين سخرتهم الجهات الفاسدة المفسدة في السلطة والتي رفعت ضدها الشعارات لأنها المستفيد الأول من الشغب الذي يقتضي بالضرورة المعالجة الأمنية ، وهي معالجة ثبت أنها مغامرة غير محمودة العواقب في البلاد العربية التي شهدت تظاهرات شعبية عنيفة . وقد يكون غرض المفسدين من أصحاب المصالح محاولة توريط قوات الأمن في صدام مع الشعب واستغلال ذلك لصالحهم . وأعتقد أن عصر التحايل على الشعوب قد ولى لأن الوعي العربي قد بلغ درجة لا تراجع فيها من النضج والوعي أذهل العالم كله خاصة الغربي الذي كان يستخف بالإنسان العربي ويعتبره نموذجا للتخلف وقبول الاستعباد .
ولقد صارت الشعوب العربية واعية بأن التظاهر السلمي عبارة عن سلاح لا يقف في وجهه سلاح مهما كان لأنه يقوم على قوة الحجة والإقناع في الحوار مع الأنظمة . والتظاهر السلمي الحضاري يفوت الفرصة على كل من يحاول إلصاق تهمة عدم نضج الشعوب من أجل فرض الوصاية الأمنية عليها. ولقد أثبتت تجربة تونس ومصر أن النظامين النافقين راهنا على المجرمين واللصوص من أجل إفراغ التظاهرات من محتواها ولكن محاولتهما باءت بالفشل أمام نضج ووعي الشعبين العظيمين . والمتأمل للمرافق التي استهدفها الشغب الغوغائي في المغرب يدرك أن دوافع الشغب إنما كانت اللصوصية والإجرام إذ لا يفكر في مهاجمة الأبناك إلا اللصوص والمجرمين . ومن صالح المفسدين الذين بسببهم قامت التظاهرات أن يعمموا حكم اللصوصية والإجرام على كل المتظاهرين كما فعل نجل القذافي الذي وصف شعبا كاملا بأنه يتعاطى الحبوب المهلوسة وأنه من العمالة الأجنبية المسخرة ، وأنه من الأصولية . ومن المؤسف أن يقع استغلال الأغرار من الطلبة لنقل الشغب الغوغائي إلى الأحياء الجامعية لأغراض مبيتة علما بأن الجامعات في الأصل هي منطلق التظاهر السلمي الحضاري الراقي . فإذا كان الشغب الغوغائي ينطلق من المؤسسات الجامعية فماذا يمكن أن ينطلق من الأماكن المرشحة لهذا الشغب؟
ولهذا لا بد أن يصون الشعب المغربي مكتسباته الديمقراطية وعلى رأسها حق التظاهر السلمي الحضاري ، وأن يفوت على المفسدين ومن يستخدمونهم من لصوص ومجرمين وأغرار الفرصة للإجهاز على مكتسبات الشعب وعلى سمعته بين الأمم ، ولا بد من وجود حراسة أمنية مشددة تحمي التظاهر السلمي الحضاري من مؤامرات المفسدين ، كما أنه لا بد من فتح تحقيق مع المتورطين في الشغب الغوغائي لمعرفة الأيدي الخفية التي حركتهم وتقديمها للعدالة لتكون عبرة لمن يعتبر .




Aucun commentaire