دلالة هجرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعبن

من المعلوم في العقيدة الإسلامية أن الغاية من وجود المخلوقات العاقلة بما في ذلك الأنس والجان في هذا الكون هي عبادة الخالق جل جلاله لقوله تعالى في القرآن الكريم : (( وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون )). والعبادة عبارة عن طاعات تتمثل في أوامر ونواه إلهية. وثنائية الأوامر والنواهي وهي ثنائية ذات علاقة متناقضة تستوجب ضرورة مفهومين متعارضين هما الفعل ونقيضه الترك. ومفهوم الترك هو الهجر أو الهجرة . فالهجرة ليست مجرد انتقال من حيز إلى آخر كما يشتهر ذلك بين الناس من خلال استعراض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما الأمر أكبر من ذلك . والقضية قضية عقيدة ، ذلك أن أول ممارسة لفعل الهجر أو الهجرة في تاريخ البشر كان مع أول إنسان وهو آدم عليه السلام الذي أمره ربه بترك شجرة من أشجار الجنة أي بهجرها إذ قال سبحانه : (( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )) ففي هذا النص القرآني أمر الله تعالى أول مخلوقين من الإنس أن يمارسا فعل الهجر أو الهجرة داخل حيز الجنة الواسع الذي دلت على سعته لفظة » رغدا » .
فلما كانت الجبلة والطبيعة البشرية تقوم على أساس الجمع بين ثنائية الخير والشر في ذات واحدة فقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن تضبط وتعالج هذه الثنائية بالأمر والنهي أو الفعل والهجر . يقول الله تعالى في وصف الطبيعة البشرية في سورة تحمل اسم الإنسان : (( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا )) فالشكر عبارة عن التزام بفعل الأمر وترك أو هجر النهي الإلهيين ، والكفر نقيضه وهو هجر الفعل ، وفعل النهي الإلهيين. وعبر تاريخ البشر، وعبر مرور الرسالات السماوية المتتالية كان مفهوم الهجر أو الهجرة يتكرر بصيغ تختلف حسب اختلاف ظروف البشر. وكان فعل الهجر أو الهجرة يشمل أحيانا الحيز الذي يعرف عدم الانتهاء عن النواهي الإلهية ذلك أن هجر مكان المنهي عنه هو هجر لهذا المنهي عنه بالضرورة. فأمر الله عز وجل لآدم عليه السلام بعدم الاقتراب من الشجرة ، هو أمر ضمني بهجرة من مكان هذه الشجرة ، والدليل الواضح على ذلك هو لفظة » ولا تقربا » وفعل الاقتراب له علاقة بالحيز الذي يوجد فيه الشيء الممنوع. ولما ختم الله عز وجل آخر رسالاته السماوية برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أول ما أمره به بعد القيام والإنذار والتكبير والطهارة ، فعل الهجر لقوله تعالى : (( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر )) وما الرجز إلا المآثم والمعاصي . ولما صارت مكة المكرمة بؤرة لهذه المآثم والمعاصي أمر الله عز وجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة منها ، وهي ضمنيا هجرة أو هجر الرجز . ولهذا لم تكن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد انتقال من حيز إلى آخر دون سبب ، بل كانت انتقالا من حيز الكفر والمعصية إلى حيز يتوفر فيه الشكر والطاعة. ولا يمكن أن يأمر الله عز وجل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بترك أشرف مكان عند ه ، وفيه بيته العتيق الذي جعله مثابة وأمنا للناس دون مبرر ، وإنما أمره بذلك لأن مكة المكرمة كانت تعرف وتشهد ممارسة الناس للأفعال التي نهى الله عز وجل عنها ، فاستوجب وجود الفئة الممارسة للأفعال التي أمر بها الله عز وجل فعل الهجرة التي ليست مجرد هجرة مكان لذاته ، وإنما هي هجرة لهذا المكان بسبب أفعال تقترف فيه .
وهكذا نلاحظ الدلالة الرمزية لفعل الهجرة النبوية وهي هجر الرجز ، ومن ثم هجر مكان الرجز. ومما يؤكد هذه الدلالة قوله صلى الله عليه وسلم : » المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » وما نهى الله عز وجل عنه يشمل الممنوع وحيزه. ولهذا نجد الهجرة في دين الإسلام موصولة غير منقطعة ، ولا محددة في زمن بعينه لقوله صلى الله عليه وسلم : » سيكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم » والمهاجر ـ بضم الميم وفتح الجيم موضع المهاجرة والمقصود به في الحديث الشام، لكون الشام كتب الله عز وجل أن يكون حيز شكر لا حيز كفر إلى قيام الساعة لهذا تسعى ملة الكفر إلى تهويده لمخالفة إرادة الله عز وجل . وقوله صلى الله عليه وسلم : » لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة » بمعنى لا تنتهي الهجرة على مر الزمان حتى تنقطع التوبة من الناس ، وانقطاع التوبة هو هيمنة الكفر على الشكر إذ لا يتوب إلا شاكر ، ولا توبة لكافر.
ومن فضل الله عز وجل على من يهاجر تركا للكفر ورغبة في الشكر أن يجعل له سعة ومراغما كثيرا لقوله جل وعلا : (( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة )) و المراغم ـ بضم الميم وفتح الغين ـ هو المهرب أو المخرج . ولا يكون المهرب والمخرج إلا من ضيق إلى سعة. وبيان ذلك أن الله عز وجل عندما أمر آدم عليه السلام بهجر الشجرة كان ذلك بمثابة تحجيم وتضييق لحيز الشجرة مقابل سعة ومراغم الجنة لأن الله تعالى قال : (( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى )) فالحيز الذي لا شقاوة فيه ولا جوع ولا ظمأ ولا ضحوا ، هو حيز السعة المقابل لحيز الضيق حيث الشيء الممنوع . فمن لطف الله عز وجل بالبشر أنه وسع حيز الشكر ، وضيق حيز الكفر ، لهذا يأمر خلقه بالهجرة من ضيق الكفر إلى سعة الشكر.
ومن آيات الله عز وجل التي يريها لنا في أنفسنا لنعلم أن ما جاء من عنده من وحي هو الحق أن أماكن المعاصي كانت ولا زالت وستبقى أماكن ضيق وشقاوة وحاجة إلى إشباع ومشقة وعنت ، مقابل أماكن الطاعة التي كانت ولا زالت وستبقى أماكن سعة ومراغم . وحتى الذين يهاجرون في سبيل الله ، ولا يستفيدون شيئا من سعة الهجرة ومراغمها تعهد الله عز وجل بتعويضهم في الجنة الحيز الأوسع لهذا يقول جل جلاله : (( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله )). وما أجره الواقع على الله عز وجل إلا جنة وصفها سبحانه وتعالى الوصف الآتي : (( سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين )) ومقابل هذا الحيز الفسيح وصف الله عز وجل الحيز النقيض الضيق ، وهو جهنم فقال سبحانه : (( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا )) .
إن الاحتفال بمناسبة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مجرد طي صفحة من صفحات سنة بالتقويم القمري انقضت ، كما تفعل الملل والنحل المختلفة حين تنقضي سنة كاملة عندها ، وإنما هو تمثل لدلالة حدث الهجرة من خلال هجر المعاصي وحيزها ومن له علاقة بها . فالرسول الأعظم إسوة ، وهجرته أيضا إسوة ، فمن كان هاجرا للمعاصي حق له أن يحتفل بالهجرة الإسوة ، وإلا فإنه سيقيم على نفسه حجة باحتفال صوري كاذب بالهجرة مع انغماس فعلي في المعاصي.




Aucun commentaire