Home»Islam»دلالة عبادة القرآن في شهر الصيام

دلالة عبادة القرآن في شهر الصيام

0
Shares
PinterestGoogle+

لقد تعبد الله عز وجل عباده المؤمنين بعبادة الصيام في أيام معدودات رجاء تقواهم. وتقوى رمضان هي قمة التقوى نظرا لطبيعة عبادة الصيام الباطنية إذ لا يعلم سرها إلا الله عز وجل مصداقا للحديث القدسي :  » كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » ولما كان الإنسان لا يستطيع مخادعة نفسه في عبادة الصوم التي هي سر بينه وبين خالقه فإن ما يحصل له من تقوى بسبب ذلك يكون أفضل تقوى على الإطلاق، إذ يمسك الإنسان في عبادة الصيام عن المباحات في أيام معدودات ، ليكون ذلك بمثابة تدريب له على الإمساك عن كل المحرمات في باقي أيام الحول. وقرن الله تعالى بين عبادة الصيام وعبادة القرآن في رمضان رجاء شكره ، وشكر نعمه التي لا يحصيها عد ولا يؤدي شكرها شكر مصداقا لقوله تعالى : (( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )). وعبادة القرآن في رمضان بمثابة احتفال سنوي بحدث مقدس هو نزول الوحي مصداقا لقوله تعالى : (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان )).

وحدث نزول الوحي هو أكبر نعمة أنعمها الله عز وجل على الإنسان إذ لو أنه جلت قدرته لم يخبر الإنسان بحقيقة وجوده لظل حائرا يبحث عن حقيقة لا قبل له بها . فمن رحمة الله تعالى بالخلق كشف حقيقة وجودهم ومآلهم مما يعطي لحياتهم مقصدية خلاف ما يعتقده اليائسون في الحياة من عبثية. وقد حدد الله تعالى طريقة إحياء ذكرى نزول الوحي من خلال صلاة معلومة تؤدى في ليالي رمضان من أجل استعراض القرآن كما كان يستعرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الملك الكريم جبريل عليه السلام. فنفس العملية تتم حيث يقف الناس خلف قارىء يستمعون وينصتون رجاء التدبر والتطبيق ، كما وقف الصحابة رضوان الله عليهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفس الغرض. وكان بالإمكان أن يوحي الله عز وجل لكل إنسان على حدة كما فعل مع رسله الكرام صلواته وسلامه عليهم ، ولكنها ستصير عملية مكرورة فضلا عن كون الناس ليسوا جميعا مؤهلين لتبليغ رسالة الخطاب الإلهي بأمانة وصدق كما هو شأن الرسل الكرام الذين صنعهم الله تعالى صناعة عصمة لتبليغ الرسالة على الوجه المطلوب. وقد ناب الرسل الكرام صلوات الله عليهم عن كل الناس في تلقي الخطاب الإلهي وتبليغه . ولما كانت العلاقة بين الناس وبين خالقهم هي علاقة سيد منعم بعبيد منعم عليهم ، فإنها علاقة تواصل بين مرسل ومتلق ، وهي علاقة تستوجب الطاعة من المخلوقات والخضوع للخالق ، وهي ما يعرف شرعا بالعبادة وتتمثل في شكر نعم المنعم من خلال التصرف في النعم وفق إرادته ، مع عدم اعتمادها لمعصيته بمخالفة إرادته . وبيان حقيقة العبادة هو الترجمة العملية للخطاب الإلهي ، وهي ترجمة لا تتأتى إلا بوصفة إلهية مصداقا لقوله تعالى : (( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون )) فالتعامل مع خطاب القرآن يكون عن طريق السماع والإنصات ثم التدبر مصداقا لقوله تعالى : ((أ فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها )) ليأتي التطبيق بعد ذلك مصداقا لقوله تعالى : (( و اتبع ما يوحى إليك)). ولما كان القرآن الكريم خطابا بمضمون مفتوح يغطي الحاجات البشرية إلى قيام الساعة فإن المفروض فيه القراءة المتواصلة ،ولهذا سمي قرآنا لأن دلالاته لا نهائية كما جاء في قوله تعالى : (( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا )) فالكلمات التي لا تنفد مقابل نفاد ماء البحر هي تلك الحاملة لمضامين مفتوحة غير مغلقة. وقراءة النص المفتوح لا علاقة لها بالتكرار كما يعتقد بعض من يقرؤون القرآن بخلفية التكرار.

والقرآن بهذه الخاصية يلابس الحياة البشرية ولا مندوحة عنه ، فهو بمثابة العلاج الشافي لعلة ضياع الإنسان في هذه الحياة إذا ما خاضها وفق إرادة هواه ، ودون إرادة خالقه سبحانه لهذا نعته الله تعالى بنعت الشفاء في قوله جل من قائل : ((وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ))
فالمؤمن يجد الشفاء في القرآن وتحصل له به الرحمة بحيث يخوض غمار الحياة وفق توجيهات خالقه فيصيب الحقيقة بذلك ولا يشقى في حياته ويكون بمثابة المعافى ،بينما الظالم وهو الذي يضع الأمور في غير مواضعها يجد الخسارة لأنه يخوض غمار الحياة وفق إرادة هواه فيشقى بسبب ذلك ويكون بمثابة المريض الذي لم يستفد من وصفة الدواء القرآنية. وطبيعة العلاج القرآني أنه عبارة عن وقاية تتمثل في إنذار الناس من مغبة خوض غمار الحياة وفق إرادة الأهواء، وقد نعت الله تعالى القرآن بنعت الإنذار في قوله جلا من قائل : (( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيدا بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ )) فالله تعالى يشهد بأن قرآنه الغاية منه إنذار كل من بلغه. ويترتب عن الإنذار حسن التوجيه مصداقا لقوله تعالى : (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما )) فالإنذار يحمل المنذرين من المؤمنين ـ بفتح الذال المعجمة ـ على النهج القويم في الحياة ، ويتحول بسبب ذلك إلى بشارة لهم بأجر كبير ، بينما يظل إنذارا للكافرين من عذاب أليم.
ولقد اختار الله عز وجل ظرف شهر الصيام لقراءة القرآن بكيفية معلومة ، وهي كيفية الصلاة لأنها الكيفية الأنسب لسماعه والإنصات إليه وتدبره استعدادا لتطبيقه ولأن في حالة الصلاة ينصرف العبد لربه انصرافا كليا باستقباله القبلة وانقطاعه لمناجاة ربه ، كما أنه في حالة الصلاة تحصل له حالة نفسية تعرف شرعا بالخشوع وهو عبارة عن رقة قلب تسري في باقي الجوارح بما فيها الجلود التي تقشعر . وقد امتدح الله تعالى هذه الحالة النفسية لأنها تؤهل الإنسان للسماع والإنصات والتدبر والتطبيق فقال جل من قائل : (( قد أفلح المؤمنون الذين عم في صلاتهم خاشعون )) وحقيقة فلاحهم أنهم يستفيدون من إنذار القرآن فيخوضون غمار الحياة بشكل ناجح. وكما امتدح الله عز وجل حالة الخشوع النفسية ذم الحالة النقيض لها حيث تتحول جارحة القلب الذي هو مجرد مضغة هشة إلى جارحة تفوق قساوة الطبيعة القاسية لبعض المواد كالحجارة ،

وصدق الله تعالى إذ يقول : (( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله )) فإذا كانت الطبيعة الصلبة القاسية للحجارة تتغير بفعل القوة التأثيرية لإنذار القرآن ، فإن من المفارقات الغريبة ألا تؤثر في القلوب ذات الطبيعة الرطبة أو الهشة . ولهذا ضرب الله عز وجل مثلا لبيان تأثر المادة الصلبة بالقرآن خلاف المادة الرطبة فقال وهو أصدق القائلين : (( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون )) فالجبال بالرغم من عظمتها تلين لو قدر لها سماع القرآن لكونه قولا ثقيلا مصداقا لقوله تعالى : ((إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا )) أما القلوب بالرغم من ضآلتها وضحالتها وضعفها لا تلين لسماع القرآن لوجود أقفال عليها ، وهي أقفال معنوية تتمثل في الأهواء المسيطرة عليها. والله تعالى ألبس الإنسان القرآن لباسا بل نزله منه منزلة الجلد ، وهو ألصق جارحة بالإنسان ، وأكثرها حساسية ، وسمى الإعراض عن القرآن الكريم انسلاخا منه ، وحذر منه فقال جل من قائل : (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)).

فالمنسلخ من القرآن كالمنسلخ من جلده باتباعه غواية الشيطان ، وأهواء النفس ، فيصير حاله حال كلب يلهث في كل أحواله حتى لا يعلم متى يأخذ الجهد منه أفي حالة الحركة أم في حالة السكون؟ فكذلك الذي لا يحدث فيه القرآن تأثيرا ولا يتغير حاله وهو في حالة غواية الشيطان وضحية هواه بسماع القرآن يكون هو ومن لا يسمع القرآن سيان ، كما يكون لهث الكلب في حالتي الحركة والسكون واحدا. وملابسة القرآن أو الانسلاخ منه فيهما رفعة أوضعة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :  » إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين  » فلابسه يحوز مرتبة الرفعة ، والمنسلخ منه يحوز مرتبة الضعة مصداقا لقوله تعالى : (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين )) فأحسن تقويم هو شأن إنسان القرآن ، وأسفل سافلين هو شأن إنسان الهوى والشيطان.
وأخيرا المقصود من عبادة القرآن في رمضان هو الاحتكاك به بشكل مكثف رجاء التأثر به. و يجدر بالمؤمنين أن يتعاملوا معه على أساس أنه خطاب يعنيهم بشكل مباشر، وليس مجرد شغل النبي الكريم صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه. وإذا ما بدا قصصه ماضويا حسب اعتقاد البعض من ذوي الرؤى القاصرة فإن العبرة منه ما يتضمنه من مغزى ذلك أن القصص القرآني اختزل حالات بشرية متكررة في كل عصر ومصر بحيث تكون الحالة واحدة ، وأبطالها متعددون عبر تاريخ البشرية الطويل. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد قصة آدم عليه السلام ، وهي أشهر قصة بشرية على الإطلاق تختزل مصيرا بشريا بحيث يقدم كل إنسان على ما أقدم عليه أول إنسان من مخالفة للإرادة الإلهية ، فتكون الخطيئة البشرية واحدة ، والصيغ متعددة حسب العصور. فما يقابل الشجرة المحرمة في جنة آدم هي كل الممنوعات في الحياة الدنيا ، فإذا كانت شجرة أدم حقيقية فإنها ترمز إلى شجرة المعاصي المعنوية في حياة ذريته .

وهكذا يبدو القرآن الكريم ملابسا لحياة البشر، وهو يعنيهم مباشرة خلاف ما يظن الذين يختزلون الدين في طقوس تمارس بطريقة عمياء ، ولا يفهم مغزاها.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *