هيكل سليمان بين العهد القديم والقرآن الكريم
.jpg)
منذ وقوع مدينة القدس المقدسة تحت نير الاحتلال الصهيوني والمسجد الأقصى المبارك يتعرض للتهديد. وقد حاول العدو الصهيوني النيل من المسجد الأقصى بشتى الطرق والوسائل من إحراق وتدنيس و اقتحام وحفر في الأسس من أجل تدميره لإقامة ما يسميه الصهاينة هيكل سليمان . وآخر ما نقلت لنا وسائل الإعلام محاولة عصابة صهيونية متطرفة اقتحام باحة المسجد الأقصى في إطار ادعاء الحق في أكناف المسجد الأقصى من أجل إعادة بناء ما يسمى الهيكل المزعوم.
وقد نقلت قناة الجزيرة تصريح أحد المتعصبين الصهاينة قائلا : » سيكون الأمر جميلا لو نقلت قبة الصخرة إلى مكة لنتمكن من إعادة بناء الهيكل « .
هذه المناورات الصهيونية تدعو إلى وقفة من أجل الكشف عن حقيقة زيف ادعاء الصهاينة الحق في إعادة بناء الهيكل فوق أرض المسجد الأقصى. والقرآن الكريم علمنا طريقتين لنحاور أهل الكتاب من أجل تنبيههم إلى التحريف الذي ألحقوه بالتوراة والإنجيل عمدا بغرض طمس العديد من الحقائق، الطريقة الأولى عبارة عن دعوة إلى كلمة سواء بيننا وبينهم إذ قال الله تعالى : (( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )) ، وهذه الطريقة تجدي نفعا عندما توجد الطائفة من أهل الكتاب الراغبة في الكلمة السواء. والطريقة الثانية هي المباهلة إذ قال الله تعالى : (( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ))، وهذه الطريقة تسلك مع الطائفة المتعنتة من أهل الكتاب كما هو حال الصهاينة الذين يدعون الحق في هيكل على حساب مسجد.
وأول ما يجدر التذكير به أن الله عز وجل في القرآن الكريم ذكر المسجد الأقصى تحديدا فقال سبحانه : (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)). كما ذكر المسجد الحرام سبحانه فقال : ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم من دخله كان آمنا)) وقال عن هذا البيت : (( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل )) فهذه النصوص تؤكد تاريخ وجود المسجد الحرام الذي سبق وجود المسجد الأقصى بأربعين سنة كما جاء في الحديث الشريف. ونسبة المسجد الحرام لإبراهيم عليه السلام تنفي نفيا قاطعا مزاعم هيكل سليمان لأسبقية إبراهيم التاريخية . ومعلوم أن اليهود يحاجون في إبراهيم بالرغم من سبقه التاريخي للتوارة كما جاء ذكر ذلك في القرآن الكريم إذ يقول الله تعالى : (( يا أهل الكتاب لما تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )). فالذي يحاجج فيما ليس له به علم حجته داحضة .
وكما ذكر القرآن الكريم المسجد الحرام والمسجد الأقصى ذكر أيضا صرح سليمان عليه السلام إذ قال الله تعالى : (( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير)) فشتان بين الحديث عن الصرح وهو القصر الزجاجي الذي هو مكان استقبل فيه سليمان ملكة سبإ ، وبين الهيكل الذي هو مكان عبادة. والصرح الممرد من قوارير إنما كان آية ومعجزة من أجل إقناع ملكة سبإ بالإيمان بالله عز وجل بعدما كانت تعبد وقومها الشمس من دون الله. ومعجزة الصرح إنما أعطيت لسليمان لتأكيد نبوته وخص بها وحده دون غيره وهو القائل في القرآن الكريم : (( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي )) فمن مقتضيات الملك الذي لا ينبغي لغير نبي الله سليمان عليه السلام الصرح الممرد من قوارير . والغريب أن العهد القديم يقر بهذه الحقيقة إذ نجد في سفر الملوك الأول الأصحاح الثالث ما يلي : » هو ذا أعطيتك قلبا حكيما ومميزا حتى أنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك » فلا يمكن بموجب هذا النص من العهد القديم أن يقوم مقام سليمان في الصرح غيره ، ولا مبرر أيضا للحديث عن إعادة بناء الصرح وهو معجزة وصنعة غير بشرية لأن البنائين من الشياطين والجن كما جاء في القرآن الكريم إذ قال الله تعالى : ((فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص)). ولو كان الصرح من بناء البشر لما ذهلت لمنظره ملكة سبإ حتى التبس عليها الأمر فظنت زجاج الصرح لجة وكشفت عن ساقيها. والعهد القديم نفسه يسجل انبهار ملكة سبإ بملك سليمان إذ جاء في سفر الملوك الأول الأصحاح العاشر ما يلي : » فلما رأت ملكة سبإ كل حكمة سليمان والبيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقاته ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب لم يبق فيها روح بعد « . فكيف يستطيع اليوم الصهاينة إعادة بناء صرح من صنع الجن ؟ ومما لا ينبغي لأحد من بعد سليمان ؟
ومن التناقض الصارخ في العهد القديم أن سليمان بنى بيت الرب في سبع سنين وبنى بيته في ثلاث عشرة سنة علما بأن القرآن الكريم يحدثنا عن معجزاته التي تحدث قبل ارتداد الطرف إذ قال الله تعالى : (( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك )) فصاحب هذه المعجزات لا يحتاج إلى سنوات لبناء بيت للرب وبيت له ، ولا يحتاج في بنائه إلى أخشاب الأرز والسرو كما جاء في العهد القديم . ولا يفضل بيته على بيت الرب بست سنين من البناء.
ومن تناقضات العهد القديم أن بيت الرب من بناء سليمان إذ جاء في سفر الملوك الأول الأصحاح الثامن ما يلي : » فقال الرب لداود أبي من أجل أنه كان في قلبك أن تبني بيتا لاسمي فقد أحسنت بكونه في قلبك إلا أنك لا تبني البيت بل ابنك الخارج من صلبك هو يبني البيت لاسمي » وجاء في الأصحاح التاسع من نفس السفر ما يلي : » قدست هذا البيت الذي بنيته لأجل اسمي فيه إلى الأبد وتكون عيناي وقلبي هناك كل الأيام وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة وعملت حسب كل ما أوصيتك وحفظت فرائضي وأحكامي فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلا لا يعدم لك رجل على كرسي إسرائيل » وفي نفس الأصحاح نجد ما يلي : » إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي ولا تحفظون وصاياي فرائضي التي جعلتها أمامكم بل تذهبون وتعبدون آلهة أخرى وتسجدون لها فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها والبيت الذي قدسته لاسمي أنفيه من أمامي ويكون مثلا وهزأة في جميع الشعوب ، وهذا البيت يكون عبرة كل من يمر عليه يتعجب ويصفر ويقول لماذا عمل الرب هكذا لهذه الأرض ولهذا البيت فيقولون من أجل أنهم تركوا الرب إلههم والذي أخرج آباءهم من أرض مصر وتمسكوا بآلهة أخرى وسجدوا لها وعبدوها لذلك جلب الرب عليهم كل هذا الشر » . فظاهر هذا الكلام أن الله هدد اليهود بدمارهم ودمار البيت الذي ينسب إليه. وغير بعيد من هذا الأصحاح ، وتحديدا في الأصحاح الحادي عشر نقرأ ما يلي : » فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين وأوصاه في هذا الأمر ألا تتبع آلهة أخرى فلم يحفظ ما أوصى به الرب فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها فإني أمزق المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك إلا أني لا أفعل ذلك في أيامك من أجل داود أبيك بل من يد ابنك أمزقها على أني لا أمزق منك المملكة كلها بل أعطي سبطا واحدا لابنك لأجل داود عبدي ولأجل أورشليم التي اخترتها » .
فظاهر هذا النص أنه ينسب المعصية لسليمان مما يعني أن تهديد الرب في النص السابق قد حصل وهو تهديد بدمار إسرائيل و زوال الهيكل ولكن الرب يتراجع عن تهديده من أجل داود وأورشليم مما يوقعه في التناقض الذي يقع فيه البشر ـ تعالى الله عما يصفون ـ
وهكذا نلاحظ أنه بموجب نصوص العهد القديم المتناقضة بفعل التحريف أن الهيكل المزعوم لا يمكن أن يعاد بناؤه بعدما وقع الذنب من سليمان حسب زعم هذه النصوص بسبب وعد الرب الذي لا يخلف وعده. وإذا كان الذنب قد وقع من سليمان وهو النبي صاحب العصمة فماذا نقول عن ذنوب اليهود ؟ وهل يجوز أن يتراجع الرب عن وعده بدمار إسرائيل والهيكل أمام ذنوبهم التي لا يحصيه عد ؟ وإذا كان الرب قد أخر دمار مملكة سليمان إلى زمن حكم ابنه بشفاعة داود فمن يشفع لليهود بعد زوال مملكة سليمان ؟
إن القرآن الكريم يؤكد زوال إسرائيل إذ يقول الله تعالى : (( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أساءتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا )). لقد تحدث القرآن الكريم عن مسجد ولم يتحدث عن هيكل. وما كان الله عز وجل ليدمر مسجده كما جاء في نصوص العهد القديم وهو الذي بارك حوله .
وفي الأخير نوجه نفس الخطاب الذي وجهه القرآن الكريم لأهل الكتاب إذ قال : (( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون )) لماذا الحديث عن هيكل سليمان وأنتم تعلمون أن المسجد الأقصى هو بيت الله قبل أن يوجد سليمان عليه السلام بآلاف السنين ؟ ولماذا الحديث عن إعادة بناء ما بنى سليمان وهو من المعجزات التي لا تنبغي لغيره ؟ وآخر كلمة للمسلمين الذين يغطون في سبات عميق والعدو الصهيوني يخطط ليل نهار من أجل تدمير المسجد الأقصى المبارك ، وتهويد ما جعله الله تعالى إسلاميا من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام هلا صحوتم من سباتكم ، وهلا تركتم جدلكم العقيم وخلافاتكم ونهضتم من أجل إنقاذ المجسد الأقصى وقد بدت البغضاء من أفواه الصهاينة وما تخفي صدورهم أكبر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


1 Comment
خرافة إعادة بناء الهيكل تسيطر على الفكر الصهيوني الذي ابتكر خرافة الماسونية(من كلمة ماسون أي بناء) والماسون هم طائفة تقوم على حلم واحد وهو إعادة بناء هيكل سليمان الذي بناه المهندي الأكبر حيرام أبيوض قبل الميلاد. ولتحقيق هذا المشروع الخرافي يعمل الصهاينة ومن والاهم على إعادة بناء الإنسان ، كل إنسان وفق نظرة جديدة للكون وللحياة، نظرة تقوم على التجرد من كل المعتقدات ولا تؤمن إلا برابطة الأخوة الإنسانية وفق تعاليم المهندس الأول للمعبد. الإلحاد هو المدخل الأول ثم سلخ جميع الأمم عن أديانها التي تنشر العصبية وتسبب الحروب والصراع في نظر الماسونية المتنورة.بعد القضاء على الأديسان (خاصة الإسلام الذي يفضح أكاذيب اليهود ومكرهم) ، يجب أن تتقدم الإنسانية وترتقي نحو الدين الحقيقي وهو دين وشريعة المهندس الأعظم ثم إقامة مملكة داود من جديد بقيادة اليهود طبعا. الحاخامات تخطط من وراء الستار والأمميون (الحمير الذين خلقهم الله ليركب عليهم شعب الله المختار!!) يصدقون الشعارات ويتبعون سننهم حتي لو دخلوا جحر ضب دخلوه معهم. سيقول قائل : إنها عقلية المؤامرة التي تسيطر على المسلمين. نعهم هناك مؤامرة بل مؤامرات تحاك ضد هذه الأمة ليل نهار. ولكن ذاكرة المسلمين قصيرة جدا مع الأسف الشديد. ربنا الكريم يقول لنا » لتجدن أشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا… » ونحن نثق فيهم ونوقع معهم اتفاقياتن السلام …لقد نسينا قصف غزة كما نسينا السلسلة الطويلة لجرائم بني صهيون ويبقى الأمل في الله تعالى ثم في الجيل الصاعد إذا أحسنا توجيهه وتربيته ولن يتم ذلك إلا من خلال مشروع إصلاحي رسالي شامل.