Home»Correspondants»قصة قصيرة – الضابط

قصة قصيرة – الضابط

0
Shares
PinterestGoogle+

 04/04/2009

« ترعرعت في نفسه جذور الكراهية لأي كان حتى أقرب الناس إليه ، ينفث من فمه القذارة كلاما مشينا مؤذيا لكل من صادفه ، يختلق الشجار و العنف ، غيب من نفسيته كل طيب ، حتى تيقن بها مريضة بالجبروت إلى درجات الرغبة الجنونية في القتل و معاودته ، و تصفية كل الناس بصغيرهم و كبيرهم . و خطرت له هذا الصباح فكرة، سوداء مقيتة، أن يفرغ خزان مسدسه في رأس رئيسه المباشر، و يبقي واحدة يفرغها في رأسه ، رئيسه الذي يمطره بالأوامر. لم يكن مقتنعا يوما بهذا العمل اللا متناهي، فهو بحكم مهنته كضابط كل وقته عمل في عمل ليل نهار ، أعيته التنقلات بين المدن، فكتب استقالته و وضعها فوق مكتب رئيسه ، و انتظر واقفا كالصنم لمدة غير قصيرة ، لا يحق لمثله أن يقفها ، و الرئيس، أصغر منه بكثير،منشغل بمكالمة هاتفية خاصة ، يضاحك مكلمته كالغر متعمدا إغاظته ، ثم أخذ طلب الاستقالة تمعن فيه مليا ليمزقه بطرفي أصابعه بهدوء، لافحا إياه بازدراء ، و أمره أن يعود إلى مكتبه و عمله و أقسم ب « الحرام » أنه لن يقبل استقالته ما دام هو رئيس هذا القسم في هذه المدينة ، فخرج الضابط من المكتب صامتا حانقا بعد أن صفق الباب وراءه بشدة هزت الرواق بكامله ، و اشرأبت أعناق الموظفين تستجلي الأمر، وراح يدخن بشراهة غير معهودة و بركان غضبه يغلي ، و انتشرت سحابة الدخان في المكتب كالضباب القاتم .

أحس بوخزات في جانبه الأيسر كالسهام المسمومة ، فشد عليه يداري الألم ، تنهد بصعوبة و سعل سعالا متواصلا حتى انتفخت عروق رقبته المتكرشة النحيفة ، و احمرت عيناه و امتقع لون وجهه الداكن السمرة ، و ارتجفت يده اليسرى حتى سقطت السيجارة من بين أصبعيه فسحقها بضربة من قدمه بعصبية زائدة ، و رفع عينيه الغائرتين ، فإذا بمرؤوسيه الأربعة يحدقون فيه و قد وجمت وجوههم لحظة سعاله المخيف ، أشار إليهم بالانصراف بإشارة من يده ، و ضرب بقبضته المكتب فارتجت لها النوافذ .عمل هذا الضابط ، لمدة طويلة ، في مراقبة الناس و أفكارهم و أنفاسهم ، و اقتحم عليهم أسرارهم و غرف نومهم و نغص عليهم حتى أعراسهم و أعيادهم أيام الجمر و الرصاص . كلفوه يوما بتتبع أحد المشتبه فيهم ، فلبس الأسمال و أطلق لحيته و شاربه و جلس على قارعة الطريق بيد يسأل الناس إلحافا و بعين يتلصص بها على « صاحبه » شهرا كاملا من شتاء بارد جدا ، فأصيب بآلام حادة في مفاصله، تلازمه مع حلول البرودة ، لم تنفع معها أدوية ، ولم ينل من مهمته هاته إلا سراب الوعود و التسويف .أشارت عليه زوجته، قبل أن تفارقه إلى الأبد، بعد أن نالت نصيبها من الأذى، أن يزور طبيبا نفسانيا حتى لا تستفحل أزمته أكثر،فرفض رفضا قاطعا لإحساسه بالتبخيس الذاتي أمام أي طبيب، خاصة إذا كان نفسانيا ، فكيف يسمح له أن يستل لسانه و يبوح له بمكنونات نفسه المريضة .

كانت صرخات معتقلي الرأي ، من فرط التعذيب،تلاحقه في نومه و يقظته ، و خاصة صرخات الطالب الجامعي الذي قضى تحت التعذيب ، أناته الأخيرة سكاكين تقطع أوصاله ، كان يعلم أن الشاب مريض بالقلب و هو من كان يشرف على جلسات الاستنطاق و حصص الضرب و التنكيل و لعبة « الطيارة » التي كان يعشقها , و كانت الركلة القوية تحت السرة مميتة ،ركز فيها كل قواه،ظن أن الشاب يتماوت ، فأمر زبانيته أن يصبوا عليه الماء البارد ليستفيق من غيبوبته الأبدية ، لكنه لم يفعل و تمناه أن يفعل ، إذ لم يهتم بالاعترافات ،لحظتها، بقدر ما أهمته هذه النفس البشرية لهذا الشاب الغض كيف انتزع منه روحه . انحنى عليه و تحسس جهة القلب إذ توقف الخفقان إلى الأبد ، فشم رائحة الموت ، ضم الجثة إلى صدره و بكى بحرقة أدهشت معاونيه ، و لعن الأوامر و المسئولين و كل الحكام ، و قصاصات أخبار صحف الرصيف كيف ستطلع ،غدا ، بخبر كاذب مخزي مفاده  » أن الطالب مات قبل الاستنطاق

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. أحمد ص
    20/07/2011 at 15:55

    أتمنى من كل قلبي أن يقرأ كل رجل أمن قصة هذا الضابط ـ خاصة عناصر الضابطة لالقضائية و الاستخبارات ـ ليعلموا أن هذه هي نهاية من ينساق وراء الأوامر ويستعمل الشطط في تنفيذها، فاتقوا دعوة المظلوم ما استطعتم لأن ليس بينها و بين الله حجاب ,

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *