ولنا في نتائج الانتخابات اللبنانية عبرة

يوم كتبت عن تدخل القوى الدولية في انتخابات البلاد العربية سارع بعضهم ممن يجرمهم الشنآن ، ويهمهم انتقاد أصحاب المقالات قبل انتقاد المقالات إلى التقليل من شأن رأيي ،واعتباره مجرد تكرار لأمر معلوم لا طائل من تكراره، مع أنني لم أزعم في مقالي أني أتيت بجديد بقدر ما أردت التذكير، وما أحوجنا للذكرى التي لا تنفع إلا المؤمنين. فهاهي نتائج الانتخابات اللبنانية تذكرنا بأن القوى الدولية المتحكمة في القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية تصنع الانتخابات في أي قطر عربي شاءت عن طريق سياسة العصا والجزرة. فما من قطر عربي في هذه الدنيا البائسة بسبب عصرها تفرز نتائج الانتخابات فيه تيارات مخالفة لتوجهات القوى العالمية إلا ومصيره التهديد بالمقاطعة والعقوبات ،مما يفرض نتائج انتخابية مطبوخة سلفا من أجل الإفلات من التهديد بالعقوبات والمقاطعة.
لقد صنعت الولايات المتحدة نتائج الانتخابات اللبنانية ما في ذلك شك ، ولكن شك أيضا في أن الطرف الإيراني من خلال تورطه في لبنان عن طريق …….حزب الله أعطى الذريعة المناسبة للولايات المتحدة للتدخل في نتائج الانتخابات اللبنانية. فإذا ما كان المبعوث الأمريكي قد زار لبنان قبيل الانتخابات وصرح بأن مصير لبنان سيكون العزلة الدولية إن أقبل شعبه على اختيار خصوم الولايات المتحدة ، فإن الشعب اللبناني المغلوب على أمره لم يجد بدا من اختيارات انتخابية مفروضة عليه بسبب القيود الأمريكية . ولو لم يكن في لبنان التجاذب والصراع بين المصالح الأمريكية والمصالح الإيرانية لكان للشعب اللبناني رأي آخر وخيار آخر ولكن كما يقول المغاربيون : « الله غالب « .
وقد تكون عبارة : » الله غالب » أنسب لاستحقاقاتنا الانتخابية أيضا لأنها لن تكون بدعا من انتخابات البلاد العربية التي تشترط الولايات المتحدة على أنظمتها أن تكون القوى السياسية الفائزة انتخابيا فيها ممن لا يشق عصا الطاعة على الولايات المتحدة وإلا فالمصير معروف عزلة وحصار في ظروف أزمة اقتصادية خانقة . و قد تجلت بوادر التأثير الخارجي على انتخاباتنا من خلال تفريخ أحزاب تستجيب للمعايير الأمريكية وتجمع بين ما هو تقليدي أصيل وجديد معاصر. فالولايات المتحدة لا تريد هيمنة أحزاب ذات مرجعيات دينية ،ولا أحزاب ذات توجهات يسارية راديكالية لأن هذه أو تلك عبارة عن أحزاب ناشزة في نظر الأمريكان ، لهذا سارع البعض إلى تفريخ أحزاب تصهر في بوتقة واحدة التقليدي وبتعبير مقبول وهو الأصيل ، والمعاصر بدون حاجة إلى تعبير مقبول لأنه مقبول أصلا .
وليس من الغريب أن يسلخ الكثير من مناضلي العديد من الأحزاب المعهودة جلودهم الحزبية كما تفعل الثعابين من أجل الانضمام إلى الأحزاب التي فرخت بين عشية وضحاها والتي تحترم المعايير المطلوبة من طرف القوى العظمى ، والتي يفترض أن تحوز رضاها . وقد انتشرت أنباء فوز هذه الأحزاب قبل موعد الاستحقاقات بين الناس وتناقلتها وسائل الإعلام المختلفة وشاع بين الناس أنها أحزاب الدولة التي يجب أن تحظى بالاحترام والإقبال.إن النتائج الانتخابية التي تتحكم فيها الضغوطات الخارجية لن تغير من الواقع شيئا فستظل البلاد العربية فيها السواد الأعظم المبغض المعادي لقوى الاستكبار في الأرض ، والقلة المنفتحة عليها بحكم المصلحة . ولن يكتب للبلاد العربية أن تكون فيها انتخابات حقيقية إلا إذا زالت الضغوطات الخارجية ، وزال شرط تعامل القوى العظمى مع الأحزاب الفائزة . و إذا لم نستوعب درس الانتخابات اللبنانية فليس من العسير أن نستوعب درس الانتخابات الفلسطينية من قبل. ولعل ما حصل في لبنان سيحصل عندنا حيث ستفوز الأحزاب المفرخة حديثا ليس حبا فيها ولا رغبة وإنما من أجل تنكب فوز أحزاب بعضها جرب وبعضها بوحمرون على حد تعبير المغاربة .


Aucun commentaire