ظروف انتشار آفة العلمانية الغربية الشرسة في البلاد الإسلامية

ظروف انتشار آفة العلمانية الغربية الشرسة في البلاد الإسلامية
محمد شركي
لا مندوحة لمن يريد الخوض في انتشار آفة العلمانية الغربية الشرسة في البلاد الاسلامية عن استحضار سردية تاريخية عن طبيعة الصراع في البلاد الأوروبية بين الكنيسة وبين من سموا أنفسهم بالتنويريين أو العلمانيين الذين كانوا يريدون تحرير مجتمعاتهم من سلطة وهيمنة الكنسية حيث كان الإكليروس يسيطرون على كل نواحي الحياة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وثقافيا ، وكانوا يفرضون قيودا صارمة على عقول الناس ، كما أنهم كانوا متحالفين مع الملوك والأمراء والإقطاعيين لفرض سلطتهم عليهم . وكانوا يستغلون الدين عن طريق فرض أنفسهم وسطاء بين الناس و بين الرب ،ويبيعونهم ما يسمى صكوك الغفران لمراكمة ثروات فاحشة . وكان عداؤهم شديد لكل تحرر فكري مما جعلهم يدخلون في صراع مع فلاسفة وعلماء ومفكرين و قد حاكموا بعضهم في محاكم تفتيش وأعدموا منهم من أعدموا ،وعذبوا من عذبوا باسم الدين، وكانت نتيجة ذلك هي تنامي التيار العلماني في الدول الأوروبية كردة فعل على الاستبداد والتسلط الكنسي والسياسي المتحالفين ، واندلعت إثر ذلك ثورات كالثورة الفرنسية سنة 1789 التي غيرت نظام الحكم في فرنسا وهي ثورة كان صناعها تنويريون أو علمانيون ..
والجدير بالذكر أن العلمانية اكتفت أول أمرها بالاقتصار على مطلب فصل مؤسسات الدولة عن الدين مع بعض التساهل فيما يخص حرية العبادة ، ويمثل هذا التوجه الإنجليز والأمريكان ثم صارت فيما بعد متشددة تطالب بإزاحة الدين كليا من المجتمع، وتدعو صراحة إلى الإلحاد ، وأصبح الإنسان عندها مجرد كائن مادي تتحكم المادة في قيمه .
ومن رواد العلمانية الغربية عموما والأوروبية خصوصا نذكر تمثيلا وليس حصرا كلا من :
ـ الفيلسوف الهولندي من أصل يهودي باروخ سبينوزا ، وهو واضع أسس النقد التاريخي للنصوص الدينية .
ـ المفكر الإنجليزي جورج جاكوب هوليوك وهو من اقترح مصطلح علمانية كتعبيرعن البديل الديني .
ـ الكاتب الفرنسي فولتير المعروف بهجومه الشديد على الكنيسة والمنادي بالدولة المدنية.
ـ الفيلسوف الإنجليزي جون لوك الذي دعا إلى فصل الدين عن الدولة المدنية .
ـ الفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو صاحب فكرة الفصل بين السلط وهو فصل من نتاج العلمانية .
ـ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي دعا إلى خضوع السلطة الدينية للسلطة السياسية .
ـ المفكر الفرنسي جون جاك روسو الذي دعا إلى خضوع الدين لسياسة الدولة والقانون .
ـ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي صاغ شعار التنوير في مقولته : » تجرأ على استعمال عقلك » ،وفصل الأخلاق عن المعتقد الديني .
ـ الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت الذي نادى بانتقال البشرية من المرحلة الدينية الميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية الوضعية .
ـ الفيلسوف الألماني فريدريك نتشه الذي انتقد بشدة القيم الدينية المسيحية ، ودعا إلى قيم بعيدة عن الغيبيات .
ـ الفيلسوف الألماني من أصل يهودي كارل ماركس الذي اعتبر الدين مخدرا للشعوب ، وفسر التاريخ البشري على أساس اقتصادي مادي .
وغير هؤلاء من فلاسفة ومفكرين من الجيل الجديد وكلهم من صناع ومنظرين العلمانية الغربية كل من وجهته تخصص وكلهم يلتقون عند نفس الفكرة وهي إقصاء الدين من مجتمعاتهم بشكل أو بآخر .
وانتقلت آفة العلمانية إلى العالم الإسلامي بسبب الغزو الغربي له كما هو الشان بالنسبة لغزو نابليون بونابرت مصر سنة 1798 فأدخل إليها قوانين وضعية ونمط من الإدارة ثم أعقبت ذلك حركات الاحتلال الغربي إثر تفكك الدولة العثمانية خصوصا البريطاني والفرنسي الذي فرض نظمه القانونية والإدارية والتعليمية على الدول التي احتلها ، واستبدل الشريعة الإسلامية بقوانين مستمدة من القانون الوضعي العلماني الفرنسي . وأصابت عدوى العلمانية الدولة العثمانية التي خرجت منهزمة في الحرب العالمية الأولى فحاولت اقتباس التجربة الأوروبية باعتمادها بعض القوانين الوضعية، كما أنها أنشأت مدارس لا دينية . وانتهى بها الأمر إلى دولة أتاتورك العلمانية سنة 1923 يعد سقوط الخلافة فيها، وقد فرض نمط الحياة الغربية بالاستبداد ، وألغى الشريعة الإسلامية ونظام التعليم الديني ، ومنع رفع الأذان باللغة العربية ، وضيق على العبادة في المساجد ، وغير الخط العربي للغة التركية إلى خط إفرنجي …
ومما ساهم أيضا في انتشار آفة العلمانية في البلاد الإسلامية عودة البعثات الطلابية المسلمة والعربية من الغرب إلى بلدانها وقد تشربت الفكر والقيم العلمانيين ، وساهمت في تسويقهما تحت شعار التنوير والحداثة ، وكانت أداة طيعة في يد العلمانية الغربية فصار بعضهم يجاهرون بالعداء للإسلام على غرار معاداة العلمانيين الغربيين لدينهم.
وفضلا عن ذلك تكرست العلمانية في البلاد الإسلامية بوصول أنظمة يسارية إلى سدة الحكم منادية بالقوميات بعد رحيل المحتل الغربي مثل النظام الناصري في مصر، والنظام البعثي في كل من العراق وسوريا والنظام البورقيبي في تونس ، وهي أنظمة تبنت نهج الحكم الاشتراكي العلماني ، وقد حصرت الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية ، واعتمدت عوضا عنها القوانين الوضعية المستقاة من العلمانية.
ومن الجدير بالتذكير أن الإسلام كان مستهدفا منذ نشأته الأولى من طرف من عاصرون من أهل الكتاب يهود ونصارى ومن ديانات أخرى ومن وثنيين كما شهد بذلك القرآن الكريم . واستمر استهدافه طيلة فترات الحروب الصليبية إلى غاية فترة حركات الاحتلال الغربي لبلاده ، ولا زال مستهدفا إلى يوم الناس هذا من طرف الأنظمة الغربية المعاصرة ، ولن يتوقف استهدافه حتى تقوم الساعة.
وممن استهدفوه قبيل وبعد الاحتلال الغربي المستشرقون الذي كانوا عبادة عن مقدمة للاحتلال من أمثال :
ـ المجري من أصل يهودي جولدزهير الذي شكك في أصالة السنة النبوية المشرفة وفي مصادر التشريع الإسلامي باعتماد ظنون وشبهات .
ـ الألماني جوزيف شاخت مقتديا باليهودي جولدزهير الذي هاجم الفقه والشريعة الإسلاميين مدعيا أنهما مستمدان من القانون الروماني واليهودي.
ـ الإنجليزي ديفد صموئيل مرجوليوت الذي طعن في أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي صحة وأصالة الشعرالجاهلي وذلك لنقض فكرة إعجاز القرآن الكريم.
ـ الإسكتلاندي وليام موير المتحامل بشدة على الرسول صلى الله عليه وسلم والقائل بانتشارالإسلام بحد السيف .
ـ العراقي الكلداني ألفونس مينغانا الذي كان مقيما في بريطانيا وقد زعم أن القرآن الكريم من أصول سريانية .
وجاء بعد هؤلاء من هم أكثر تشكيكا في مصداقية القرآن الكريم ، وقد زعموا أنه لم يدون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما جمع على مدار قرنين بعد بعثته، ونذكر من هؤلاء تمثيلا لا حصرا :
ـ الدنماركية باتريشيا كرون التي تزعم أن الإسلام بدأ كحركة يهودية مسيحية ، وهي تنكر كون مكة كانت مركزا دينيا أو حتى تجاريا .
ـ الألماني غونتر لولينغ الذي زعم أن القرآن الكريم فيه تراتيل مسيحية وسريالية قديمة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بتعديلها لتناسب دينه .
ـ الألماني كريستوفرلوكسنبرغ وهو اسم مستعار وليس اسمه الحقيقي الذي هاجم المفسرين وكتب التفسير وخطأ هم في معاني القرآن الكريم .
ـ اليهودي نيفو الذي نفى قطعا الوجود التاريخي للرسول صلى الله عليه وسلم .
ـ البريطاني مارتن هيندز الذي اشترك مع الدنماركية باتريشيا طعنا في مصداقية الإسلام .
ـ البريطاني روبيرت هولاند وهو أيضا من تلاميذ باتريشيا و قد اعتمد مصادر بيزنطية وسريانية للتشكيك في الرواية الإسلامية .
ـ البريطاني توم هولاند الذي ادعى وجود أدلة تاريخية من القرن السابع الميلادي كافية تثبت نشأة الإسلام .
وهؤلاء جميعهم يعتمدون منهج الشك المطلق .
وتلقف العلمانيون الجدد عرب وغير عرب هذا المنهج لتفكيك بنية الإسلام الدينية من داخله من خلال استهداف التراث الديني ونزع القداسة عنه ، وادعاء إعادة تفسير وتأويل القرآن الكريم والحديث الشريف من خلال اعتماد علوم حديثة كاللسانيات والمنهج التفكيكي ،وهم ممثلو آفة العلمانية الشرسة التي غزت البلاد الإسلامية ، و قد بلغ بهم الحقد على الإسلام أن تحالفوا مع الأنظمة الشمولية من أجل إجهاض كل محاولة لإعادة اعتماده منهج حياة كما حدث مع ثورات الربيع العربي التي أجهضت بتهمة خطرالأصولية والإسلام السياسي والإرهاب على نماذج الدولة المدنية في ظل سيادة العلمانية . ولقد ضحى هؤلاء العلمانيون حتى بما كانوا يفاخرون به وهوالمسار الديمقراطي لما أفرز صناديق الاقتراع وصول أحزاب ذات مرجعية دينية إلى مراكز القرار . ولقد تنكر أيضا هؤلاء العلمانيون للنضال القومي من خلال التنكر للقضية الفلسطينية ، وأيدوا وساندوا التطبيع مع الكيان الصهيوني ، ونذكر منهم تمثيلا وليس حصرا كل من :
ـ السوري جلال العظم وهو أول من جهر بشدة نقده للفكر الديني .
ـ الجزائري محمد أركون الذي ركز على تفكيك العقل الإسلامي عبر المناهج الإنسانية الحديثة .
ـ المصري نصر حامد أبو زيد الذي تعامل مع النص القرآني كالتعامل مع النصوص البشرية وهو يعتبره نصا بشريا لغويا وتاريخيا معتمدا في تعامله معه أدوات النقد الحديث .
ـ المصري سيد القمني الذي دعا إلى إعادة قراءة التاريخ الإسلامي الأول باعتباره صراعا سياسيا واقتصاديا بحتا ، وانتقد الخلافة الإسلامية .
ـ السوري أدونيس علي أحمد سعيد الذي يصف الثقافة العربية الإسلامية بأنها لاهويتة ، ودعا إلى قطيعة شاملة مع الماضي العربي الإسلامي .
ـ المصريان يوسف زيدان وإسلام بحيري وقد نقلا معركة تفكيك الإسلام من أروقة الجامعات المغلقة إلى البرامج الفضائية ، ووسائل التواصل الاجتماعي . ويضاف إلى هؤلاء المصري أحمد عبده ماهر ، والأردني شاكر النابلسي ، والسوداني كامل النجار ، والسوي حيدر حيدر ، والمصري علاء حامد ، والأمريكية من أصل سوري وفاء سلطان ، ولن نذكر من هم من أصول مغربية لأنهم لا يستحقون الذكر لضحالة تكوينهم …. وغيرهم ممن صارت تعج بهم المواقع على الشبكة العنكبوتية التي صارت تطالعنا كل يوم بطعونهم في دين الله عز وجل ،وفي كتابه الكريم، وفي رسوله العظيم وهي في منتهى الانحطاط والتفاهة والخسة ، وتربأ بالمؤمنين أن نسردها عليهم لما فيها من إساءات صارخة إلى المقدس وإلى مشاعرهم الدينية .
وخلاصة القول في هؤلاء المتجاسرين على الإسلام أنهم قلدوا العلمانيين الغربيين فيما ما كان بينهم وبين الإكليروس مع تعذر الشبه بين الكنسية والإسلام. وإن هؤلاء العلمانيين لينالون من الإسلام كل نيل والأنظمة في بلاد الإسلام المسطر في دساتيرها ولا تجرؤ على مساءلتهم أومحاسبتهم وتغض الطرف عنهم ووزاراتها الوصية على الشأن الديني تتلكأ في أداء واجب حماية قداسة المقدس دينا وقرآنا كريما وسنة نبوية مشرفة ونبيا ورسولا كريما .
وعند إنعام النظر والتأمل في زمرة هؤلاء العلمانيين نجدهم كلهم مجرد مجترين ومرددين لما سبقهم إليه المستشرقون والفلاسفة الغربيون العلمانيون ، وكلهم يلتقون عند هدف مبيت واحد هو تفكيك الإسلام من الداخل بسبب خلفيتهم العلمانية ، وهم بذلك عبارة عن طوابير خامسة مسخرة لخدمة أجندات وأهداف علمانية غربية مبيتة في ظل هذا الظرف الدقيق الذي تمر به الأمة الإسلامية المستباح حماها وقضيتها الدينية الأولى ، وهي القضية الفلسطينية التي كانت عبر التاريخ جامعة وموحدة للأمة الإسلامية على قلب رجل واحد نظرا لقيمتها الدينية وقدسيتها .
وفي الأخير نسوق آيات من الذكر الحكيم تكشف عن طبيعة وأحوال كل المستهدفين لدين الله عزوجل على اختلاف مشاربهم تنبيها وتنويرا للمنبهرين والمخدوعين من الشباب الأبرياء بهؤلاء العلمانيين المبطلين الذين يخوضون في قضايا الإسلام عن جهل مركب به يزيدون عما تلقفوه عن أعدائه يكررونه تكرارا ممجوجا ومثيرا للسخرية وذلك بشهادات أهل العلم من فطاحل العلماء الذين يكشفون عن خلفياتهم المنحرفة عقديا وعن جهلهم بدين الله تعالى وعن غرورهم وكبريائهم .
ـ يقول الله تعالى في سورة فصلت الآية 26 : (( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون )) .
ـ ويقول في سورة يونس الآيتان 37 38و : (( ما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين )).
ـ ويقول في سورة في سورة النحل الآية 103 : (( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين )) .
ـ ويقول في سورة الفرقان الآية 4 : (( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا )) .
ـ ويقول في سورة المائدة الآية 48 : (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه … الآية )) .
فهذه الآيات للتمثيل فقط وليست للحصر ، وكفى بها ردا على المبطلين والمفترين والمشككين والمكذبين العلمانيين .
وهكذا فند الله تعالى أقوال من شككوا في مصداقية كتابه الكريم ، وفي مصداقية رسوله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام والوحي يومئذ ينزل . وليست أقوال المتأخرين من المشككين فيه سوى اجترارلأقوال المكذبين والمشككين الأُوَّل ، فهل من مُذّكِر ؟؟؟




Aucun commentaire