حديث الجمعة : (( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ))

حديث الجمعة : (( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ))
محمد شركي
يستمر حديثنا بعون الله تعالى عن صفات وأحوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل ، وذلك انطلاقا من الآيات الثلاث الأولى من سورة الفتح التي يخاطب فيها الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام قائلا : (( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا )) ، ولقد ورد في معظم كتب التفسير أن الفتح المقصود في مطلع هذه السورة هو على الأرجح فتح مكة إلى جانب احتمال أن يكون أيضا صلح الحديبية وكذا فتح خيبر معنيين بهذا الفتح .
والذي يعنينا في مطلع هذه السورة هو ما امتن به الله تعالى على رسول عليه الصلاة والسلام من فتح مبين، ومغفرة مما تقدم وتأخر من ذنبه ،وتمام النعمة عليه، وهديه إلى صراط مستقيم ونصره النصر العزيز ، وكل ذلك من أحوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم المقترنة بصفات منضوية تحت ما نوه به الله تعالى من عظيم خلقه الذي عنه تفرعت كل صفاته وشمائله المحمودة . وبناء على ما جاء في هذه الآيات الثلاث من هذه السورة المباركة فإن الرسول مفتوح له ، ومغفور له ما تقدم وما تأخر من ذنبه ومنعم عليه بتمام النعمة ، ومهدي إلى صراط مستقيم ، ومنصور نصرا عزيزا.
أما صفة المفتوح له، فبيانها أن الله تعالى كرّمه بما كان مستغلقا عن الفتح من قبل وهو مكة المكرمة وغيرها من الثغور، وهو فتح أراد الله تعالى منة منه أن يكون على يديه صلى الله عليه وسلم ، وأن يزيل به الكفر والشرك ، ويفسح به للإيمان ويديله عليهما . والفتح الذي فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترقى إلى درجته كل الفتوحات التي فتحت للمسلمين وقادتهم من بعد لأنه هو الإسوة والقدوة في ذلك .
وأما صفة المغفورله ما تقدم وما تأخر من ذنبه ، فهي مغفرة خاصة به صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن تقارن بمثلها عندما يتعلق الأمر بباقي الخلق لأنه من مقتضيات اصطفائه للنبوة والرسالة عصمته من الذنوب كبائرها وصغائرها . وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه سبحانه أنه تفضل عليه بالفتح، وبالمغفرة ،وبتمام النعمة وبالهداية على صراطه المستقيم وبالنصر العزيز.ومعلوم أنه من مقتضيات تنويه الله تبارك وتعالى بخلق رسوله العظيم أن بلّغه الكمال فيه ، وبلّغه نهاية الفضل على سائر المخلوقات بمن في ذلك المرسلين، ولهذا نزهه الله تعالى عن كل ما يمكن أن يؤاخذ عليه غيره من ذنوب ، كما أن المغفرة التي وُعِدها صلى الله عليه وسلم هي دليل على رضا الله عز وجل على حسن تبليغه الرسالة التي كلف بتبليغها على الوجه الأكمل. والجدير بالتذكير أن الخلق يوم العرض على الله عز وجل سيفزعون من هول القيامة إلى بعض المرسلين صلوات الله عليه طلبا لشفاعتهم فلا يجيبونهم إلى ذلك بسبب بعض ما كان منهم كالذي ذكره الله تعالى في محكم التنزيل من قبيل سؤال نوح عليه السلام ربه أن يرد له ابنه الذي أبى أن يركب معه في السفينة فهلك مع الهالكين . وعندما يقصد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا لشفاعة يشفع بإذن ربه ، وفي هذا ما يدل على كرامته على ربه وعلى مغفرة تفضل بها عليه ليست كمغفرة أحد من خلقه .
أما صفة المنعم عليه بتمام النعمة فقد حازها أيضا لكرامته على ربه، وهي نعم لا حصر لها نذكر منها على سبيل الذكر أن الله تعالى ختم به المرسلين، وختم برسالته الرسالات ، وبعثه للعالمين ، وتفضل عليه بكمال الدين ، وأعطاه شفاعة الآخرة ، وجعله أول من يبعث ويدخل الجنة في أعلى مقام فيها …. فضلا عن إتمام باقي النعم عليه ، وليس ذلك لأحد غيره عليه الصلاة والسلام .
وأما صفة المهدي إلى صراط الله المستقيم فقد بلغ فيها شأوا لم ولن يبلغه أحد من الخلق لذلك جعله تعالى إسوة وقدوة لهم وأمرهم بطاعته كما يطاع سبحانه وتعالى من أجل بلوغ الاستقامة على صراطه المستقيم ، وجعل حبه مشروطا باتباعه في هديه على الصراط المستقيم الذي هو صراط المنعم عليهم ، و على رأس هؤلاء سيد المنعم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أفاض عليه سبحانه وتعالى نعمه وأتمها عليه.
وأما صفة المنصور النصر العزيز فقد تمثلت في ما حقق الله تعالى له من انتصارات وفتوحات مبينة تحققت له في عقدين وثلاث سنين ،وهي فترة قصيرة إذا ما قورنت بتلك الإنجازات العظيمة، وكان كل ذلك بعون وتأييد من الله عز وجل الذي كان يمده بجند من ملائكته الكرام يقاتلون معه ومع صحابته الكرام جنبا إلى جنب. وما من فتح أو نصر وعده الله تعالى به إلا وتحقق ، وكان ذلك أيضا من كرامته على رب العزة جل جلاله .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بما تضمنته فاتحة سورة الفتح العظيمة من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رافقت بعض أحواله في الجهاد، وهي سورة يتلوها المؤمنون في مناسبات تقام في بيوتهم تيمنا وتبركا بها ، وبما أودع الله تعالى فيها من بشارات لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأتباعه المؤمنين ،وفي ذلك أيضا حفاوة بانتشار دين الله عز وجل في الأرض، ودخول الناس فيه أفواجا، وبانتشاره عمت البشرية جمعاء الخيرات والبركات .
وثاني ما أُرِيد التذكير به هو ضرورة حرص المؤمنين على التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات المشار إليها في فاتحة هذه السورة الكريمة ،ويكون ذلك أولا بالحرص على تقوى الله عز وجل والاستقامة على صراطه المستقيم بطاعته وطاعة رسوله والتقرب إليه بصالح الأعمال والأقوال رجاء فتوحاته ،ونصره ،ومغفرته، وتمام ودوام نعمه، وهديه .وما أحوج المؤمنين وهم يتلون هذه السورة المباركة تيمنا وتبركا بها خصوصا في هذا الزمان العصيب الذي كثرت فتنه إلى تشرب ما جاء فيها من بشارات رغبة في بلوغ ما أراد الله تعالى فيها من حث عباده المؤمنين على استزادة الإيمان في قلوبهم لنيل وعده الصادق بدخول جنته ونيل مغفرته.
اللهم إنا نسألك فتوحاتك، ونصرك ،وعونك، ومغفرتك، وهدايتك ،وتمام نعمتك، ونسألك الثبات على صراطك المستقيم وهديك القويم ، واجعل اللهم رسولك الكريم قدودتنا وإسوتنا ، واجعله يا رب شفيعا لنا يوم الحشر .
اللهم إن لك عبادا في بيت المقدس وأكنافه مظلومين ومحاصرين ومجوعين فارفع اللهم عنهم الظلم والحصار، وأطعمهم من جوع ،وآمنهم من خوف ، اللهم عليك بأعدائهم فإنهم قد طغوا في البلاد ،وأكثروا فيها الفساد، فصب اللهم عليهم سوء عذاب كما فعلت بالغابرين من الطغاة .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire